ليبيا

نفاد الفرص؟… ماذا بعد جلسات المسار الدستوري الليبي؟

ربما كان أغلب التوقعات حيال الجولة الثالثة والأخيرة من اجتماعات بحث القاعدة الدستورية للانتخابات الليبية التي جمعت لجنتي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في القاهرة غير متفائلة بشأن إمكانية التوصل إلى حلول وسط حول المواد الدستورية الخلافية بين الجانبين، لكن على الجانب الآخر كان هناك شبه إجماع على أن هذا المسار يعد الفرصة الأخيرة المتاحة في المدى الزمني الحالي، لإيجاد حلول ناجعة لملف الانتخابات التشريعية والرئاسية، خاصة بعد أن حل -الواحد والعشرين من يونيو- الذي يراه البعض بمثابة تاريخ نهاية شرعية الأجسام السياسية الحالية في ليبيا على اختلافها، وكذا نهاية خارطة الطريق الأممية التي كان من المفترض أن تؤدي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.

الجولة الثالثة من هذا المسار احتضنتها القاهرة هذا الشهر، وقد حاول المجتمعون فيها البناء على ما تحقق من تقدم “نسبي” في الجولة الثانية من هذه المباحثات، تم خلاله التوافق على عدد يتراوح بين 137 و140 مادة من مواد مسودة الدستور، وهي معظم مواد الأبواب الأول والثاني والثالث والرابع من المسودة. تلا ذلك تشكيل لجنة مصغرة مشتركة أعدت صياغة توافقية لنصوص المواد المتفق عليها، وأحالتها إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لإقرارها، انتظارًا لبحث ما تبقى من مواد دستورية خلال الجولة الثالثة.

المواد التي لم يتم حسم الخلاف حولها في الجولة الثانية بلغ مجموعها 57 مادة، تخص: آليات الحكم المحلي، ومقر السلطتين التشريعية والتنفيذية ومهامهما، والمادة 183 الخاصة بالأحكام الانتقالية لانتخاب رئيس الدولة والبرلمان، ومواد أخرى خاصة بماهية نظام الحكم واختصاصات رئيسي الدولة والحكومة، ومهام المؤسسات الأمنية والعسكرية، بجانب المواد المتعلقة بالهيئات التشريعية المقترحة والتي تتكون من مجلسين – مجلس شورى ومجلس نواب- وهي نقطة خلاف أساسية، خاصة فيما يتعلق بما إذا كانت انتخابات مجلس الشورى ستتم على غرار انتخابات مجلس النواب التي تستند إلى نظام الدوائر الانتخابية، أم على نظام تمثيلي إقليمي يتم فيه ترجيح عدد ممثلي منطقة معينة ديموجرافيا.

جولة ثالثة لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة

دخلت لجنتا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى الجولة الثالثة من المباحثات هذا الشهر بهدف أساسي وهو بحث المواد الدستورية الخلافية المتبقية، خاصة المواد المتعلقة بتحديد عاصمة البلاد، وتوزيع مقاعد السلطة التشريعية، والمدينة التي ستحتضن مقرات هذه السلطة، بجانب المواد الخلافية الرئيسة المتعلقة بصلاحيات الرئيس وشروط الترشح لهذا المنصب، وكذلك المواد الخاصة بالحكم المحلي ومجالس إدارة البلديات والمحافظات والأحياء. 

التركيز خلال المباحثات كان حول أبرز القضايا الخلافية، مثل إمكانية ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية لمنصب الرئاسة؛ إذ تراوحت الآراء في هذا الصدد بين رافض لترشح العسكريين ومُطالب باستثنائهم لدورة انتخابية واحدة فقط، وبين من يوافق على ترشح مزدوجي الجنسية ومن يرفض هذا الأمر قطعيًا. يضاف إلى هذه القضية ملف مواد الحكم المحلي، خاصة عدد المحافظات وآلية وضوابط انتخاب المحافظين وعمداء البلديات، بجانب مواد أخرى خاصة بالأحكام الانتقالية وحقوق الأقليات، وأولوية عقد الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.

لمناقشة هذا المواد، تم خلال الجولة الثالثة من المباحثات تشكيل لجنتين مصغرتين، تولت الأولى مناقشة المواد المتعلقة بشروط الترشح للرئاسة، في حين ناقشت الثانية المواد الخاصة بنظام الحكم المحلي. لم تستطع كلا اللجنتين تحقيق إنجاز يذكر، سوى التوافق بشكل مبدئي حول شروط الترشح لمنصب الرئيس، وتحديدًا ما يتعلق بمزدوجي الجنسية والعسكريين، فتم التوافق على أن يقدم مزدوجو الجنسية ما يفيد بأنهم تنازلوا عن جنسيتهم الثانية عند تقديم أوراق الترشح لمنصب الرئاسة، في حين يتقدم أصحاب الرتب العسكرية وكذلك من يتولون مناصب حكومية مدنية بما يفيد استقالتهم من مناصبهم عند تقديم أوراق الترشح، على أن تتم إعادتهم إلى مناصبهم السابقة عقب الانتخابات بواسطة الرئيس المنتخب.

لم يتم التوافق على بقية المواد الخلافية، لذا لجأت كلا اللجنتين إلى محاولة عقد لقاء مشترك بين رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، لكن لم يتم هذا الاجتماع، وبالتالي انتهت عمليًا الجولة الثالثة والأخيرة من جلسات المسار الدستوري بدعوة مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز كلًا من عقيلة صالح وخالد المشري إلى الاجتماع خلال العشرة أيام المتبقية في الشهر الجاري؛ لبحث المواد الدستورية الخلافية، في اعتراف صريح بأن الحل الوحيد المتاح في هذا الزمن المحدود يبقى في توافق كلا الرجلين على حلول وسط للمواد الدستورية الخلافية، وهي مهمة تبدو بعيدة المنال.

عدم تمكن كلا المجلسين -النواب والأعلى للدولة- من انتهاز فرصة احتضان القاهرة لاجتماعاتهما، والتي تزامنت مع جولة مباحثات للجنة العسكرية المشتركة “5+5″، استضافتها القاهرة أيضًا، يعزى بشكل أساسي إلى فشلهما في تجاوز توجهاتهما المختلفة -بين رغبة من مجلس الدولة في بحث القاعدة الدستورية للانتخابات، ورغبة مجلس النواب في تعديل الإعلان الدستوري الثاني عشر الذي أصدره مؤخرًا- والذهاب إما للتوافق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات، أو مراجعة مسودة الدستور الصادرة عن الهيئة التأسيسية في يونيو 2017. ودخل كلا الجسمين السياسيين إلى جلسات بحث المسار الدستوري بناءً على خلفيتين مختلفتين، فمن حيث المبدأ وضع المجلس الأعلى للدولة نصب عينيه الدستور، في حين حاول مجلس النواب وضع ملف الحكومة على طاولة النقاش، وهو ما كان مرفوضًا من جانب المجلس الأعلى للدولة.

النتيجة الحالية للمسار الدستوري الليبي جعلت مسألة إجراء الانتخابات في المدى المنظور أكثر صعوبة وتعقيدًا، خاصة بعد تصريحات رئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السايح، التي أكد فيها على أن تأخير تسليم التشريعات الانتخابية بعد شهر يوليو المقبل سوف يجعل فرص عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال العام الجاري شبه معدومة، في حين يمكن تحديد موعد الانتخابات في ديسمبر المقبل، في حالة ما إذا تم تسليم التشريعات الانتخابية المتوافق عليها بحلول الشهر القادم. في نفس الإطار، أشار السايح إلى امكانية اجراء استفتاء شعبي على القاعدة الدستورية للانتخابات -في حالة التوافق عليها- خلال 70 يومًا من تسليم بنودها للمفوضية، ما يحصن هذه القاعدة مستقبلًا من أية طعون.

حراك في سرت… والاستعداد للقادم في طرابلس

شهدت مدينة سرت -المقر المؤقت لحكومة فتحي باشاغا المعلنة من جانب مجلس النواب- حراكًا سياسيًا بدا منه تصميم مجلس النواب وحكومته على المُضي قدمًا في تفعيل خطواتهما السياسية على الأرض في هذه المرحلة. تمثل هذا في عقد مجلس النواب جلسة في الرابع عشر من الشهر الجاري تم تخصيصها لبحث الميزانية المقترحة من جانب حكومة باشاغا، والمقدرة بـ 89.6 مليار دينار، تم إقرارها بإجماع آراء المجتمعين في هذه الجلسة، وتعد ميزانية “استهلاكية” مخصصة بشكل أساسي للرواتب وتغطية الودائع، وتمويل بعض المشاريع، وشراء الأدوية والسلع الاستراتيجية، وتشكل الرواتب نحو 55 في المائة منها، في حين تم إلغاء بند “الطوارئ”، الذي استندت حكومة الدبيبة إليه من أجل الإنفاق خلال الفترة الماضية.

إقرار مجلس النواب لهذه الميزانية فتح باب التأويلات حول الرد المتوقع من جانب محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير؛ إذ يرى البعض -ومنهم باشاغا نفسه- ان الصديق “مجبر” على صرف هذه الميزانية، في حين يتخوف البعض من أن يؤدى رفض المصرف المركزي إقرار هذه الميزانية إلى فتح المجال أمام مجلس النواب للاستعانة بفرع المصرف في المنطقة الشرقية، وبالتالي إنهاء عملية توحيد المصرف المركزي.

في سرت أيضًا، اجتمع عقيلة صالح وفتحي باشاغا، بشكل منفصل، بعدد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، لبحث مستجدات المسار الدستوري، وما بعد نهاية المدة الزمنية لخارطة الطريق السياسية، والخطوط العريضة للميزانية الحكومية. هذه الخطوة أراد منها باشاغا استغلال قناعة عدد كبير من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، بأن حكومة الدبيبة أصبحت فعليًا خارج ولايتها القانونية بعد حلول الواحد والعشرين من الشهر الحالي. 

هذا ترافق مع مبادرة تقدم بها باشاغا على شكل خارطة طريق سياسية، تبدأ بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، تعهد بأن تكون حرة ونزيهة وفي أقرب وقت ممكن، وأن يتم خلالها ضمان الحق الكامل للجميع في التصويت أو الترشح. وأكد التزامه بتسليم السلطة بعد الانتخابات واحترام نتائجها، والتزامه بتوفير وضمان الحد المقبول من الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والمستوى المقبول للخدمات الصحية والتعليمية، وضمان الشفافية والمساءلة في جميع العمليات الحكومية، قبل وأثناء وبعد الانتخابات، إلى جانب ضمان استقرار إنتاج النفط ومكافحة الفساد.

مبادرة باشاغا تحمل في طياتها تأكيدًا على عزمه المضي قدمًا في تفعيل حكومته، والتجهيز لإدارة المرحلة القادمة، التي قد تشمل تكريس ثنائية الشرق والغرب في ليبيا مرة أخرى، وإعادة حالة الازدواج الحكومي مرة أخرى. ورغم عدم وضوح الملامح التفصيلية للمبادرة، إلا أنها تقارب إلى حد كبير مبادرة سابقة لرئيس الحكومة المقالة من جانب مجلس النواب، عبد الحميد الدبيبة، الذي شكل في وقت سابق “لجنة عودة الأمانة للشعب”، للعمل على التوصل إلى أسس قانونية يمكن إقامة الانتخابات على أساسها.

الدبيبة أكد الخميس الماضي في خطاب له خلال اجتماع لحكومته استمرار هذه الحكومة في مهامها إلى أن تتم الانتخابات، مشيرًا إلى أن انتخابات المجالس البلدية سوف تنطلق منتصف يوليو المقبل، وهي خطوة تتعارض مع المباحثات التي تضمنتها الجولة الثالثة من اجتماعات المسار الدستوري في القاهرة، والتي تناولت ملف الحكم المحلي.

اللافت في هذا الإطار، انعقاد عدة اجتماعات للمكونات القبلية في ليبيا خلال الشهر الجاري، من بينها ملتقى المكونات الاجتماعية، الذي نظمته قبائل من المنطقة الشرقية في مدينة سلوق، ودعت فيه إلى إنهاء وجود كافة الأجسام السياسية الليبية التي انتهت ولايتها القانونية، وطالبت بعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مدة أقصاها نهاية العالم الجاري، وهددت بأنها ستلجأ إلى التصعيد والعصيان المدني، في حالة عدم انعقاد الاستحقاقات الانتخابية في المدى المنظور. حل الأجسام السياسية الحالية كان مطلبًا أيضًا للأمازيغ الذين عقدوا لقاءً تشاوريًا في مدينة “نالوت”، رفضوا فيه كذلك مخرجات المسار الدستوري، نظرًا لعدم تمثيل القومية الأمازيغية في الوفود المتناقشة حوله.

استنفار عسكري متصاعد في طرابلس

تزايد حالة الاستقطاب السياسي انعكس بشكل أو بآخر على حالة المسار العسكري والوضع الميداني، خاصة في المنطقة الغربية؛ إذ شهدت العاصمة طرابلس بالتزامن مع بدء المرحلة الثالثة من مباحثات المسار الدستوري في القاهرة، جولة عنيفة من القتال والاستنفار، بلغت ذروتها فجر الحادي عشر من الشهر الجاري. 

حملت هذه الجولة من القتال -التي دارت رحاها في منطقة سوق الثلاثاء المكتظة بالمدنيين- عنوانين أساسيين؛ الأول يمثل إحدى تبعات محاولة الدخول الثانية إلى العاصمة، والتي قام بها فتحي باشاغا الشهر الماضي، وأسفرت عن شرخ مهم في ما يمكن أن نطلق عليه “الجبهة الغربية”، تمثل في إقالة الدبيبة لقائد ميليشيا النواصي، مصطفى قدور من منصبه كنائب لرئيس جهاز المخابرات للشؤون الأمنية، وإعفاء أسامة الجويلي، أحد أبرز القيادات العسكرية في المنطقة الغربية، من منصبه كمدير إدارة الاستخبارات العسكرية، الذي تولاه في نوفمبر الماضي.

هذه الإقالات أدت إلى استنفار الجويلي والقوى التابعة له داخل العاصمة طرابلس، وبشكل محدد الميليشيات التي تم استقدامها من مدينة الزنتان، بجانب ميليشيا “النواصي”، ودخلت هذه القوى بشكل متكرر في اشتباكات مع الميليشيات الرئيسية الداعمة لحكومة الدبيبة، وعلى رأسها ميليشيا “دعم الاستقرار”، و”فرقة الإسناد الأولى”، بجانب مجموعة من القوى المسلحة تطلق على نفسها اسم “قوة دعم الدستور”. اشتباك سوق الثلاثاء كان بشكل أساسي بين ميليشيا النواصي وميليشيا دعم الاستقرار، وتدخلت للفصل بينهما فيه القوة “444”، التي انتشرت في العاصمة، انطلاقًا من معسكراتها في منطقة صلاح الدين، وكان لها سابقًا دور في الفصل بين القوات المتقاتلة خلال محاولة باشاغا الأخيرة دخول العاصمة.

منذ ذلك التوقيت، تتدفق على العاصمة بشكل مستمر التعزيزات القتالية من الزنتان نحو مناطق تجمع قوات أسامة الجويلي في نطاق منطقة العزيزية ومعسكر اللواء الرابع جنوب العاصمة. وتلقت القوى الموالية للدبيبة تعزيزات من الميليشيات الموجودة في محيط شرق مدينة الزاوية، مثل ميليشيا “القوة المتحركة” التي تنشط بشكل أساسي في منطقة جنزور، وأرسلت خلال الأيام القليلة الماضية رتلًا عسكريًا كبيرًا، لوحظ فيه وجود راجمات المدفعية الصاروخية من عيار 122 ملم “جراد”. يضاف إلى هذا إصدار عبد الحميد الدبيبة أمرًا -بصفته وزيرًا للدفاع في حكومته- للوحدات العسكرية الموالية له بالانتشار في كافة أنحاء العاصمة وفي محيط مقر رئاسة مجلس الوزراء.

تظل تجربة اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5)، صامدة رغم التداعيات الميدانية في طرابلس، فقد احتضنت القاهرة هذا الشهر اجتماعًا إيجابيًا لهذه اللجنة، للبناء على ما تم التوافق عليه خلال اجتماعات هذه اللجنة في تونس وإسبانيا مؤخرًا. اجتماعات القاهرة تمت بحضور الفريق أول ركن عبد الرزاق الناظوري، رئيس أركان الجيش الوطني، والفريق أول ركن محمد الحداد، رئيس أركان حكومة الوحدة الوطنية. 

لا تواجه هذه التجربة مخاطر تصاعد التوتر داخل العاصمة بشكل أكبر، بل تواجه أيضًا تمديدًا لوجود القوات التركية في المنطقة الغربية، فقد أحالت الرئاسة التركية منذ أيام مذكرة إلى رئاسة البرلمان، لتمديد مهام القوات التركية في ليبيا، لمدة 18 شهر، بدءًا من الثاني من الشهر القادم.

سيناريوهات ما بعد يونيو

في ظل حالة الاستقطاب الحالي في ليبيا، وتأكد حقيقة أن كلا الحكومتين القائمتين حاليًا لا تمتلكان الموارد اللازمة أو السيطرة الأمنية الكاملة أو التحكم في كامل التراب الليبي لإدارة عملية انتخابية شاملة، تظل الآمال معلقة على إحداث حالة من التوافق بين رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، في حالة ما إذا تم عقد لقاء بينهما خلال الشهر الجاري. هذا التوافق وإن كان صعبًا في ظل المدى المحدود المتبقي، إلا أنه يبقى الحل الأفضل والأكثر واقعية في ظل الظروف الحالية.

السيناريوهات الأخرى تتضمن مجموعة من التحركات التي إما تنقصها الشرعية والبنود القانونية، أو تفتقر إلى آليات التنفيذ، منها مثلًا خيار أن يتم التوافق على قاعدة دستورية مؤقتة، يتم فيها تجاوز المواد الخلافية، وتكون مخصصة لفترة برلمانية واحدة فقط، أو قيام المنطقة الغربية بالاستفتاء -بصورة منفردة- على مسودة مشروع الدستور الحالي، وهو سيناريو ألمح إليه أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور. 

وتتضمن هذه السيناريوهات كذلك إصدار المجلس الرئاسي إعلان دستوري جديد، أو حتى مراسيم بقوانين لاعتماد قاعدة دستورية للانتخابات القادمة، وهو ما يعني فعليًا تجميد عمل مجلسي النواب والأعلى للدولة. بعض الأوساط في المنطقة الغربية طرحت أيضًا سيناريو عقد الانتخابات التشريعية في المنطقة الغربية فقط، على أن تعقد في المنطقة الشرقية لاحقًا.

بغض النظر عن سيناريوهات المرحلة المقبلة، تبقى الحقيقة المؤكدة حاليًا هي أن ليبيا لم تعد في حاجة إلى خارطة طريق متوسطة أو بعيدة المدى، بل تحتاج بشكل عاجل إلى حل سياسي شامل، يتم فيه تجاوز حالة محتمة من “عدم الشرعية” ستطول الأجسام السياسية الليبية كافة، وهو وضع -إذا ما نظرنا إليه جنبًا إلى جنب مع حالة التوتر الميداني التي تعيشها العاصمة ومحيطها- سنجد أنفسنا أمام مشهد يرفض فيه الجميع اللجوء إلى السلاح، لكن قد يجبرهم انسداد الأفق السياسي على استخدام هذه الوسيلة التي عانت ليبيا كثيرًا منها، ولم تخبو بعد نيران استخدامها مؤخرًا في طرابلس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى