ليبيا

بين حكومتين.. المسارات السياسية الليبية المختلفة حول الأولويات

شهر صعب مر على المسار السياسي الليبي، الذي يجوز حاليًا الحديث عنه بصيغة الجمع “مسارات”، فقد بدأت الأجسام السياسية الليبية، التي دخلت فعليًا في خضم العد التنازلي لإنتهاء شرعية وجودها، في اتخاذ مسارات متعددة تختلف فيها الأولويات السياسية بين تنقيح مسودة الدستور وبين عقد الانتخابات الرئاسية، وهو مشهد يبدو منطقيًا في ظل حالة الاستقطاب المتزايدة حاليًا عقب عودة الوضع الليبي إلى مرحلة “الإزدواجية الحكومية”، عبر وجود حكومتين في سُدة السلطة، وهو ما يصاحبه – بالضرورة – تكريس انقسام السلطات وتصاعد احتمالات اللجوء إلى البندقية، والأٌهم اشتداد الحاجة إلى تسويات داخلية جذرية.

ربما يمكن اعتبار “عودة الزخم للأدوار الخارجية” في الأزمة الليبية، من أهم ملامح مرحلة ما بعد تصويت مجلس النواب الليبي بمنح الثقة لحكومة “باشاغا”، والتوافق بين المجلس والمجلس الأعلى للدولة، الذي انتج التعديل الدستور الثاني عشر، المتضمن خارطة طريق سياسية للمرحلة المقبلة. عودة هذا الزخم تعتبر تيارًا معاكسًا لحالة الحوار والتوافق الداخلية التي شابت المسار السياسي الليبي خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي أسفرت عن توافق شخصيات كانت حتى وقت قريب تعتبر على طرفي النقيض. هذا الواقع يصاحبه توترات أمنية متزايدة، لعل ابرز ملامحها اشتباكات أمس المسلحة في العاصمة طرابلس.

مناورات باشاغا والدبيبة والبحث عن مفاتيح طرابلس

على الرغم من تمكن رئيس الوزراء المكلف لحكومة “الاستقرار” فتحي باشاغا من تشكيل حكومته، وتسلم المقار الوزارية في المنطقة الشرقية والجنوبية، وعقد أول اجتماع لحكومته أوائل الشهر الماضي، إلا أن رهانه على تراجع رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية  “التي سحب مجلس النواب عنها الثقة” عبد الحميد الدبيبة، لم يكن ناجحًا، حيث فشل رغم دخوله العاصمة طرابلس منذ نحو شهر تقريبًا، في الضغط على الدبيبة للتنازل عن مواقفه السابقة، وهو ما تسبب في تصاعد التوتر داخل العاصمة بشكل كانت فيه على شفا اقتتال داخلي بين الوحدات الموالية لباشاغا والأخرى التابعة للدبيبة.

ظل باشاغا على موقفه الحالي من ضرورة تسلمه مقاليد السلطة في طرابلس بشكل سلمي دون أي صدام مسلح، وبدأ في محاولة تفكيك الدعم الخارجي للدبيبة – وهو الدعم الذي بدا من ردود الفعل الدولية على التطورات الأخيرة في ليبيا – وشرع في التواصل مع عدة أطراف دولية فاعلة، منها السفير الأمريكي في طرابلس ريتشارد نورلاند، والمبعوث الفرنسي إلى ليبيا بول سولير، بجانب محادثة هاتفية مهمة تمت بينه وبين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرتش. 

على المستوى الداخلي، بدا أن باشاغا يحاول – عبر إبداء الدعم لبعض المسؤولين الحكوميين الذين على خلاف مع الدبيبة، مثل مصطفى صنع الله رئيس مؤسسة النفط – استغلال موجة الاستقالات التي طالت المسؤولين في حكومة الدبيبة، وشملت كل من فاخر بوفرنة وزير التخطيط، وعبدالفتاح الخوجة وزير الخدمة المدنية، واجديد معتوق وزير الدولة لشؤون الهجرة غير الشرعية، وأحمد أبو خزام وزير التعليم بالإنابة، وعلي الطابوني وكيل وزارة المالية، والمهدي شعيب وكيل وزارة الحكم المحلي، وسهيل بوشيحة وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة، وخالد امراجع وكيل وزارة العدل.

على الجانب الأخر، اتخذ رئيس حكومة تصريف الأعمال عبد الحميد الدبيبة مسارين متوازيين للتأكيد على موقفه الرافض تسليم السلطة إلى أي حكومة جديدة، إلا بعد عقد الانتخابات التشريعية. المسار الأول، هو مسار استمالة القوى والمكونات الداخلية الليبية، وهو مسار لا يمكن أن نعتبره مستجدًا، فقد درج الدبيبة منذ توليه منصبه على خطب ود المكونات القبلية والسياسية والمجتمعية، لضمان وجود تأييد أساسي له في المنطقة الغربية. وتزايدت حدة سلوكه هذا المسار مؤخرًا، وهذا ظهر خلال اجتماعات المجلس الأعلى للإدارات المحلية، حيث حرص الدبيبة على الاجتماع مع عمداء البلديات المشاركين في هذا الإجتماع، خاصة عمداء بلديات المنطقة الجنوبية، وقد تضمنت هذه الاجتماعات تعهدات من جانب الدبيبة بتقديم ما يناهز 4 مليون دينار لكل بلدية، تضاف إلى مخصصات مالية تم تقديمها سابقة لبلديات المنطقة الغربية والجنوبية. يضاف إلى هذا قيم الدبيبة بزيارة لافتة لمنطقة “أبو سليم”، واجتماعه هناك مع عبد الغني الككلي – الملقب بـ غنيوة – قائد “جهاز دعم الإستقرار”، وهي الميليشيا الأهم في المنظومة الأمنية الداعمة للدبيبة.

المسار الثاني وهو الأكثر أهمية في هذه المرحلة، ألا وهو مسار اللعب على الوتر “الديني”، عبر التقرب من المفتي السابق الصادق الغرياني، الذي يحتفظ بروابط وثيقة مع بعض من أهم المجموعات المتشددة، على رأسها مجلس شورى ثوار بنغازي. فقد حضر الدبيبة افتتاح أحد المساجد الجديدة في العاصمة طرابلس، وتحدث من على منبره بخطاب يقترب في ملامحه من توجهات متشددة بدأت تبرز أكثر على السطح داخل العاصمة مؤخرًا، حيث قال نصًا “هذه البلاد بنيت على أساس قوي ولا يمكن إلا أن ترفع راية التوحيد ولا خوف على شبابنا من الإلحاد”. أثنى الدبيبة بشكل واضح على الصادق الغرياني بعد أن التقاه، وهو ما يمكن اعتباره مراهنة من جانبه على الفصائل المسلحة التي يحتفظ الغرياني بتأثير أساسي عليها، وفي نفس الوقت يعد هذا الموقف لعبًا على وتر التشدد الديني، الذي بدأ يأخذ أشكالًا متعددة داخل العاصمة، كان آخرها إلقاء جهاز الأمن الداخلي – الذي كان يسمى سابقًا قوة الردع – القبض على سبعة نشطاء من حركة “تنوير”، ووجه إليهم تهمة “الإلحاد”، وهذا يأتي ضمن حملة يشنها هذا الجهاز المرتبط بشكل أو بأخر بالصادق الغرياني.

تقرب الدبيبة من الغرياني لم تقتصر مظاهره على ما سبق فقط، بل شمل أيضًا التفاصيل المتعلقة بخطوة سياسية لافتة قام بها مؤخرًا، وهي تسليمه مسودة لقانون الانتخابات – أعدتها لجنة وزارية أشرف على تشكيلها – إلى “اللجنة الوطنية لتنفيذ خطة عودة الأمانة للشعب”، لأخذ رأيها في هذه المسودة، علمًا إن هذه الأخيرة يرتبط معظم أعضائها بالصادق الغرياني، وهذا كله ضمن ما يبدو أنه توجه من الدبيبة للإيحاء بأنه جاد في السعي نحو إقامة الانتخابات التشريعية، والتي باتت هي الأولوية الرئيسية للدبيبة وتياره، الذي يضم الميليشيات الرئيسية في الغرب، وجهاز الأمن والمخابرات، ورئاسة الأركان، والمصرف المركزي، وكذلك تعتبر الانتخابات التشريعية – للمفارقة – الأولوية الرئيسية لمستشارة الأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي ستيفاني ويليامز، التي طالتها انتقادات لاذعة من جانب الغرياني مؤخرًا.

مجلس النواب ومجلس الدولة.. تباعد بعد التقارب

بعد التوافق الهام الذي تم – ولو ظاهريًا – بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وأسفر عن إصدار التعديل الدستوري الثاني عشر، الذي من خلاله تمكن كلا الطرفين من التوافق بشكل مبدأي على شكل المسار السياسي الليبي خلال المرحلة المقبلة، رغم تباين مواقفها حيال مصير حكومة الوحدة الوطنية، وخلافهما السابق حول أولويات المرحلة السياسية الحالية. بعد هذا التوافق بدا أن هذا التوافق قد تم التراجع عنه، وأن المجلس الأعلى للدولة بدأ في اتخاذ مسار مختلف عن ما هو منصوص عليه في التعديل الدستوري الجديد.

فهذا التعديل، تضمن تعديل نص الفقرة الثانية عشر من المادة 30 من الإعلان الدستوري الحالي، لتنص على تشكيل لجنة من 24 عضوًا من الخبراء والمختصين ممثلين بالتساوي للأقاليم الجغرافية التاريخية الثلاثة يتم اختيارهم من قبل مجلسي النواب والدولة، تتولى مراجعة المواد محل الخلاف في مشروع الدستور المنجز من قبل الهيئة التأسيسية وإجراء التعديلات الممكنة عليه، على أن تنتهي هذه اللجنة من إجراء التعديلات المطلوبة على مشروع الدستور خلال خمسة وأربعين يومًا، ومن ثم يحال مشروع الدستور المعدل مباشرة إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات للاستفتاء عليه، وفي حالة ما إذا تعذر إجراء التعديلات بعد انتهاء هذه المدة، تتولى لجنة مشكلة من مجلسي النواب والدولة خلال مدة أقصاها شهر إعداد قاعدة دستورية وقوانين انتخابية ملزمة للطرفين لدورة رئاسية وبرلمانية واحدة، على أن يحال النظر في مشروع الدستور المنجز من قبل الهيئة التأسيسية إلى السلطة التشريعية الجديدة.

جوهر هذا التعديل كان يتمحور حول تعديل مشروع الدستور ومن ثم الاستفتاء عليه، وصولًا إلى عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلا في حالة ما إذا فشلت اللجنة المشكلة لمراجعة المواد الخلافية في مشروع الدستور الحالي، في إتمام عملها ضمن المهلة القانونية، حيث سيتم الذهاب في هذه الحالة مباشرة إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. لكن أظهرت الأسابيع الأخيرة أن المجلس الأعلى للدولة يريد الانتقال مباشرة إلى مرحلة عقد الانتخابات التشريعية، وهو ما يخالف توجهاته خلال الأشهر الماضية، والتي كانت تطالب دومًا بإعادة النظر في قوانين الانتخابات، والشروع في ملف الإستفتاء على الدستور.

ملامح هذا التغير في توجهات المجلس الأعلى للدولة، ظهرت بشكل واضح من خلال تجاوبه مع مبادرة مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الليبية ستيفاني ويليامز، التي تضمنت دعوة كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة كي يشكلوا وفدين يقومان بتشكيل قاعدة دستورية، يتم بناء عليها عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، وهي دعوة يبدو من مضمونها أنها تستهدف مجلس النواب بشكل أساسي، كون أنها تعد قفزًا على التوافق الذي أدى إلى التعديل الدستوري الثاني عشر، الذي تضمن خارطة طريق يتم بموجبها عقد الانتخابات بعد أربعة عشر شهرًا، كما تمثل هذه الدعوة تعديلًا للأولويات السياسية التي تم التوافق عليها، لتصبح الانتخابات هي الهدف الأساسي، وهو ما يتضمن في ثناياه إنهاء دور مجلس النواب الحالي، وتشكيل مجلس جديد بعد الانتخابات المقبلة.

المجلس الأعلى للدولة – الذي سبق وأعد قاعدة قانونية للانتخابات التشريعية –  سارع بإرسال وفد يمثله إلى تونس، عقد على مدار ثلاثة أيام اجتماعات مع ويليامز، في حين فضل مجلس النواب إرسال مجموعة من اعضائه إلى تونس للقاء ويليامز، دون أن يكون هؤلاء ضمن وفد رسمي مخول للنقاش مع ستيفاني ووفد المجلس الأعلى للدولة حول القاعدة الدستورية لعقد الانتخابات، خاصة وأن 76 عضو من أعضاء المجلس، أصدروا بيانًا يرفضون فيه الدخول في مبادرة ويليامز، قبل تولي الحكومة الجديدة مهامها بشكل كامل. يبدو أن مجلس النواب أعتبر دعوة ويليامز قفزًا على خارطة الطريق التي أقرها المجلس، ومحاولة لإنهاء دوره، وغض الطرف عن معضلة الحكومتين القائمتين حاليًا. عوضًا عن ذلك، شرع مجلس النواب في تنفيذ الجزء الخاص به في خارطة الطريق الجديدة، وشكل لجنة من أثنى عشر عضوًا، نصفهم من أعضاء المجلس، والنصف الآخر من المتخصصين في القانون الدستوري، لبحث المواد الخلافية في مسودة مشروع الدستور الحالية.

المجلس الأعلى للدولة من جانبه، بدأ بشكل واضح في التباعد في مواقفه عن مجلس النواب، وبدأ في طرح عدة سيناريوهات يمكن من خلالها التوصل إلى قاعدة دستورية لعقد الانتخابات – في حال استمر مجلس النواب على موقفه الحالي – منها سيناريو اعتماد ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات اللجنة القانونية لملتقى الحوار في مدينة الغردقة خلال الفترة بين شهري فبراير وأبريل 2021 كقاعدة دستورية. 

من السيناريوهات المطروحة من جانب المجلس الأعلى للدولة، إمكانية استخدام فصل نظام الحكم الموجود في مسودة مشروع الدستور الحالية، واعتماده كقاعدة دستورية. هنا لابد من التذكير أن المجلس الأعلى للدولة يعاني من عدم توافق بين أعضاءه بشأن الخطوات الحالية، وهو وضع ظهر خلال الأيام القليلة التي سبقت إقرار مجلس النواب للتعديل الدستوري الجديد، وظهر أيضًا في موقف أعضاء المجلس من دعوة ستيفاني ويليامز، حيث لم يتوفر النصاب الكافي في الجلسة الأولى التي عقدها المجلس الأعلى للدولة لاختيار أعضاء الوفد الذين سيسافرون إلى تونس، ولم يتم اختيارهم إلا بعد عقد جلسة ثانية.

اللافت في هذا الصدد، أن موقف المجلس الأعلى للدولة من حكومة الدبيبة، أصبح أكثر وضوحًا مع موقفه المستجد من خارطة الطريق التي أقرها مجلس الدولة، فقد بدا في البداية أن المجلس الأعلى للدولة لا يمانع في تشكيل حكومة جديدة برئاسة باشاغا، لكن تواصل رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري مع بعض وزراء حكومة الدبيبة، مثل وزير الدولة عادل جمعة ووزير الدولة للأتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، جعل الجسور بين المجلس وحكومة الدبيبة ممدودة، وهي جسور شملت عدد من المرشحين للانتخابات الرئاسية، التقاهم المشري خلال الأسابيع الأخيرة.

خطوات بريطانية لافت.. وويليامز ونورلاند يقودان تحركًا دوليًا

من المواقف التكتيكية الجديرة بالمراقبة في هذه المرحلة في ليبيا، هي المواقف البريطانية، التي بدا أنها – بفعل التطورات الأخيرة في أوكرانيا، والخشية من تأثر إمدادات النفط الليبية من أية تداعيات ميدانية – قد بدأت في التحول بشكل تدريجي يخالف التوجهات السابقة التي كانت متجاهلة بشكل كبير لدور المنطقة الشرقية الليبية. فقد كانت تحركات بريطانيا في الملف الليبي منذ أواخر العام الماضي، تتمثل في عدة مواقف لافتة صدرت عن السفيرة البريطانية في ليبيا كارولين هرندل، منها البيان الذي أصدرته السفارة البريطانية، وقالت فيه بشكل واضح أنها ستظل على اعترافها بحكومة الوحدة الوطنية، لقيادة المرحلة الحالية حتى انعقاد الانتخابات التشريعية والرئاسية، وأعربت عن عدم تأييدها أية محاولات لإنشاء حكومات أو مؤسسات موازية، وهو ما تسبب في موجة غضب واضحة في مجلس النواب في الليبي وعدة قوى سياسية، خاصة أن هذا البيان كان حينها متزامنًا مع تغريدة لوزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جيمس كليفرلي، هدد فيها بمحاسبة من “يهدد الاستقرار في ليبيا”.

يضاف إلى ذلك، زيارة السفيرة هرندل لمقر”غرفة عمليات سرت والجفرة” التابعة للمجلس الرئاسي في مدينة مصراتة، وعقدت مباحثات مع قائدها إبراهيم بيت المال. كذلك زارت مقر وزارة النفط الليبية، والتقت مع وزير النفط، وقد تضمنت مذكرة مرسلة منه إلى رئيس الوزراء المكلف، بعض تفاصيل هذه الزيارة، حيث أثارت السفيرة بعض الموضوعات المتعلقة بالميزانية المخصصة لقطاعات النفط، وكذلك العلاقة بين وزير النفط ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط. هذه الأنشطة ترافقت مع تصريح لافت للسفير البريطاني السابق في ليبيا بيتر ميليت، الذي دعا صراحة خلال لقاء تلفزيوني إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية الليبية ومد الفترة الإنتقالية. جدير بالذكر أن ميليت يعمل ضمن مستشاري المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، وهنا من الممكن أن نفهم لماذا حدث تغير واضح في المواقف البريطانية فيما يتعلق بالملف الليبي الشهر الماضي، بعد المواقف السالف ذكرها، والتي ظهر فيها الإنحياز إلى المنطقة الغربية.

دلائل هذا التغيير يأتي على رأسها الزيارة الغير مسبوقة للسفيرة هرندل إلى مدينة بنغازي، ولقائها مع قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، وهو لقاء تم اعتباره بمثابة محاولة لتحسين الصورة البريطانية في المنطقة الشرقية بعد التوترات السابقة، التي دفعت مجلس النواب الليبي أواخر العام الماضي، إلى اعتبار السفيرة البريطانية شخص غير مرغوب به. تضاف إلى هذه الزيارة، عدة لقاءات قامت بها السفيرة البريطانية، من بينها لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ورئيس حكومة الاستقرار فتحي باشاغا، ونائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، وعلى الرغم من أن لقائها مع أحد وزراء حكومة الدبيبة، ربما يتماشى مع وجهة النظر البريطانية التي أعلنت استمرار رهانها على هذه الحكومة، إلا أن لقاؤها مع حفتر وباشاغا، فتح الباب أمام تراجع مستقبلي عن هذه الخطوة، خاصة أن العنوان الأساسي الذي يمكن وضعه لهذه الزيارة كان “المخاوف حول تأثر إمدادات النفط الليبية بأي اشتباك ميداني”.

التحركات البريطانية تتسق مع تحركات كل من السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند ومستشارة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الليبية ستيفاني ويليامز، وقد كان ملحوظًا الدعم الفوري لمبادرة ويليامز من جانب السفير نورلاند، وكذلك محاولته إدامة التواصل بين الحكومتين القائمتين حاليًا، خاصة حكومة باشاغا التي التقى السفير برئيسها، والتقى كذلك بالمرشح الرئاسي عارف النايض ورئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، والتقى في تونس مع تسعة عشر رئيس حزب سياسي ليبيا. وعلى الرغم من أن نورلاند كان يركز في تحركاته على ملف النفط، الذي قدم مبادرة تخص إيراداته وتدفقاته، إلا أنه عمل على مسار آخر لمحاولة الجمع بين الدبيبة وباشاغا في لقاء موحد، وهو لقاء قد يتم – في حال حدوثه – محاولة التوصل إلى تسوية سياسية بينهما، قد تشمل مقايضة بين ترشح الدبيبة في الانتخابات الرئاسية المقبلة مقابل رحيله عن منصبه، أو بقاء الدبيبة في منصبه وتعديل حكومته مع تعهده بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية.

دعم الولايات المتحدة لخطة ستيفاني ويليامز، وكذلك دعم المجلس الرئاسي لهذه الخطة، التي تستهدف التوصل إلى قاعدة دستورية لعقد الانتخابات قبيل يونيو المقبل، يستند بشكل أساسي على البيان الدولي الخماسي الذي أصدرته كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، تحذران فيه من تقويض الاستقرار في ليبيا، وتطالب بإجراء الانتخابات التشريعية قبل يونيو المقبل، وهو ما حمل موافقة ضمنية على بقاء الدبيبة في منصبه، وهنا يظهر سيناريو يعتمد على دور أساسي للمجلس الرئاسي، يقتضي تجميد المحكمة العليا لكافة المؤسسات السياسية الحالية “مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية وحكومة الاستقرار”، وتكليف رئيس المحكمة بتولي منصب الرئاسة مؤقتًا، يعمل على الإعداد للانتخابات التشريعية في موعد أقصاه يونيو من العام المقبل، بالإضافة لتسميته لحكومة مؤقتة مهمتها تسيير الخدمات وتصريف الأعمال.

هذا السيناريو رغم صعوبة تحقيقه، إلا أن احتمالات حدوثه قائمة، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار حجم اللقاءات التي أجراها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مؤخرًا، سواء مع السفراء المعتمدين في ليبيا، أو عدد من المرشحين الرئاسيين والنيابيين، أو رئيس المحكمة العليا محمد الحافي، الذي قد يتم استبداله في حالة ما إذا كان المستهدف هو تنفيذ هذا السيناريو.

القاهرة تتحرك .. وتوترات أمنية وعسكرية تشوب المشهد

في مثل الظروف الحالية في ليبيا، تأتي استضافة القاهرة مؤخرًا لعدة شخصيات ليبية أساسية، مثل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، والسفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، حيث تحاول مصر في هذه المرحلة، تحقيق توافق بين هذه الأطراف، لتحقيق هدفين أساسيين، الأول، هو البناء على التوافق الداخلي الذي جمع بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، والثاني، إنهاء حالة الإزدواج الحكومية، والتي كانت مصر طرفًا أساسيًا في إنهائها عبر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، قبل أن يتم سحب الثقة عنها برلمانيًا، وكان لها كذلك دور أساسي في الدفع قدمًا نحو توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية الليبية.

المشهد الحالي يتضمن مخاطر أمنية وميدانية جدية، حيث يتصاعد التوتر داخل العاصمة طرابلس، منذ محاولة رئيس حكومة الاستقرار فتحي باشاغا استلام المقرات الحكومية فيها، وقد بدأت بعض المجموعات المسلحة الموالية للدبيبية، مثل  “جهاز دعم الاستقرار”، في توسيع نطاق تواجدها وسيطرتها داخل العاصمة، وهو ما أدى إلى حدوث اشتباك بينها وبين فصيل “النواصي” التابع لوزارة الداخلية، أسفر عن قتلى وجرحى. على المستوى العسكري، كان لافتًا نشر تركيا صورًا تظهر إفطار جنودها المتواجدين في قاعدة الخمس البحرية وقاعدة الوطية الجوية، وهو تأكيد على استمرار وجودها في ليبيا، خاصة مع استئناف إرسال المرتزقة السوريين إلى طرابلس، والذين وصلت دفعة جديدة منهم تقدر بنحو 200 عنصر في السادس والعشرين من الشهر الماضي. وتركيا في هذه المرحلة تراهن بشكل واضح على الدبيبة، وإن كانت تحتفظ بعلاقات مهمة مع باشاغا، وقد يكون هذا مدخل لوساطة تركية ما بين الجانبين.

خلاصة القول، إن المشهد الليبي الحالي تشعبت فيه – مرة أخرى – المطالب والأولويات السياسية، وبات الوضع الميداني على الأرض مقلقًا بشكل أكبر، خاصة بعد أن أصبح مجددًا في ليبيا حكومتين، ربما حال هذا المشهد كان من أسباب تنفيذ الجيش الوطني الليبي الشهر الماضي مناورات صاروخية لافتة، تم فيها استخدام صواريخ “سكود” الباليستية السوفيتية، التي أعاد الجيش تأهيلها مؤخرًا، وهي مناورات تحمل رسائل عدة، مفادها أن استمرار الأوضاع الحالية يتسبب في مزيد من السيولة الأمنية في ليبيا، وبالتالي ستكون الأبواب مشرعة أمام تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، التي بدأت بشكل تدريجي في التحرك مجددًا على الأراضي الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى