أوروبا

قراءة في الوثائق البريطانية حول دور لندن خلال “نكسة 1967”

رغم مرور عقود طويلة على حرب عام 1967، التي أسفرت عن تغير جذري في مشهد الشرق الأوسط، وتسببت في تفاقم المعاناة الفلسطينية التي بدأت فعلياً عام 1948، فإن مزيداً من الأسرار والتفاصيل  غير المعروفة مازالت تخرج إلى دائرة الضوء، خاصة فيما يتعلق بحجم ومدى الدور الذي لعبته القوى الدولية الكبرى في هذه الحرب.

في هذا الإطار، كشفت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) خلال العام الجاري، سلسلة من الوثائق المتعلقة بالشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة في القرن العشرين، وآخر هذه الوثائق المكشوف عنها مؤخراً، كانت وثائق تتعلق بالمقاربة البريطانية لكيفية التعامل مع التوتر الذي بدأ في التصاعد بشكل دراماتيكي بعد إغلاق مصر لمضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية منتصف مايو 1967

توضح الوثائق البريطانية أن لندن كانت تخشى عددا من التداعيات التي من الممكن ان تصيب مصالحها في الشرق الأوسط في حالة تمكن القاهرة من فرض كلمتها في أزمة إغلاق مضيق تيران، وإجبار إسرائيل على التراجع، لكن في نفس الوقت تشير هذه الوثائق إلى أن الحكومة البريطانية قدمت، في تعاملها مع هذه الأزمة، مصالحها مع الدول العربية على تأييدها لإسرائيل، حيث حرصت الحكومة التي ترأسها هارولد ويلسون على عدم إغضاب الدول العربية، وتجنبت اي اعلان سياسي واضح بتأييد المواقف الإسرائيلية قبيل حرب 1967. تضيف الوثائق إلى أن بريطانيا، التي كانت تخشى من تنفيذ الدول العربية تهديداتها بسحب أرصدتها بالجنيه الإسترليني من البنوك البريطانية، في حالة تأييد لندن للمواقف الإسرائيلية، قامت بالإقرار بحق مصر في التحكم في حركة السلع الاستراتيجية المتجهة إلى إسرائيل عبر خليج العقبة.

أزمة إغلاق خليج العقبة

تضمنت الوثائق البريطانية أيضاً بعض التفاصيل حول المناقشات البريطانية-الأمريكية بشأن أزمة إغلاق مضيق تيران، خاصة تلك التي دارت خلال اجتماع مجلس الوزراء البريطاني برئاسة هارولد ويلسون يوم 25 مايو 1967، والذي  رفض فيه الوزراء البريطانيون بالإجماع خطة أمريكية عرضها البنتاجون، لتشكيل قوة بحرية أمريكية بريطانية مشتركة لإنهاء إغلاق مضيق تيران، وضمان حرية الملاحة في خليج العقبة.

وقد تضمن محضر هذا الاجتماع إشارة واضحة إلى رفض الحل العسكري لهذه الأزمة، واعتبار أنه سيتسبب في أضرار كبيرة للمصالح البريطانية في المنطقة، حيث نص على أنه “فيما يتعلق بالعمل العسكري، إذا أصبح ضروريا، لفرض حرية مرور السفن في خليج العقبة، فإن المقترحات الأولية من جانب الولايات المتحدة، التي اعتمدت بشكل مكثف على استخدام قوات البحرية البريطانية في البحر الأحمر، بما فيها حاملة الطائرات إتش إم أس هيرميس، غير مقبولة لنا سياسيا، كما أنها تنطوي على فهم عسكري خاطئ”. 

تضمن محضر هذا الاجتماع ايضاً إِشارة إلى عدم استبعاد الحكومة البريطانية احتمال أن تفرض التطورات استخدام القوة لو أريد تفادي نشوب حرب جديدة بين العرب وإسرائيل، حيث ذكر أنه “إذا كان لابد من استخدام القوة، فيجب ألا نكون في المقدمة، ولا يجب أن يُعتقد أننا كذلك. ومن الضروري أيضا أن تساهم الدول الأخرى، غير الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في أي قوة ستشارك في أي عملية محتملة لفتح المضيق، كما يجب أن يكون واضحا في النقاشات في واشنطن، أن المملكة المتحدة لا ترغب في أن تبدو كأنها في المقدمة في أي إعلان بشأن حرية الملاحة في خليج العقبة، وأن أي قوة دولية ربما يتم تشكيلها لهذا الغرض، لا ينبغي أن تكون إنجليزية أمريكية فقط”.

حرب يونيو 1967

تتناول الوثائق البريطانية بعد ذلك، ملف نكسة عام 1967، حيث تشير إلى أن تقديرات الاستخبارات البريطانية قبيل إندلاع المعارك بنحو أسبوع، كانت تشير إلى ان فرص الجيش الإسرائيلي تبدو أكبر في تحقيق انتصار ميداني من فرص الجيوش العربية، ففي مذكرة بخصوص “الأزمة في الشرق الأوسط”، قدمتها الخارجية البريطانية إلى مجلس الوزراء في التاسع والعشرين من مايو 1967، قال وزير الخارجية البريطاني “جورج براون”، “لا يزال تقدير الاستخبارات البريطانية والأمريكية هو أنه من المرجح أن تَهزِم إسرائيل، الجمهورية العربية المتحدة وغيرها من القوات العربية التي من المحتمل أن تشارك في القتال ضدها، رغم أن التكلفة ستكون دمارا هائلا”. وأضافت هذه المذكرة “لو واجه الإسرائيليون خطر الهزيمة الميدانية، ستتدخل الولايات المتحدة لصالحهم، فالأمريكيون قالوا بوضوح أنهم لا يمكنهم الوقوف متفرجين وهم يرون الإسرائيليين يُلقون في البحر”.

تضمنت مذكرة الخارجية البريطانية أيضاً حسب الوثائق، عرضاً للسيناريوهات المحتملة لأزمة أغلاق مضيق تيران، حيث حذرت المذكرة من الآثار المحتملة لإقرار تسوية لهذا الملف، تسمح بإستمرار إغلاق المضيق، واعتبرت المذكرة أن هذا هو السيناريو الأسوأ.

وأضافت “رغم أن المخاطر التي ستهدد المصالح البريطانية سوف تؤجل في حالة تحقق هذا السيناريو، فإن المرجح أن هذه المصالح ستكون، في النهاية، أكثر ديمومة بكثير، ولو سُمح لمصر بأن تواصل إغلاق المضيق وتحتفظ بانتصارها الدبلوماسي والعسكري، فإن عواقب هذه الترضية ستكون بعيدة المدى”.

وأضافت المذكرة “ان هذه العواقب بعيدة المدى قد تشمل الإطاحة بالنظام الملكي الحاكم في الأردن، وكذا استحالة تحقيق أي تسوية او حل دائم لأزمة اليمن، وستصبح الأنظمة الحاكمة في الدول التي تتركز فيها المصالح البريطانية – خاصة دول الخليج العربي – معرضة للاختراق المصري والسوفيتي، كما ستصبح احتمالية وقوع حرب لتدمير إسرائيل أكبر من أي وقت مضى”. وبعد استعراض كل السيناريوهات، خلصت الخارجية البريطانية في مذكرتها إلى أنه “مهما يكن موقفنا فسوف يبدو كأنه مناهض للعرب وموال لإسرائيل، لذا فإن التوصية الرئيسية هي أنه يجب أن نتبع النهج الذي يسبب أقل الأضرار، لذا “سيكون من الأفضل أن نواصل النهج الذي نتبعه حالياً، ونتابع جهودنا في الأمم المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن، والمضي، في الوقت نفسه، في التخطيط بشأن وسائل عملية متعددة الأطراف للحفاظ على مضيق تيران مفتوحا، حيث يجب أن نظهر استعدادا لأداء دور كبير في العمل بطريقة تتسم بقدر كبير من الطبيعة الدولية، داخل أو خارج الأمم المتحدة، للإبقاء على مضيق تيران مفتوحا للشحن الدولي بما فيه الشحن البريطاني. ثانيا: يجب أن نعمل دبلوماسيا وفي الأمم المتحدة من أجل تسوية عادلة”.

تشير الوثائق أيضاً إلى تفاصيل اجتماع عُقد يوم 30 مايو (قبل الحرب بخمسة أيام )، قرر خلاله مجلس الوزراء البريطاني، بعد استعراض قدمه وزير الخارجية، أن الأولوية هي “حماية مصالح بريطانيا الاستراتيجية”.

واتفق الوزراء المجتمعون على أنه “مهما تعاطفنا مع إسرائيل، فإن مصالحنا الاقتصادية تقع بشكل أساسي في الدول العربية وخاصة تلك التي نعتمد اعتمادا هائلا على نفطها، لذلك يجب أن نضع في الاعتبار هذه المصالح ومصالحنا الأوسع في تجنب صراع دولي في هذه المنطقة كما في أي مكان آخر. ولذا، فإنه من الأهمية الحاسمة بالنسبة لنا ضرورة تجنب المشاركة في قوة إنجليزية أمريكية، تتكون فقط من الدولتين، كي نضمن بفعالية حرية الملاحة في خليج العقبة”.

وقد تضمن محضر هذا الاجتماع إقرارا بريطانيا بحق مصر في ممارسة سيادتها على مضيق تيران، حيث ذكر أن بريطانيا تؤيد المساعي الرامية لإيجاد حل سلمي لأزمة المضيق، وأضاف المحضر “قد يثبُت أنه من المقبول وجوب أن تتضمن هذه التسوية بقاء القوات المصرية في شرم الشيخ وحقا مصريا في السيطرة على مرور السلع الاستراتيجية لإسرائيل، شريطة أن يستثني من هذه السلع الاستراتيجية بوضوح وبشكل خاص البترول”. 

في نهاية محضر هذا الاجتماع، تم تقييم الوضع العسكري الحالي في منطقة الشرق الأوسط، حيث أفاد المحضر ان المجتمعون “أكدوا على أن التغيرات التي حدثت الآن في الأوضاع العسكرية من جانب الدول العربية وخاصة الجمهورية العربية المتحدة مثلت تغييرا دائما في ميزان القوى في الشرق الأوسط، في غير فائدة إسرائيل، وهذا ما يجب أن تقبله إسرائيل والقوى الغربية، كما يجب علينا السعي إلى ضمان ألا يؤدي هذا التغيير إلى سلسلة أخرى من الانتصارات العربية التي تهدد وجود إسرائيل”.

بعد ذلك تناولت الوثائق البريطانية المرفوع عنها غطاء السرية، مرحلة اندلاع حرب الخامس من يونيو 1967، حيث تشير إلى لقاء جمع يوم بدء الحرب، بين وزير الخارجية البريطاني والسفراء العرب في لندن، بناء على طلبهم، وقد تحدث وزير الخارجية البريطاني عن فحوى هذا اللقاء، خلال اجتماع مجلس الوزراء البريطاني الذي انعقد في اليوم التالي لإندلاع الحرب، وقال “موقفهم المبدئي كان الاحتجاج القوي، وأكدوا أنهم سوف يوصون بشكل جماعي حكوماتهم بسحب الأرصدة بالجنيه الإسترليني”.

وأضاف الوزير “لقد نجحت في تطمينهم بشأن الموقف البريطاني، وهم لن يقدموا أي توصية بشأن سحب أرصدة بلادهم من بريطانيا”. في ما يتعلق بالجانب العسكري، نفى الوزير البريطاني لزملائه في مجلس الوزراء، صحة التقارير المصرية والأردنية عن دعم جوي حربي بريطاني وأمريكي لإسرائيل خلال هجومها على المطارات العربية، وقال “هذا ليس صحيحا على الإطلاق.. وفيما يتعلق بنا، فإن هذا مستحيل من الناحية المادية”.

تشير الوثائق أيضاً إلى بعض التفاصيل حول اجتماع آخر لمجلس الوزراء البريطاني، تم في الثامن من يونيو، بعد ثلاثة أيام من بدء الحرب، وبعد أن باتت الدلائل كثيرة وواضحة على انتصار إسرائيل فيها، وقد ناقش المجلس في هذا الاجتماع، الوضع في الشرق الأوسط في ظل الاستعدادات لقمة عربية في الخرطوم في أغسطس 1967.

خلال الاجتماع، أشار وزير الخارجية البريطاني إلى أن هذه القمة ربما تناقش صياغة سياسة مشتركة بشأن وقف لإطلاق النار، وإمدادات البترول، والعلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وأضاف الوزير “مصلحتنا الرئيسية الآن تكمن في إعادة تأسيس علاقاتنا مع الدول العربية على أساس الصداقة قدر الإمكان، والسبيل الأقرب لتحقيق ذلك هو الحرص على التقليل قدر الإمكان من التصريحات العلنية بشأن الموقف في الشرق الأوسط. ولذلك، يجب أن نتجنب لو أمكن إصدار بيان آخر في البرلمان اليوم”، وقد أقر المجلس بالإجماع تقييم وزير الخارجية هذا.

التداعيات الاقتصادية لحرب 1967

يتناول القسم الأخير من هذه الوثائق، الإجراءات البريطانية لمواجهة التداعيات الاقتصادية لحرب الخامس من يونيو 1967، فعلى الرغم من أن مجلس الوزراء البريطاني تمكن من تفادي تنفيذ السفراء العرب تهديداتهم بالتوصية بسحب الأرصدة العربية بالجنيه الإسترليني من بريطانيا، إلا أن قلق لندن أستمر بسبب احتمال فرض الدول العربية حظرا على تصدير البترول إلى الدول المساندة لإسرائيل، وهو ما حدث لاحقا بالفعل.

وتكشف الوثائق أن الحكومة البريطانية بدأت مبكرا العمل على مشروع لترشيد الطاقة عن طريق توزيع قسائم تحدد حصة كل مواطن بريطاني من المحروقات، وهذا تمت مناقشته في اجتماع مجلس الوزراء البريطاني في الثامن من يونيو 1967، حيث استعرض وزير الطاقة البريطاني “فريدريك لي” خلال هذا الاجتماع الموقف العام، وقال “تنفيذ مشروع ترشيد استهلاك البترول يحتاج شهرين ونصف الشهر وإلى 5 آلاف شخص للتنفيذ. وفي ضوء الموقف الملتبس، من الضروري أن توضع الاستعدادات الآن لترشيد استهلاك البترول حتى إذا أصبح من الضروري تطبيقه، فإن هذا التطبيق يتم قبل أن ينخفض المخزون بشكل خطير، لذا نوصي باستمرار التخطيط بشأن ترشيد استخدام البترول”.

بعد هذا الاجتماع بنحو أثني عشر يوماً، عقدت الحكومة البريطانية اجتماعاً أخر برئاسة وزير الاقتصاد مايكل ستيوارت، وقال وزير الطاقة خلال هذا الاجتماع، أن إمدادات البترول الواردة إلى بريطانيا لم يطرأ عليها تغير كبير، وأضاف “مازالت قناة السويس مغلقة، العراق وليبيا لا ينتجان البترول، كل الدول العربية الأخرى تمنع الإمدادات عن وجهتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، رغم ذلك لازالت الاستعدادات لتطبيق نظام ترشيد استهلاك البترول تسير، ونعتزم إرسال دفاتر القسائم الضرورية والنماذج التي يجب ملؤها إلى المراكز الإقليمية بنهاية شهر يوليو، كما أن النقاشات مازالت جارية بشأن التشارك في الاستفادة من الإمدادات وخفض استهلاك بترول الوقود في الصناعة”.

هذا الوضع دفع بريطانيا التي كانت بمعية دول أوروبية أخرى، تفرض حظراً  على شراء البترول من الاتحاد السوفيتي رغم أنه الأرخص، على إعادة النظر في هذا الحظر رغم آثاره السياسية، حيث قررت الحكومة البريطانية تكليف وزير الطاقة بأعداد مذكرة تتضمن القضايا التي يثيرها رفع الحظر البريطاني عن شراء البترول من الاتحاد السوفيتي، على أن توزع على الجهات المختصة متضمنة التأثيرات المحتملة لمثل هذه الخطوة على سياسة بريطانيا الخارجية واستثماراتها الهائلة في الشرق الأوسط.

ظل الهاجس الاقتصادي هو الشاغل الأساسي لصانع القرار البريطاني خلال الأشهر اللاحقة، فبعد مناقشات على مختلف المستويات، قررت بريطانيا أن تتبع سياسة “التراجع عن الواجهة وتقليص الدور” في مقاربتها لملف الشرق الأوسط، فحسب الوثائق المتاحة، قدمت وزارة الخارجية البريطانية في السابع من يوليو 1967، مذكرة إلى مجلس الوزراء بشأن “الاتجاهات العربية والمصالح الاقتصادية البريطانية في الشرق الأوسط”، 

ولخصت هذه المذكرة النهج المقترح قائلة إن “العامل الحاسم في تحديد مستقبل مصالحنا الاقتصادية لا يتعلق بقدر كبير بما إذا كانت مشكلة العرب وإسرائيل سوف تواصل إثارة الاضطراب في المنطقة، بل بالدور الذي سوف تواصل بريطانيا أداءه. فكلما انسحب دورنا، بدت فرصنا أفضل على الأرجح والعكس بالعكس”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى