القضية الفلسطينيةإسرائيل

الضغط جنوباً … ميدانيات غزة والسير حثيثاً نحو تطويق القطاع كاملا

باتت كل الملامح الأساسية للهجمات العسكرية الإسرائيلية على جبهات قطاع غزة المختلفة، تشكل في مجملها صورة لهدف ميداني أساسي تعمل عليه إسرائيل منذ بدء عملياتها في القطاع على مدى أكثر من 116 يوما، ألا وهو إخلاء قطاع غزة قدر الإمكان من سكانه، وتحويله إلى أرض محروقة وخالية تماماً من أية مقومات للعيش أو لعودة الحياة مرة أخرى على شكلها الذي كان عليه قبل 7 أكتوبر الماضي. هذا يظهر بشكل أوضح من خلال تحليل الخريطة الميدانية الحالية في القطاع بشكل معمق.

بشكل عام، أصبحت العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية، مركزة بشكل أساسي على نطاق مدينة خان يونس في الجبهة الجنوبية لقطاع غزة، مع نشاط هجومي محدود في مخيمي البريج والمغازي في جبهة المخيمات الوسطى، مع استمرار عمليات التمشيط والبحث في المناطق القليلة المتبقية في الجبهة الشمالية، وتحديداً في مخيم جباليا وحي الدرج والتفاح. من حيث المبدأ، قد تشير هذه القراءة إلى أن القوات الإسرائيلية تقترب بشكل كبير من السيطرة بشكل كامل على القطاع، لكن تفاصيل الموقف الميداني ربما تشير إلى أن هذا الهدف – رغم توسع السيطرة الإسرائيلية شمال ووسط وجنوب قطاع غزة – مازال بعيد المنال.

جبهة خان يونس ومؤشرات المرحلة القادمة

في المرحلة الحالية تبدو العمليات العسكرية الأهم، مركزة بشكل أساسي على الجبهة الجنوبية، وتحديداً نطاق مدينة خان يونس، حيث تستمر القوات الإسرائيلية في سعيها لمحاصرة المدينة، وتقتضي هذه الخطة قيام اللواء المدرع السابع ولواء المشاة 84 “جفعاتي”، بالتحرك إلتفافياً حول المناطق الجنوبية للمدينة، بهدف الوصول إلى محورها الغربي، وإلى الطرف الجنوبي الشرقي لمنطقة “المواصي” الساحلية، بحيث تكون اتجاهات التحرك هي شمالاً نحو أطراف منطقة المواصي، وشرقاً لإغلاق الطوق على المدينة، وغرباً في اتجاه مدينة رفح.

بالتوازي مع هذا التحرك الالتفافي، يستمر زخم الهجوم الرئيسي الذي أطلقته أربعة ألوية بقيادة الفرقة 98، مدعومين بالمقاتلات والطائرات، في عمق مدينة خان يونس، وتحديداً في نطاق “حي الأمل”، الذي تنفذ فيه وحدات المظلات الإسرائيلية مداهمات مستمرة وعمليات تطهير، وهو نقطة الاشتباك الأساسية في خان يونس، بجانب نقطتين إضافيتين، الأولى تقع في الطرف الجنوبي الغربي للمدينة، في نطاق “الحي النمساوي” والحي الإماراتي، ومناطق في محيط مستشفى ناصر الطبي وجامعة الأقصى، وفيها تحاصر القوات الإسرائيلية حالياً مستشفى ناصر، ومستشفى الخير الذي يقع شماله، ومبنى جمعية الهلال الأحمر ومستشفى الأمل. أما النقطة الثالثة، فتقع جنوب شرق المدينة، ما بين منطقة “عبسان”، وشارع صلاح الدين.

جدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي قد أعلن مؤخراً أنه قام بسحب اللواء المدرع الرابع “احتياط”، التابع للفرقة المدرعة 146 “كرياتي”، من خان يونس، واستبدله بقوات أخرى من الجبهة الشمالية لقطاع غزة، لينضم هذا اللواء إلى اللواء الجنوبي التابع لفرقة غزة، ولواء المشاة 900 “كفير”، اللذان تم سحبهما من نفس الجبهة مؤخراً، وهو تكتيك قد يربطه البعض ظاهرياً بتطورات الميدان في خان يونس، لكن حقيقة الأمر أن هذا يرتبط بشكل أساسي بالوضع في الجبهة الشمالية مع لبنان، والوضع في الضفة الغربية، فعملياً سحب الجيش الإسرائيلي معظم ألوية الاحتياط من قطاع غزة، ودفع ببعضها نحو الحدود اللبنانية، في حين اخضع البعض الآخر لعمليات إعادة تسليح وتذخير، بجانب أن لواء المشاة 900، مخصص في الأساس للعمل في الضفة الغربية، وله خبرة طويلة في هذا الصدد، وبالتالي جاء سحبه في هذا التوقيت لاستدراك إمكانية تطور الأوضاع في الصفة خلال المدى المنظور.

النقطة الأهم فيما يتعلق بالجبهة الجنوبية، والتي ترتبط بشكل أو بأخر بعمليات تعليق تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، إن الجيش الإسرائيلي قد فتح خلال اليومين الأخيرين، مسارات لتحرك سكان خان يونس نحو منطقة “المواصي” الساحلية، مروراً بالحي الإماراتي ومستشفى الخير القريب من هذه المنطقة، مستغلاً تزايد عمليات الضغط الميداني والجوي والمدفعي على مدينة خان يونس، واستشعار سكان المدينة بقرب تطويقها.

جبهات شمال ووسط قطاع غزة، نار تحت الرماد

على مستوى الجبهة الوسطى، وهي منطقة المخيمات التي تشمل “البريج – النصيرات – المغازي، شهدت هذه الجبهة تطوراً مهماً خلال الأيام الأخيرة، يتمثل في تراجع القوات الإسرائيلية عن هجومها الذي كان يستهدف مخيم النصيرات الواقع ما بين طريق صلاح الدين وساحل البحر، وتفضيلها التركيز بشكل أكبر على مخيمي البريج والمغازي، اللذان يقعان بين طريق صلاح الدين وغلاف غزة، وحالياً تحاصر القوات الإسرائيلية مخيم البريج من ثلاثة اتجاهات، ولم يتبق أمامها سوى تأمين الجانب الغربي الذي يحده طريق صلاح الدين، كذلك تحاصر مخيم المغازي من ثلاثة اتجاهات، ولم يتبقى سوى الجهة الجنوبية التي تواجه المناطق الشمالية لدير البلح.

من أبرز النقاط المتعلقة بهذه الجبهة، ما يمكن اعتباره ملامح تحركات عملية من جانب القوات الإسرائيلية، لتنفيذ أحد سيناريوهات “المنطقة العازلة” على أراضي القطاع، وهذا لا يمكن فهمه فقط من توقف العمليات الإسرائيلية نحو مخيم النصيرات، وتركيزها على مخيمي البريج والمغازي فقط، بل أيضاً يمكن فهمه من خلفيات تعرض الجيش الإسرائيلي مؤخراً داخل مخيم المغازي، للخسارة الأكبر خلال اشتباك واحد منذ بدء العمليات في قطاع غزة، حين قًتل 21 جندي، نتيجة كمين متفجر تم نصبه لهم داخل مبنى دخلوا لفحصه بالقرب من حدود المخيم مع مستوطنة “كيسوفيم”، على بعد 600 متر من الحدود.

وبغض النظر عن حقيقة ما حدث وأدى إلى مقتل هؤلاء الجنود، إلا أن هذه الحادثة كانت بمثابة مؤشر على بدء عمليات تأسيس المنطقة العازلة داخل قطاع غزة، حيث كان منوطا بالجنود المقتولين، تلغيم المباني القريبة من الحدود وتفجيرها، لخلق مساحة عازلة مع غلاف غزة. هذا التقدير يتقاطع مع معلومات نشرتها مؤخراً صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، مفادها أن الجنود الإسرائيليين يواصلون العمل منذ نوفمبر الماضي، لإقامة منطقة عازلة على طول الحدود في الجزء الشمالي والأوسط من قطاع غزة، يبلغ عرضها كيلومتر واحد، في إطار خطة إسرائيلية لبناء منطقة أمنية عازلة داخل غزة سيُمنع الفلسطينيون من دخولها، ولهذا الغرض تم تفجير وإزالة نحو ثلاثة ألاف منزل في هذا النطاق حتى الآن.

الجبهة الشمالية لقطاع غزة، تتضمن أيضاً مؤشرات مهمة، رغم أنها – حسب الرواية الإسرائيلية – أصبحت من المنظور العسكري، تحت السيطرة العملياتية، وأن العمليات العسكرية المتبقية فيها، باتت منحصرة فقط في مخيم جباليا وحيي الدرج والتفاح، في حين تتمحور بقية المهام العسكرية فيها، على عمليات التطهير والبحث عن الأنفاق. الواقع الميداني يشير بوضوح إلى عدم انتهاء عمليات التطهير في الاتجاهات التي تم إنهاء العمليات العسكرية فيها في شمال قطاع غزة، بعد أن عادت العمليات الفلسطينية بشكل تدريجي إلى عدة مناطق في قطاع غزة.

وتظهر الخريطة المرفقة المناطق التي شهدت اشتباكات متقطعة بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، مثل حي الرمال وحي الزيتون وبيت حانون ومنطقة الشيخ رضوان، وأخر هذه المناطق هي مخيم الشاطئ، الذي هاجم فيه عناصر المقاومة عدة مرات خلال الأيام الثلاثة الماضية، عناصر لواء المشاة الاحتياطي الخامس، وهو ما يمكن النظر إليه على أنه تحول في أسلوب عمل المقاومة الفلسطينية، لمواكبة التواجد الميداني المستمر للقوات الإسرائيلية في شمال قطاع غزة.

حقيقة الأمر، أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أمور أكبر من مجرد عمليات تسلل فلسطينية في شمال قطاع غزة، حيث تخشي تل أبيب من أن حركة حماس قد شرعت عملياً في فرض سيطرتها ووجودها على أجزاء من شمال قطاع غزة، وتحديداً مخيم جباليا ومخيم الشاطئ وحي الشجاعية، مستغلة في ذلك عدم تمكن الجيش الإسرائيلي من منع بعض سكان مدينة غزة، من العودة إليها، وكذلك عدم توصل تل أبيب لصيغة نهائية عملية، لشكل الإدارة المدنية المؤقتة أو الدائمة في قطاع غزة، نظراً لتركيز الجيش في الوقت الحالي على اكتشاف وتدمير الأنفاق، خاصة بعد أن أعلن رسمياً انه يقوم بضخ مياه البحر في الأنفاق التي يتم اكتشافها، عبر آليات ومعدات تم تطويرها لحقن المياه عالية التدفق داخل الأنفاق.

نقطة أخرى هامة تتعلق بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة، فعلى الرغم من أن عمليات الإطلاق قد تقلصت بشكل حاد منذ فترة، لكنها في نفس الوقت مازالت مستمرة على مسافات زمنية تصل إلى 24 ساعة، وخلال الأيام الثلاثة الماضية تم إطلاق صاروخ على مدينة عسقلان، وعدة صواريخ على مستوطنة ناحال عوز في غلاف غزة، بجانب إحدى عشر صاروخاً من جنوب غزة على مدينة تل أبيب، وهو الأمر الذي إن أضفناه إلى أن عمليات الإطلاق تتم عملياً من كافة الجبهات “شمالاً ووسطاً وجنوباً”، سواء من مخيم الشاطئ أو من دير البلح أو من جنوب خان يونس، يمكن القول إن استمرار امتلاك المقاومة الفلسطينية القدرة على إطلاق الصواريخ، لا يؤشر فقط على أنها مازالت تمتلك قدرات قتالية جيدة، بل أيضاً يؤشر على أن منظومة القيادة والسيطرة لهذا الفصائل مازالت فعالة.

خلاصة القول، أن المعطيات الميدانية الحالية داخل قطاع غزة، تظهر أن إسرائيل تتحرك بشكل سريع في عملياتها في الجبهة الجنوبية، وأصبحت قريبة جداً من محاصرة مدينة خان يونس، كما أنها أصبحت في تماس عسكري مباشر مع منطقة “المواصي” التي تعتبر الوجهة الأساسية للمهجرين قسرياً من الفلسطينيين، وبالتالي بات من الواضح أن الأولوية الميدانية حالياً من جانب إسرائيل هي لجبهة خان يونس، مع تأني واضح في العمليات بالجبهة الوسطى “المخيمات”، بهدف سحب ما تبقى من سكان في المخيمات الوسطى وخان يونس، نحو منطقة المواصي، وهذا يمثل في مجمله مزيد من الضغوط على الجانب الفلسطيني من الحدود مع مصر.

من دلائل هذا التوجه، ما تم طرحه مؤخراً في مؤتمر إنشاء النوى الاستيطانية اليهودية في قطاع غزة، من خطة متكاملة لإنشاء مستوطنات دائمة في قطاع غزة، تركز بشكل أساسي على جنوب القطاع، حيث تتضمن هذه الخطة إنشاء ستة مستوطنات رئيسية في القطاع، منها ثلاثة في جنوب القطاع، هي مستوطنة “الماوز” على الساحل الجنوبي لقطاع غزة، ومستوطنة “أبواب قطاع غزة” في مدينة خان يونس، ومستوطنة “نعمة للآلاف” جنوب مدينة رفح، وهو طرح ربما يكون في هذه المرحلة طرحاً نظرياً أو من باب الحرب النفسية، لكنه في نفس الوقت يعتبر مؤشر على وجود أفكار جدية لدى الجانب الإسرائيلي، للمضي قدماً في ملف التهجير، أو على الأقل تحويل قطاع غزة إلى “ضفة غربية” جديدة.

محمد منصور

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى