دول الخليج العربي

تأكيد التضامن … الأمن القومي العربي وزيارة السيسي إلى الإمارات

تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم إلى الإمارات العربية المتحدة، في ظل مرحلة حرجة وعصيبة تمر بها دولة تعد من أقرب الدول العربية للقاهرة، تعرضت خلالها حتى الآن إلى هجومين متتاليين من جانب ميليشيا الحوثي، ما وسع من مروحة التأثيرات السلبية للأزمة اليمنية، التي عملت القاهرة مع عواصم القرار الخليجية بشكل حثيث على إيجاد حل سياسي نهائي لها. 

هذان الهجومين، ومن قبلهما عشرات الهجمات الصاروخية التي طالت الحد الجنوبي ومدنًا أخرى في المملكة العربية السعودية، فرضت العنوان الأساسي لهذه الزيارة، ألا وهو الأمن القومي العربي، وكيفية تفعيل الجهود الذاتية للدول العربية على كافة المستويات، أولًا لإبداء التضامن المتبادل بجميع أشكاله بين هذه الدول في الحالات الطارئة، وثانيًا من أجل بحث الخطوات التالية على المستوى العسكري والسياسي، لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وإنهاء التهديدات الأمنية والعسكرية المتشعبة التي باتت تستهدف منظومة الأمن القومي العربي في الصميم.

العلاقة مع أبو ظبي كانت جزءًا أساسيًا من نظرة مصرية عامة وشاملة لكيفية دفع العمل العربي المشترك، حيث حرصت القاهرة على توجيه أنظار القيادات والنخب العربية، إلى اهمية تضامنهم فيما بينهم سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، في ظل وضع باتت فيه أي تطورات تحدث في المنطقة العربية مهمة بالنسبة لكافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج، وتشكل تأثيرًا محتملًا على الأمن القومي لكل هذه الدول.

وإذا ما وضعنا جانبًا حجم ومتانة العلاقات المصرية – الإماراتية على كافة مستويات التعاون -وهي علاقات لا تحتاج إلى البحث عن دلائل لإبراز مدى قوتها وأهميتها- نجد أن محاور السياسة الخارجية لكلا البلدين كانت دومًا متلاصقة ومترابطة بشكل جعل التعاون بينهما في هذا الصدد خلال السنوات الأخيرة قاطرة من خلالها تم التعامل بشكل فعال مع مجموعة من الملفات الإقليمية التي تمس تأثيراتها بشكل أو بآخر صميم الأمن القومي العربي. وباتت هذه العلاقة نموذجًا للعمل العربي المشترك، الذي دعا الرئيس السيسي مرارًا إلى تفعيله من أجل غلق الفجوات والثغرات التي من خلالها تتدخل بعض القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية العربية، بشكل تسبب في أضرار بالغة للمنظومة العربية خاصة خلال العقد الأخير.

التنسيق بين القاهرة وأبو ظبي في مثل هذه الملفات الخارجية كان متواصلًا ومكثفًا منذ عام 2015، بسبب تعاظم الوعي المتبادل بينهما بأهمية العمل بشكل مشترك بين الدول العربية كافة لمواجهة المخاطر الأمنية المتزايدة، وتدهور الأوضاع داخل بعض الدول العربية التي تعد أساسية في منظومة الأمن القومي العربي، وقد كان لمصر قصب السبق في الدفع نحو هذا الاتجاه منذ سنوات طويلة، بمشاركتها الفعالة في عملية تحرير الكويت عام 1991. 

أبو ظبي من جانبها، أيدت بشكل كبير توجهات الجمهورية المصرية الجديدة بعد ثورة الثلاثين من يونيو، خاصة فيما يتعلق بالانفتاح الإيجابي على كافة الدول العربية، ودفع قاطرة التعاون العربي المشترك قدمًا، خاصة على المستوى الاستراتيجي، لذا كانت توجهات كلا البلدين فيما يتعلق بالملفات الإقليمية الساخنة، شبه متطابقة، مع احتفاظ كليهما بهامش الاستقلالية الذي تفرضه اعتبارات السيادة والقرار الوطني المستقل، والفصل التام بين ما هو ثنائي وما هو إقليمي.

هذا التطابق والتقارب كان دافعه الأساسي محاولة استنهاض المنظومة الإقليمية العربية، التي تعرضت منذ عام 2003 لسلسلة من الضربات القوية، ما بين غزو العراق، وما تبعه من هيمنة إيرانية عليه، وتداعيات اندلاع ثورات (الربيع العربي)، والتدخلات الخارجية في سوريا وليبيا، والتمدد الإيراني في عدة دول عربية، بجانب التهديدات التي تطال المنظومة الخليجية انطلاقًا من اليمن، والتي تشمل أيضًا تهديد حركة الملاحة البحرية العالمية في البحر الأحمر. 

التواصل بين الجانبين شمل أيضًا ملفات إقليمية هامة، مثل حالة عدم الاستقرار في السودان، والقلاقل في القرن الأفريقي، والتحركات الإثيوبية في ملف سد النهضة، بل وشمل حتى ملفات شرق المتوسط، الذي باتت أبو ظبي فيه ركنًا مهمًا، بعد أن أصبحت عضوًا مراقبًا في منتدى غاز شرق المتوسط، وهو ما يمثل دعمًا للجهود المصرية الناجحة في الحفاظ على المقدرات الاقتصادية العربية في هذا النطاق.

مصر تتضامن مع أبو ظبي ضد صواريخ الحوثي

كانت مصر دومًا الأعلى صوتًا في إدانة الهجمات الصاروخية التي تنفذها ميليشيا الحوثي منذ سنوات على الأراضي السعودية، وهو نفس الموقف الذي اتخذته القاهرة من الهجومين اللذين تعرضت لهما أبو ظبي هذا الشهر، خاصة وأن الاستهداف طال منشآت اقتصادية وخدمية مدنية.

وباتت أهداف هذه الهجمات واضحة بشكل لا يقبل التشكيك، وعلى رأسها استهداف إحدى المنظومات الاقتصادية الناجحة في منطقة الشرق الأوسط، والتسبب لها في أضرار بالغة خاصة في هذا التوقيت. لذا كانت تصريحات الرئيس السيسي خلال زيارته اليوم إلى أبو ظبي واضحة، حيث أعرب عن تضامن مصر حكومة وشعبًا مع دولة الإمارات، وإدانتها أي محاولة لاستهداف أمن واستقرار وسلامة البلاد ومواطنيها، ودعمها لكل ما تتخذه دولة الإمارات من إجراءات للتعامل مع أي عمل إرهابي يستهدفها.

الأمن القومي العربي كان على رأس الملفات التي بحثها الرئيس السيسي خلال جلسة المباحثات الرباعية التي جمعته اليوم مع ‎الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة. 

مصر من جانبها كانت دائمًا تنظر إلى الأمن القومي العربي من زاويتين، الأولى هي صيانة الوضع الداخلي للدول العربية على كافة المستويات، ودعم الجيوش والحكومات الوطنية، والبعد عن أية تدخلات عربية في شؤون الدول العربية الأخرى، وتشجيع المبادرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية المشتركة بين الدول العربية كافة، بما يضمن التكامل فيما بينها. 

الزاوية الثانية حرصت القاهرة فيها على توحيد الرؤى العربية قدر الإمكان، من أجل مكافحة التدخلات الخارجية المستفحلة في الشئون العربية، والتي تسببت في تحويل بعض الدول العربية (جزئيًا أو كليًا)، لتصبح مكسر عصا وبؤرة سيطرة ونفوذ لقوى إقليمية ودولية، ما تسبب في أضرار مستمرة لركائز الأمن القومي العربي خلال السنوات الماضية.

فيما يتعلق بالوضع الحالي في منطقة الخليج العربي، يمكن القول إن أمن واستقرار هذه المنطقة كان دومًا ركنًا أساسيًا في النظرة المصرية للأمن القومي العربي، فقد أكد الرئيس السيسي في مناسبات عدة، على أن حفظ الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي، هو ركيزة أساسية من ركائز حفظ الأمن القومي لمصر. هذه القناعة كانت مترسخة في وجدان القيادة المصرية الحالية حتى قبيل انتخابها في منصبها الحالي، حيث شدد السيسي خلال أحد الحوارات التلفزيونية خلال حملته الانتخابية في مايو 2014، على أن أمن الخليج العربي والدول العربية كافة هو خط أحمر، وذكر جملته المشهورة (مسافة السكة) للتأكيد على جاهزية مصر للتدخل في حالة تعرض أية دولة عربية لهجوم عسكري، وهو نفس المعني الذي عاد للتأكيد عليه خلال حفل تنصيبه رئيسًا للجمهورية في يونيو من نفس العام.

الرؤية المصرية للأمن القومي العربي، أوضحها السيسي بشكل مفصل في مايو 2019، ضمن كلمته في القمة العربية الطارئة التي تم عقدها في مدينة مكة المكرمة، حيث أوضح السيسي أن هذه الرؤية ترتكز على مواجهة ثلاثة تحديات أساسية، التحدي الأول هو الإرهاب والجماعات التكفيرية والأصولية، والتحدي الثاني هو استراتيجيات التعامل مع المشاكل الداخلية العربية على اختلافها، والتحدي الثالث مواجهة التدخلات الإقليمية في الشأن الداخلي العربي.

وقد طبقت مصر هذه الرؤية في علاقاتها مع دول الخليج العربي، ففي مجال مكافحة الإرهاب، فعّلت القاهرة بشكل واضح الآليات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية المشتركة، بغرض مكافحة الأنشطة الإرهابية بمختلف أنواعها بما في ذلك التهديدات الإرهابية التي تشكلها رعاية بعض الدول الإقليمية لمجموعات إرهابية على التراب العربي، وكذا تفعيل آليات العمل العربي المشترك على المستوى السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، بهدف تأمين غطاء اقتصادي وسياسي يساهم في محاصرة الآثار الآنية للتهديدات التي تتعرض لها الدول العربية داخليًا وإقليميًا، والتحفيز المستمر والمتصاعد للقوة التصنيعية العسكرية الذاتية وكافة أنواع التبادل العسكري بين البلدان العربية.

كذلك ساهم دعم التعاون السياسي والاقتصادي بين القاهرة ودول الخليج، خاصة الإمارات العربية المتحدة، في إيجاد منافذ يمكن من خلالها تحديد استراتيجية واضحة للتعامل مع المشاكل الداخلية في الدول العربية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، وذلك من اجل محاولة إيجاد حلول لهذه المشكلات، ومنع استثمار أطراف عربية وإقليمية ودولية لهذه المشكلات من أجل إثارة قلاقل داخلية تؤثر بالسلب على استقرار الدول العربية، وكذا تطوير استراتيجية عربية جديدة تهدف إلى التكامل الاقتصادي، عبر إعادة إحياء الأسواق العربية المشتركة، عبر مشاريع اقتصادية تتم بالمشاركة بين الدول العربية على غرار مشاريع الربط الكهربائي بين مصر وعدد من الدول العربية، مثل شبكات الطرق الإقليمية وخطوط السكك الحديدية، وهذا يشمل ضمان سهولة تنقل الأفراد، وحركة البضائع، والسفر بين الدول العربية، والحصول على التأشيرات.

النقطة الثالثة ترتبط بالنقطة الثانية، وتتعلق بإيجاد مقاربة عربية مشتركة للتعامل مع القضايا الإقليمية ذات الصلة الوثيقة بالمجال الحيوي للدول العربية، وعلى رأس هذه القضايا تأتي القضية الفلسطينية، وقضايا أخرى مهمة مثل الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وذلك على قاعدة أساسية يتم الالتزام فيها بالحفاظ على وحدة وسيادة واستقرار هذه الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والحفاظ على الدولة الوطنية من التفكك، ودعم المؤسسات الوطنية العربية وحمايتها بوصفها الذراع الأساسي الضامن لاستقرار الدول، والسعي للتسوية السياسية للأزمات، وإنفاذ إرادة الشعوب في تحقيق مصيرها ومستقبلها.

المواجهة الفعالة لتدخلات طهران في الشأن العربي

زيارة السيسي اليوم للإمارات تحمل في طياتها تأكيدًا مصريًا على استمرار التوافق والتعاون مع أبوظبي، خاصة وأن كلا البلدين يشتركان في رؤية واحدة لكيفية مواجهة التدخلات الإيرانية في المنطقة، حيث يرى كليهما أنه يجب العمل في هذا الصدد على محورين أساسيين، المحور الأول هو تحصين الشارع العربي والجبهات الداخلية العربية من التدخلات السياسية والاقتصادية الخارجية سواء من إيران او تركيا، لأن معاناة الشارع العربي من مشاكل مزمنة على المستويات كافة، بجانب غياب الوعي السياسي والديني، كلها عوامل تفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية، خاصة في المجتمعات الخليجية. 

المحور الثاني هو محور إدارة الأزمة مع إيران، فرؤية القاهرة الثابتة هي ضرورة إيجاد مقاربات سياسية للتعامل مع طهران، مماثلة للنهج الذي اتبعته مصر معها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لأن التصادم العسكري مع إيران في هذه المرحلة وفي ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية غير ممكن وغير مضمون العواقب، لكن هذا لا يعني في نفس الوقت عدم مواجهة طهران وردعها عن التصعيد ضد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بهذا الشكل.

لهذا تطرح مصر الآن رؤيتها التي تقتضي العمل على مسارين أساسيين لحل الأزمة اليمنية، وإغلاق باب تستخدمه طهران لضرب الأمن القومي الخليجي في الصميم. المسار الأول هو المسار السياسي الذي كانت القاهرة دومًا ترى أنه الخيار الأول والأفضل، وسبق ودعمت القاهرة الجهود الدبلوماسية الدولية وجهود سلطنة عمان لبدء مسار سياسي لحل هذه الأزمة، ووقف العمليات القتالية.

على المستوى العسكري، ترى مصر أنه من الضروري أن تتخذ الإمارات العربية المتحدة وكافة دول الخليج، كافة الإجراءات الميدانية اللازمة لحفظ أمنها وسلامة أراضيها، وكذلك ترى أن تعمل الدول العربية مجتمعة على تعظيم قدراتها العسكرية الذاتية، ليس فقط بشراء الأسلحة والمنظومات القتالية، بل بالعمل أكثر على زيادة حجم التعاون والتنسيق العسكري بين الدول العربية، وتبادل الخبرات بشكل مستمر في الإطار التدريبي والتصنيعي، عبر المناورات العسكرية المشتركة، والتعاون في مجال التصنيع العسكري المحلي. 

أخيرًا، لابد من الإشارة إلى أن التوافقات بين مصر والإمارات العربية المتحدة ترتكز في الوقت الحالي على نبذ أية تدخلات خارجية، أو أدوار تخريبية تمارسها أية دول إقليمية، وبالتالي يظل التوافق بين الجانبين في هذا الصدد محكومًا باستراتيجية موحدة، قد تتغير تكتيكاتها تبعًا للظروف الإقليمية والدولية. 

القاهرة من جهتها، أكدت دومًا على ضرورة الحفاظ على حد أدنى من التضامن العربي المشترك، والحفاظ على وحدة الدول العربية وارتباطها ببعضها البعض، وهو الإطار الذي يمكن من خلاله تأطير العلاقة بين القاهرة وأبو ظبي، التي دومًا ما كانت مثال لكيفية التعاون المشترك، دون الإخلال بثوابت وأهداف كل بلد على المستوى الاستراتيجي، ودون التغاضي عن خصوصية كل دولة واختلاف محددات سياساتها الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى