القضية الفلسطينية

القدس واللد … الداخل الفلسطيني يفرض وجوده في الميدان

ربما نستطيع أن نعد تجاوب الداخل الفلسطيني – ممثلًا في سكان المناطق المحتلة عام 1948، والمناطق الواقعة داخل الخط الأخضر والقدس – مع العمليات العسكرية الجارية حاليًا في قطاع غزة، من أهم السمات التي تميز الجولة الحالية من المواجهات العسكرية بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. نحن نشهد للمرة الأولى منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، ملامح مواجهات ميدانية عنيفة الطابع بين سكان هذه المناطق، وبين الشرطة الإسرائيلية وسكان المستوطنات والجماعات الدينية اليهودية المتطرفة.

هذه المواجهة مثلت تحديًا خطيرًا أمام صانع القرار الإسرائيلي والمؤسستين العسكرية والأمنية، نظرًا لأنها تنطوي على مخاطر لا تقل أهمية عن التبعات السلبية التي حاقت بالمنظومة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، جراء ملامح الفشل التي باتت تلوح في الأفق بعد نحو أسبوع من بدء تساقط الصواريخ الفلسطينية على قوس واسع من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما نتج عن ذلك من خسائر مادية وبشرية ومعنوية كبيرة.

خلال السنوات الماضية، وفي مواجهات عسكرية سابقة بين الجانبين، لم يكن الداخل الفلسطيني متفاعلًا بهذه الدرجة من القوة مع ما يحدث في غزة، وذلك نتيجة لتعقيدات عديدة أهمها القبضة الأمنية الإسرائيلية القوية، التي قامت بواسطة عدد كبير من الإجراءات الميدانية -ومنها نشر المستوطنات بشكل تدريجي ومكثف داخل المدن الفلسطينية- بتقطيع أوصال الضفة الغربية بشكل يجعل من أي تحرك ميداني شامل أو منسق من جانب الفلسطينيين في هذه المناطق مهمة شبه مستحيلة يمكن تطويقها بشكل سريع في حالة ما إذا بدأت هذه المدينة أو تلك في التمرد على سلطات الاحتلال سواء عن طريق التظاهر أو غيرها من الإجراءات الاحتجاجية.

لكن في وقتنا الحالي، وجدت المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية نفسها أمام تحدٍ ميداني أعاد لها ذكريات الانتفاضتين الأولى والثانية، فباتت هذه المنظومة فعليًا مهددة من كافة الاتجاهات الداخلية في فلسطين، ما بين صواريخ غزة من الجنوب، وما بين شبه “انتفاضة” أطلقها الفلسطينيون في المناطق الوسطى والشمالية، اشتبكوا خلالها مع المستوطنين اليهود في معظم مدن الداخل الفلسطيني، لما فيها معظم مدن الضفة الغربية، وفي داخل مدينة القدس، بجانب المدن المحتلة عام 1948، مثل اللد والرملة ويافا وعكا وحيفا. 

شملت هذه المواجهات عمليات دهس استهدفت الشرطة الإسرائيلية، وعمليات أطلاق نار مباشرة في مناطق جنين ونابلس، وتظاهرات واشتباكات مباشرة ومتبادلة بين السكان اليهود والفلسطينيين، تضمنت استهداف المرافق العامة والمنازل والسيارات، ويضاف هذا كله إلى تحفز من جانب الفصائل المتواجدة في الضفة الغربية، ومنها كتائب شهداء الأقصى – الذراع العسكرية لحركة فتح – التي أعلنت عن استنفارها داخل مخيم جنين، واستعدادها للاشتباك مع قوات الأمن الإسرائيلية في حال حاولت دخول مناطق وجودها.

هذا الوضع جعل الأوساط الأمنية الإسرائيلية تعرب بشكل صريح عن مخاوفها العميقة من تحول هذه المواجهات إلى تراشق دائم أشبه بحرب داخلية قد تلقي بظلال قاتمة على مستقبل السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر، ووصل الأمر ببعض هذه الأوساط إلى اعتبار هذا الوضع “تهديدًا وجوديًا” لإسرائيل، لا يقل عن التهديدات التي تمثلها القدرات الصاروخية الإقليمية.

القدس … شرارة الاشتباكات

على عكس ما قد يعتقد البعض، كانت شرارة اشتعال الوضع في الداخل الفلسطيني نابعة بشكل أساسي من أحداث وقعت قبل بدء تدفق الصواريخ من غزة، وتحديدًا منذ منتصف الشهر الماضي، حيث تصاعد التوتر بشكل دراماتيكي على خلفية محاولات القوات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة، تمرير خطط اعتزم المستوطنون تنفيذها لاقتحام المسجد الأقصى، وهي محاولات اتسمت بزخم إضافي بسبب ملف حي الشيخ جراح الذي يشهد منذ أسابيع حالة مستمرة من الاستنفار.

ونظرًا لفشل مجموعات المستوطنين بشكل شبه كامل من اقتحام المسجد الأقصى، اتخذت بعض المجموعات اليهودية المتطرفة، وعلى رأسها جماعة “نواة التوراة”، قرارًا بتصعيد المواجهة مع الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، خاصة بعد قرار المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، الذي قام بتأجيل ترحيل العائلات المقدسية من هذا الحي – وهو قرار أثار حنق هذه المجموعات المتطرفة – ولذا كانت آخر محاولات اقتحام المسجد الأقصى، والتي تمت في الثامن والعشرين من رمضان، بمثابة شرارة اندلاع سلسلة غير مسبوقة من الاشتباكات والمواجهات بين الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين من جهة، والسكان الفلسطينيين من جهة أخرى، في معظم مناطق القدس الشرقية، اشتدت حدتها بعد بدء الغارات الإسرائيلية على غزة منذ نحو أسبوع.

تركزت المواجهات بشكل رئيس داخل القدس الشرقية في حي الشيخ جراح بالبلدة القديمة، بجانب المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، وتحديدًا حول الحواجز الإسرائيلية المؤدية إلى المستوطنات الموجودة داحل حدود القدس الشرقية. المواجهات داخل حي الشيخ جراح كانت عنيفة واتسمت بالاستمرارية، وكانت الاشتباكات بين المستوطنين والفلسطينيين تصل في بعض الأحيان إلى حد التماس المباشر، وقد تم تسجيل استخدام المستوطنين للأسلحة النارية في استهدافهم للفلسطينيين، الذي كانوا يواجهونهم بالزجاجات الحارقة والألعاب النارية والحجارة.

https://twitter.com/Sorita1992/status/1392599046351724552

الشرطة الإسرائيلية قمعت الفلسطينيين باستخدام قنابل الغاز ومدافع المياه، وكان دورها ملحوظًا في توفير الحماية للمستوطنين الذين حملوا بشكل واضح الأسلحة النارية، ويلاحظ هنا أن التوتر داخل الحي مازال مستمرًا حتى اللحظة ومواكبًا للأحداث في غزة، وكانت آخر ملامحه عمليات الدهس التي نفذها أحد الفلسطينيين أمس بسيارته على أحد الحواجز الإسرائيلية داخل الحي. 

ملف حي الشيخ جراح بشكل عام كان من أهم محركات المشهد في القدس الشرقية، والتي يمثل فيها الوضع الأمني بالنسبة لإسرائيل أهمية قصوى لأن أي تصعيد في هذه المنطقة يهدد بشكل مباشر عشرات المستوطنات المتواجدة في هذه المنطقة.

هذا الوضع أكدته خريطة الاشتباكات التي تمت في القدس الشرقية خلال الأيام القليلة الماضية، كرد فعل على أحداث حي الشيخ جراح ومن بعدها الغارات الإسرائيلية على غزة، إذ امتدت الاشتباكات من محيط مستوطنتي “هار أدار” و”جفعوت حداشا” في الاتجاه الشمالي الغربي، مرورًا بالنطاق الشمالي والشرقي، عبر مخيمي قلنديا وشعفاط، ومناطق حزما والعيسوية وبيت حنينا وعناتا، وصولًا إلى العيزرية وحي سلوان جنوبًا.

الاشتباكات الأعنف دارت في محيط مخيم قلنديا، المتاخم للحدود الشمالية للقدس الشرقية مع رام الله، حيث تعرض الحاجز الإسرائيلي المقام في نطاق المخيم، لعدة هجمات بالأسلحة النارية، مما دفع القوة المتواجدة داخل الحاجز إلى مغادرته لعدة ساعات، وهو مشهد من أبرز المشاهد التي تم تسجيلها في القدس الشرقية خلال الأيام الماضية، نظرًا لقرب هذه المنطقة من محافظة رام الله، والاحتمالات المتزايدة لتوسع هذه الهجمات عموديًا في اتجاه مناطق فلسطينية أخرى. توسعت المواجهات في اتجاهات أخرى بالتزامن مع الهجمات المتكررة على حاجز قلنديا، حيث امتدت غربًا في اتجاه المناطق المحيطة بمستوطنة “هار أدار” مثل منطقة “قطنة”، التي اشتبك فيها الفلسطينيون بالمفرقعات والزجاجات الحارقة مع وحدات الشرطة الإسرائيلية، وهو نفس ما حدث في القرى المتاخمة لمستوطنة “جفعوت حداشا”.

جنوبي مخيم قلنديا، تركزت الاشتباكات في المناطق التي على تماس مع المستوطنات الواقعة على القوس الشمالي الشرقي للقدس الغربية، وشملت هذه الاشتباكات مناطق مخيم شعفاط ومناطق حزما وعناتا والعيساوية وبيت حنينا. الحاجز الإسرائيلي الموجود على مدخل مخيم شعفاط تعرض بدوره إلى هجمات متتالية لكن بالمفرقعات النارية والحجارة، وقد أغلق الفلسطينيون لعدة مرات الشارع الرئيسي بالمخيم، وقاموا بإحراق محطة القطار المتواجدة بالمخيم جزئيًا.

أما في منطقة “بيت حنينا” الواقعة شمال غرب مخيم شعفاط، فقد هاجم الفلسطينيون سيارات المستوطنين أثناء تحركها داخل المنطقة، واعتقلت الشرطة الإسرائيلية عشرات من الفلسطينيين خلال المواجهات التي دارت في هذه المنطقة، وكذلك في مناطق “حزما” و”عناتا” و”الرام” شمالي مخيم شعفاط، ومنطقتي العيساوية ووادي حزم جنوبي المخيم.

في القسم الجنوبي الشرقي من القدس الشرقية، هاجم الفلسطينيون الحواجز والمواقع العسكرية المتاخمة للبلدة القديمة، خاصة في مناطق “أبو ديس” و”الشياح” و”صور باهر” و”بيت صفصافا” و”العيزرية”، وقد هاجموا في هذه الأخيرة المداخل المؤدية لمستوطنة “معالي أدوميم” بالزجاجات الحارقة، كما تعرضت عدة سيارات تابعة لقوات الشرطة الإسرائيلية لأضرار كبيرة بفعل الزجاجات الحارقة في بلدة “الطور” المتاخمة للبلدة القديمة.

لم تقتصر المواجهات في القدس الشرقية على المناطق السابق ذكرها، بل شهدت الأحياء الموجودة في نطاق البلدة القديمة العديد من التفاعلات الميدانية، خاصة في حي “سلوان” الذي اشتبك فيه المقدسيون مع القوات الإسرائيلية في عدة مناطق، أهمها منطقتي “بئر أيوب” و”وادي حلوة”. الشرطة الإسرائيلية نفذت خلال الأيام القليلة الماضية سلسلة من الاعتقالات، لعدد تجاوز 1000 فلسطيني، تركزت في أحياء سلوان والقرمي وباب العمود.

التقديرات الإسرائيلية “السلبية” للوضع الأمني داخل نطاق القدس الشرقية دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى إغلاق باب المغاربة المؤدي إلى المسجد الأقصى بشكل تام، وهو ما أثار غضب المستوطنين -خاصة ذوي التوجه اليميني- الذين كانوا يضغطون على الشرطة الإسرائيلية خلال الأيام الماضية من اجل أن تسمح لهم باقتحام المسجد الأقصى، وهذا الغضب كان واضحًا من خلال تصريحات رئيس حزب “القوة اليهودية” إيتمار بن غفير، انتقد فيها هذا القرار، واعتبره “مكافأة للإرهاب”، لكن واقع الحال يشير إلى أن أهالي القدس أثبتوا بشكل واضح أن ردود فعلهم على الاستفزازات الأخيرة أكبر بكثير مما قد تحتمله المنظومة الأمنية الإسرائيلية، خاصة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من أسبوع مضى.

اللد … إسرائيل تختبر إرهاصات الخروج عن السيطرة

ربما كانت تصريحات رئيس بلدية اللد الواقعة غربي محافظة رام الله يائير رڤيڤ، مساء الثلاثاء الماضي، التي قال فيها إنه فقد السيطرة كليا على المدينة، وأن الأوضاع على الأرض باتت أشبه بحرب أهلية، هي التعبير الأمثل عن الوضع الذي باتت فيه المدن المحتلة عام 1948، والواقعة قرب النطاق الساحلي لفلسطين، وهي من الجنوب للشمال الرملة واللد ويافا وحيفا وعكا. هذه المدن التي يختلط فيها التواجد اليهودي بالتواجد العربي، أثبتت أنها بمثابة قنبلة موقوتة، فقد تصدرت مدينة اللد مشهد الاشتباكات بين الفلسطينيين والمستوطنين بشكل كبير، حيث كانت شرارة اندلاع الأحداث في هذا الجانب من الأراضي المحتلة هي مقتل شاب فلسطيني مساء الاثنين الماضي برصاص متطرفين يمنيين من جماعة “نواة التوراة”، وما تلا ذلك من اعتداءات للشرطة الإسرائيلية على الجنازة الشعبية التي أقامها السكان الفلسطينيون للقتيل.

عقب تلك الأحداث، شهدت شوارع المدينة مجموعة من المشاهد غير المسبوقة، ما بين هجمات بالرصاص الحي من جانب الفلسطينيين على الشرطة الإسرائيلية وآلياتها، وبين إحراق منازل المستوطنين وسياراتهم، بشكل دفع السلطات في المدينة إلى إخلاء عدد من المستوطنين من منازلهم إلى أماكن أخرى، وتعميم طلب إلى قيادة الجيش الإسرائيلي كي يرسل تعزيزات عسكرية لحفظ الأمن داخل المدينة، خاصة بعد أن باتت قوات الشرطة المتواجدة في المدينة غير قادرة على إيقاف المواجهات.

الهجمات الفلسطينية على المستوطنين تضمنت أيضًا عمليات طعن، ومهاجمة بعض المرافق الحكومية مثل خط السكك الحديدية المار بالمدينة، وتحولت الأمور خلال يومي الأربعاء والخميس الماضيين إلى حرب شوارع بين الجانبين، حيث قام المستوطنون بوضع علامات خاصة على منازل الفلسطينيين كي يتم تمييزها وإحراقها. لم يخفف من حدة هذه الاشتباكات نسبيًا سوى قرار الحكومة الإسرائيلية فرض حالة الطوارئ الخاصة في المدينة، والدفع بنحو 500 عنصر من حرس الحدود لدعم قوات الشرطة المتواجدة في المدينة.

أحداث اللد، ساهمت بشكل واضح في توسيع دائرة الاشتباكات في هذا النطاق منذ مساء الثلاثاء الماضي، لتشمل معظم الأراضي المحتلة عام 1948، حيث نشطت عناصر الجماعات اليمينية الإسرائيلية مثل “أحفاد كهانا” ومجموعات متطرفة أخرى تطلق على نفسها “دفع الثمن”، في عدد من المدن بهذا النطاق، منها مدينة الرملة، الواقعة على التخوم الجنوبية لمدينة اللد، حيث أقام المستوطنون اليمينيون نقاطًا للتفتيش، هاجموا من خلالها سيارات الفلسطينيين، في المقابل هاجم الفلسطينيون سيارات الشرطة الإسرائيلية في المدينة، وألحقوا إصابات ببعض الضباط.

وفي مدينة “بات يام” الواقعة جنوبي مدينة يافا، انطلق عشرات المستوطنين في الشوارع لمهاجمة السكان الفلسطينيين، وظهر في أحد المشاهد عشرات منهم يعتدون بالضرب المبرح على سائق فلسطيني، وهو نفس ما حدث في مدن أخرى مثل عكا وحيفا وأم الفحم والناصرة وعين ماهل وكفر كنا أقصى شمالي البلاد، ومدينة يافا، التي أصيب فيها عشرات الفلسطينيين نتيجة حرق المستوطنين منازلهم خاصة في حي “العجمي”. 

يضاف إلى ذلك ما حدث في مدينة كفر قاسم الواقعة شرق مدينة يافا، والتي أصيب قائد شرطتها “اساف دورون” نتيجة استهداف الفلسطينيين لسيارات الشرطة في المدينة بالزجاجات الحارقة. في  جراء حرق سيارات “الشرطة الإسرائيلية” في المدينة، من جانبهم رد الفلسطينيون على هذه الانتهاكات بمهاجمة المرافق التجارية التابعة للمستوطنين، خاصة بالمطاعم الموجودة في مدينة عكا الساحلية.

على الرغم من أن حدة الاشتباكات في هذا النطاق بشكل عام قد تقلصت منذ الجمعة الماضية، إلا أن الأوساط الأمنية الإسرائيلية دقت ناقوس الخطر حول ما يمكن أن يحدث في الداخل الإسرائيلي في حالة ما إذا استمر التوتر في غزة، أو طرأ حدث أمني في أي مدينة في فلسطين المحتلة بين الفلسطينيين والمستوطنين. الهلع الإسرائيلي كان جليًا خلال التصريحات التي أدلى بها الأربعاء الماضي، الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، وحذر فيها من خطر اندلاع “حرب أهلية” في إسرائيل. هذه المخاوف نبعت بشكل أساسي من مشهدين أساسيين اتسمت بهما الأحداث التي شهدتها المدن المحتلة عام 1948، الأول هو تحول الاشتباكات إلى ما يشبه حرب العصابات، والثاني هو تعاظم الغضب الفلسطيني في هذا النطاق، بشكل قد يجعل من عودة الأمور إلى ما كانت عليه سابقًا أمرًا شبه مستحيل.

الضفة الغربية ومدن الداخل … دور مهم رغم الصعوبات الميدانية

كانت الضفة الغربية، والأراضي المحتلة عام 1967، هي الضلع الثالث في مثلث التفاعلات الميدانية الحالية في فلسطين المحتلة، حيث ساندت كافة محافظات الضفة أهالي القدس، واندفعت في أشكال احتجاجية مختلفة جعلت قوات الاحتلال المتواجدة في الضفة أمام وضع مشابه للأوضاع التي شهدتها قوات الشرطة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948. 

الزخم الأكبر في هذه التفاعلات كان في محافظة الخليل جنوبي الضفة الغربية، حيث باتت الاشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين شبه يومية، خاصة في منطقة باب الزاوية وسط مدينة الخليل، ومخيم العروب شمالي المحافظة،ـ ومخيم الفوار جنوبها، يضاف إلى ذلك عدة محاولات لتنفيذ عمليات لدهس أفراد الشرطة الإسرائيلية، منها محاولة في منطقة الظاهرية جنوبي المحافظة، بجانب إطلاق نار على حاجز للقوات الإسرائيلية في منطقة الحلحول جنوبي المحافظة، وهجمات على عربات المستوطنين في عدة مناطق منها بلدة بني نعيم شرقي المحافظة، قامت فيها سيارة فلسطينية بإطلاق الرصاص على عربة كان يستقلها بعض المستوطنين.

في محافظة رام الله، تزايدت حدة الاشتباكات خلال الأيام الأخيرة بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين، وامتدت لتشمل كافة مناطق المحافظة، ومنها منطقة سلواد شرق المحافظة، ومنطقتي شقبا ودير أبزيع غربها، بجانب منطقتي النبي صالح ونعلين شمال غرب المحافظة، ومنطقة سنجل شمالها. 

في محافظة نابلس داوم الفلسطينيون على تنظيم المسيرات المنددة بالاستيطان وما يتعرض له حي الشيخ جراح، واللافت في هذه المسيرات كانت تواجد بعض المسلحين ضمنها لحمايتها، وهو الوضع الذي يمكن قراءته في ضوء إعلان كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح في الخامس عشر من الشهر الجاري عن أنها باتت في حالة استنفار كامل لمواجهة أي محاولة للتوغل داخل نابلس.

المواجهات داخل المحافظة تركزت بشكل أساسي جنوبي المحافظة، وتحديدًا في محيط حاجز حوارة ومناطق بيتا ويتما، ومنطقتي عوريف وقراوة في الجنوب الغربي، وقصره في الجنوب الشرقي، وقد قام الفلسطينيون في عدة مناطق بإحراق أراضي المستوطنين، مثل ما حدث في الأراضي الواقعة في منطقة جالود جنوب شرق المحافظة.

في محافظة بيت لحم، تم تسجيل عدة هجمات مسلحة على تمركزات الجيش الإسرائيلي في منطقة بيت ساحور شرقي المحافظة، ومنطقة بيت فجار جنوبها، وقرب مخيم العزة شرقها، في حين تعرضت المسيرات التي أطلقها الفلسطينيون في عدة مناطق بالمحافظة للقمع من جانب الشرطة الإسرائيلية، خاصة في منطقة باب الزقاق، ومنطقتي حرملة وتقوع شرق المحافظة، ومنطقة حوسان غربها. محافظتي سلفيت وقلقيلية الواقعتين شمال محافظة رام الله شهدتا عدة مواجهات خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة في مناطق دير أستيا شمال غرب سلفيت، ومنطقة مردة شمالها، ومنطقة أسكاكا شرقها، في حين شهدت منطقة جيوس شرق قلقيلية عدة هجمات مسلحة على تمركزات الشرطة الإسرائيلية.

في محافظة جنين، هاجم الفلسطينيون أبراج المراقبة الخاصة بالشرطة الإسرائيلية بالزجاجات الحارقة، خاصة في منطقة يعبد، وقرب حاجز الجلمة شمال شرق المحافظة، أما في محافظة طولكرم، فقد تركزت المواجهات في منطقة دنابة شرقي المحافظة، وفي محيط الجدار العازل في منطقة فرعون جنوب المحافظة، وكذلك في قرية شوفة جنوب شرق المحافظة، حيث حاول المستوطنون الاعتداء على السكان الفلسطينيين. 

خلاصة القول، إن صانع القرار في تل أبيب بات على وعي أن صواريخ غزة التي تتساقط حاليًا على معظم أراضي فلسطين المحتلة لن تكون هي التهديد الداخلي الوحيد الذي يواجه الكيان الإسرائيلي، حيث بات عدد معتبر من المحللين الإسرائيليين على قناعة أن اندلاع انتفاضة جديدة، أو نشوب معارك داخلية بين الفلسطينيين وقوات الشرطة والمستوطنين الإسرائيليين، يشكل خطورة أكبر بمراحل من الاشتباك الصاروخي الجوي الجاري حاليًا مع غزة، خاصة وأن الفلسطينيين في أراضي الـ 48 و67 والقدس قد برهنوا على قدرتهم على الاشتباك والاحتجاج وفرض أمر واقع على الأرض، دون اللجوء حتى إلى سلاح الفصائل والتي إن دخلت في هذه المعادلة سوف تضع المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بين شقي رحى قد يؤديان إلى تغيير كامل لوجه كان سائدًا منذ العام 48 على هذه البقعة من الأراضي العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى