كورونا

على وقع ضربة كورونا هل اقتربت حقبة ترامب من النهاية؟

ربما تستطيع هذه الصورة، الملتقطة اليوم لمنطقة (جورج تاون) التجارية المزدحمة عادة، في العاصمة الأمريكية واشنطن أن تلخص ببلاغة حجم ووقع الضربة التي سددها فيروس كورونا إلى صميم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الولايات المتحدة. بالتأكيد هذا المشهد تكرر كثيرًا في معظم الولايات الأمريكية، وفي بلدان أخرى حول العالم، لكن عندما يكون هذا المشهد، مقترنًا بحلول الولايات المتحدة، في المركز الأول عالميًا، في عدد المصابين بهذا الفيروس، فإنه بالتأكيد يكون أكثر إيلامًا للمواطن الأمريكي، وهو ما يضع ضغوطًا أكبر على صانع القرار الأمريكي، الذي كان منذ بضعة أشهر، يتفاخر بمنجزاته في مجال الاقتصاد، فإذ به الآن يجد كل ما أنجزه، مهددًا برياح كورونا متعددة التأثيرات والنتائج.

أعداد المصابين والضحايا … ضغوط تتزايد على البيت الأبيض

يوم الاثنين الماضي، تجاوز العدد الكلي للضحايا في الولايات المتحدة، حاجز 3400 فرد، بعد وفاة 500 شخص في هذا اليوم، اليوم فقط تم تسجيل 12730 إصابة جديدة، منها ثمانية آلاف إصابة في ولاية نيويورك. وتم خلال هذا اليوم تسجيل 290 حالة وفاة، ليصل إجمالي عدد حالات الإصابة المؤكدة في الولايات المتحدة إلى 176518 حالة، وهو رقم قياسي لم تصل إليه حتى الصين، التي ينسب إليها الرئيس الأمريكي أصل الفيروس. ووفقًا لآخر بيانات المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، انتشر فيروس كورونا في 44 ولاية أمريكية بخلاف مدينة واشنطن العاصمة، وتأتي ولايات نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا وميشيجان وفلوريدا كأكثر الولايات تضررًا من هذا الفيروس.

هذه الأرقام تجعل من أزمة فيروس كورونا، الأزمة الأكبر في التاريخ الأمريكي، مقارنة بكوارث تمت سابقًا، ونتج عنها أعداد كبيرة من الضحايا، مثل زلزال سان فرانسيسكو عام 1906، والذي نتج عنه ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثمانية وتسعون ضحية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي راح ضحيتها 2996 شخص. مستقبل الأعداد الحالية للضحايا يبدو ضبابيًا، فكلية الطب بجامعة واشنطن، تنبأت أنه بحلول 20 أبريل، قد يصل معدل الوفيات اليومية إلى 2000 شخص، وهو رقم كارثي بكل المقاييس.

خطايا ترامب … رهان على مستقبله السياسي

جملة الأخطاء والخطايا التي بدأت الأوساط الشعبية والحزبية في الولايات المتحدة، في تناولها سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو الصحف والقنوات الفضائية، تعد هي المهدد الأساسي، لمستقبل ترامب السياسي، وهو الذي خرج لتوه منتصرًا، من معركة (العزل السياسي)، ليجد نفسه أمام أزمة لم تكن في حساباته، خاصة وأن شهر نوفمبر يقترب حثيثًا، وما يحدث الآن سوف يؤثر قطعًا على حظوظه في الانتخابات المقبلة.

هذه السلسلة من الأخطاء والخطايا، بتجاهل ترامب لتقارير المخابرات الأمريكية، التي نبهت منذ مطلع العام الجاري إلى أن فيروس كورونا في طور التحول إلى وباء عالمي، وأنه في حالة وصوله للأراضي الأمريكية، سينتج عنه عشرات الآلاف من المصابين والضحايا.

هذا التحذير لم يلق آذانًا مصغية من جانب إدارة ترامب، التي ظلت تستهين بهذه المخاطر، حتى وقت قريب، وذلك عبرت عنه تصريحات ترامب نفسه، الذي كان يتمنى فيها، أن تتوقف حالات الإصابة عن التصاعد، ورغبته في حدوث (معجزة)، تنقذ بلاده من هذا الوباء.

حتى في الأسابيع الأولى لظهور الفيروس على الأراضي الأمريكية، كانت استجابة إدارة ترامب للنصائح والمناشدات الطبية، التي بدأ إطلاقها في الداخل الأمريكي، بطيئة إلى حد بعيد، بما في ذلك النصائح الثمينة التي صاغها المسؤولون السابقون في وزارة الصحة الأمريكية، (سكوت جوتليب) و(لوسيانا بوريو)، في مقال لهما بصحيفة وول ستريت جورنال، بعد أسبوع واحد من تشخيص الإصابة الأولى، والتي كان أبرزها، ضرورة التنسيق الفوري مع القطاع الخاص، لإنتاج حزم اختبار تشخيصية، تتميز بالدقة وسهولة الاستخدام، وهو ما لم تستجب له إدارة ترامب، الا أواخر فبراير الماضي، بعد نحو شهر ونصف من بدء تفشي الفيروس.

وحتى فيما يتعلق بحزم الاختبارات التي يتم استخدامها للكشف عن المصابين بالفيروس، كشفت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية، عن رفض عديد من المستشفيات والمعامل في معظم الولايات الأمريكية، إجراء الفحص اللازم للكشف عن المصابين بفيروس كورونا، بحجة عدم ظهور أعراض الوباء على بعضهم، وقيل للبعض الآخر إنه لا داعٍ لإجراء الفحص لأنهم لم يسافروا إلى خارج البلاد. وهذا يتضح بصورة كبيرة في ولاية نيويورك، التي حتى نهاية الشهر الماضي، لم يتمكن سوى أقل من 2000 من سكانها، من إجراء فحوص للكشف عن إصابتهم بهذا الفيروس، والنتيجة أن هذه الولاية حاليًا هي الأكثر تضررًا من هذا الفيروس بين كافة الولايات الأمريكية.

بعد ذلك بدأ الستار ينكشف عن عجز القطاع الصحي لأكبر دولة في العالم، عن مواجهة حالة طارئة مثل هذه، فظهر النقص الحاد في مهمات الحماية الشخصية، المتوفرة للأطقم الطبية في كافة الولايات الأمريكية، وكذلك أجهزة التنفس الصناعي، التي تعالت منذ اوائل فبراير الماضي، الأصوات المطالبة بتفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، من أجل إنتاجها، نظرًا للنقص الشديد فيها، إلا أن إدارة ترامب تأخرت كثيرًا في الاستجابة إلى هذه المطالبات، إلى أن قامت بالفعل بتفعيل القانون يوم 27 مارس الجاري.

الملاحظة الأكثر أهمية فيما يتعلق بأداء الرئيس الأمريكي في هذه الأزمة، أنه كان يستهدف منذ البداية، تحويلها إلى أزمة تواجهها الحكومة الفيدرالية، وليست أزمة تواجهها هو وإدارته، وهذا كان واضحًا بشكل كبير، عندما شكّل ترامب فريقًا حكوميًا خاصًا لإدارة هذه الأزمة، وقام بتعيين نائبه مايك بنس على رأس هذا الفريق. بالإضافة إلى ذلك، اتبع ترامب استراتيجية تستهدف الخارج والداخل في نفس التوقيت، فبدأ في زيارات ميدانية يومية لمنازل العشرات من المواطنين الأمريكيين، للحديث معهم بشكل يوحي من خلاله أنه يعمل في إطار جهود الحكومة الفيدرالية لمكافحة هذه الأزمة، كما يوحي من خلال هذه الأحاديث الشعبوية، أنه يخوض حربًا ضروسًا، يحتاج فيها لدعم الأمريكيين، ويشبهها باستحقاقات سابقة، مثل حملة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ضد الجريمة المنظمة، وحروب جورج بوش ضد الإرهاب، والأدهى أن هذه الأحاديث تصاحبها أحيانًا بعض المعلومات الطبية، والإرشادات التي يدلي بها ترامب، للوقاية الشخصية من هذا الفيروس.

الأكيد أن ترامب استفاد بشكل كبير من غياب معظم الوجوه السياسية من كلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري عن أداء دور فعال في هذه الأزمة، وبالتالي بدأ في محاولة استدراك أخطاء الأسابيع الماضية، وتسويق الصورة السابق ذكرها داخلياً. وقد انعكس هذا على استطلاعات الرأي، فبعد أن كان منافس ترامب الرئيسي جو بايدن متقدمًا عليه بسبعة نقاط في فبراير الماضي، أظهرت الاستطلاعات الأخيرة للرأي أن الفارق بينهما قد تقلص إلى نقطتين فقط. كذلك أجرت مؤسسة (بيو) الأمريكية، استطلاعًا مماثلاً ارتفعت فيه نسبة الأمريكيين المتفقين مع أداء الرئيس الأمريكي، بخمسة نقاط منذ يناير الماضي، حيث وصلت نسبة مؤيديه إلى 44 بالمئة.

خارجيًا، انتهج ترامب نهجًا تصادميًا، خاصة مع الصين التي هاجمها عدة مرات، وكذلك مع دول أخرى مثل فنزويلا، التي رصدت إدارته مبالغ طائلة، من أجل القبض على رئيسها نيكولاس مادورو، أو روسيا والسعودية، اللتين هاجمهما ترامب على خلفية حرب أسعار النفط التي بدأت بينهما. 

في نفس الإطار، اتخذ ترامب عددًا من الخطوات الخارجية، التي قد تساهم في تقليل الضغط الداخلي الواقع عليه، فأرسل إلى العراق ثلاث بطاريات باتريوت لحماية قاعدة عين الأسد، التي تتواجد فيها قوات أمريكية، وأعلنت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، يوم الأحد أنها ستُقدم أجهزة لكشف فيروس كورونا إلى الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، وصرح ترامب بأن الولايات المتحدة سترسل معدات طبية لمكافحة وباء كورونا المستجد إلى إيطاليا ولاحقًا إلى فرنسا وإسبانيا، في محاولة منه لاستعادة الدور الأمريكي الخارجي من الصين.

ولو أن هذه الخطوة بدأت في تلقي انتقادات داخلية كبيرة في الولايات المتحدة، نظراً لأن الولايات المتحدة نفسها تعاني من نقص حاد في هذه المواد التي يعتزم ترامب إرسالها إلى روما وباريس ومدريد وبغداد، وهو نقص جعل الولايات المتحدة تستقبل مساعدات من الصين وروسيا، بل وحتى من إيران، التي أعلنت تقديمها لمجموعة من أجهزة الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا إلى الولايات المتحدة الأميركية، عبر السفارة السويسرية في طهران، ذلك رغم إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، الاثنين الماضي، تجديدها لأربعة قيود على البرنامج النووي الإيراني لمدة 60 يوما إضافية.

بومبيو … مهاجمة الخارج لتغطية الداخل

من أبرز الدلائل على النهج التصادمي الدعائي الحالي لترامب في الملفات الخارجية، سلسلة التصريحات التي ادلى بها خلال الأيام الماضية، وزير خارجيته مايك بومبيو، فقد طالب الرئيس الفنزويلي مادورو، والمعارض الرئيسي له جوايدو بإتاحة تنظيم انتخابات جديدة في فنزويلا، وهاجم إيران، عبر القول إنها تستثمر بالقنابل والصواريخ على حساب شعبها، وبالتالي هي من تعاقبهم لا الولايات المتحدة، وانتقد الحزب الشيوعي الصيني، واتهمه بأنه مازال يحرم العالم من المعلومات التي يحتاجها بشأن فيروس كورونا، وهدد أيضاً بالرد على اي هجوم يطال القوات الأمريكية في الخارج عموما، والعراق بشكل خاص، وفي الساعات الماضية، ناشد المملكة العربية السعودية، أن تقوم بطمأنة الأسواق النفطية، وذلك بالتزامن مع مكالمة هاتفية بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

يبدو من أداء بومبيو الأخير، أنه يستهدف أولًا تخفيف الضغوط الداخلية، والخارجية على الرئيس ترامب، وفي نفس الوقت محاولة استعادة المبادرة الأمريكية في محيطها الدولي، وهي المبادرة التي تعرضت لخرق كبير، بفعل طائرات المساعدات الصينية والروسية، التي تدفقت على أعضاء حلف الناتو، وعلى رأسهم إيطاليا.

كورونا … معركة ترامب الكبرى والأخيرة

حتى الآن لم يتضح ما إذا كانت الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، ستنعقد في موعدها، أم سيتم اتخاذ إجراء غير مسبوق، يتم فيه تأجيلها، خاصة وأن نحو 13 ولاية أمريكية، آخرها ولاية نيويورك، قامت بتأجيل الانتخابات التمهيدية، وكذا كافة المؤتمرات والمناظرات المباشرة بين المرشحين. لكن أيًا كان ما سيحدث، تبقى المعادلة الخاصة بمستقبل ترامب السياسي بسيطة وواضحة، نجاحه في العبور ببلاده من هذه الأزمة، سوف يجعله في مصاف أهم رؤساء الولايات المتحدة عبر تاريخها، أما إذا عجز النظام الصحي الأمريكي عن استيعاب تداعيات هذا الفيروس، وتفاقمت الأوضاع في البلاد بشكل أكبر من الوضع الحالي، فإن ترامب قد كتب بالفعل فصل النهاية في مساره السياسي، ليدفع ثمن اللامبالاة وسوء التقدير، لتبعات أزمة لن يكون العالم بعدها مثل ما كان قبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى