
هل يصطف سكان اسطنبول التركية قريبا للحصول على المياه؟
حذّرت العديد من المنظمات والتقارير الدولية مؤخراً من الاحتمالية الكبيرة لمعاناة المدن الرئيسية التركية في المستقبل القريب من موجة جفاف ونقصٍ شديد في المياه نتيجة انعدام أو قلة سقوط الأمطار في أنحاء تركيا خلال الفترة الماضية مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الأخيرة، إضافة إلى النتائج الداخلية لانخراط الحكومة التركية، بزعامة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، في صراعات وحروب داخلية وخارجية على حساب الترکیز على مواجهة القضايا والتحديات البيئية والمناخية محلياً.
ولذا لا تُعزى مشكلةُ نقص المياه الحالية والجفاف المنتظر في تركيا إلى عامل واحد في تركيا، بل إلى عدة أسباب.
ما مدى حجم أزمة المياه والجفاف في تركيا؟
تعاني تركيا مما يُعرف باسم “الإجهاد المائي” أو”Water Stressed Country”، وتواجه منذ حوالي 4 عقود حالات جفاف مائي تتعدد أسبابها من النمو السكاني والتصنيع والزحف العمراني وتغير المناخ، إلى أسباب سياسية إدارية أخرى. وهي حالة جعلت إحدى التقارير الدولية تحذر منذ أيام قليلة من أنه في حالة استمرار عدم هطول الأمطار خلال الأشهر المقبلة في تركيا، فإن الأخيرة قد تُجبَر على البدء في تقنين استعمال المياه،(*)خاصة في ظل توقعات وصول عدد سكان تركيا في عام 2050 إلى 100 مليون شخص.
وتسبب انخفاض كمية الأمطار في تركيا، التي وصلت إلى 50%، خلال النصف الثاني من العام الماضي 2020 في وقوع أشد حالة جفاف في البلاد منذ حوالي 10 سنوات، والتي أقام بعض الأتراك على إثرها صلاة استسقاء في سبتمبر 2020 طلباً للمطر، ولتتكرر في 11 ديسمبر من العام نفسه مرة أخرى.
تحذيرات شديدة من احتمال مواجهة اسطنبول موجة عطش كبرى
وتواجه المدن الرئيسية في تركيا في الوقت الحالي مخاطر نفاذ المياه خلال الأشهر القليلة المقبلة، حسب بيانات لعدد من المؤسسات الرسمية. فقد أصدرت غرفة المهندسين الكيميائيين في تركيا، على سبيل المثال، تحذيراتٍ في 13 يناير 2021 من أن مدينة اسطنبول ربما لن تجد مياهاً بعد 45 يوم من الآن، مشيرة إلى أن كمية المياه المتواجدة بالمدينة تكفي فقط لأقل من شهر ونصف.(*)

وقد قلت الأمطار بنسبة 50% ووصلت الخزانات حول اسطنبول إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عاماً. وهذا يعني أن حوالي 17 مليون شخص في اسطنبول وحدها مهددون بالعطش في عام 2021، حسبما تؤكد وكالة “ناسا” الفضائية الأمريكية.
وقد دفعت هذه التطورات سلطاتِ اسطنبول إلى توجيه رسالة للسكان تطالبهم بـ”إظهار المواطنة الصالحة” في هذا التوقيت الحرج عن طريق ترشيد استخدام المياه في المنازل. وجاء في الرسالة “طبقاً للتدابير الاحترازية الحالية، يقضي الكثيرُ من السكان أوقاتاً أطول داخل المنازل، وعليه فمن المهم الانتباه إلى عدم ترك صنابير المياه مفتوحة دون سبب وجيه”.
وعلاوة على ذلك، حذّر أكاديميون الرئيس التركي أردوغان من الأضرار البيئية والاقتصادية لمشروع “قناة اسطنبول” الذي من المتوقع أن يربط ما بين البحر الأسود وبحرة مرمرة بطول 45 كليومتراً وعمق 25 متراً. وشدد الأكاديميون في تقريرهم على أن مشروع القناة سيجلب مياه شاطيء البحر الأسود “الملوثة” إلى النظام البيئي النظيف لبحر مرمرة.(*)
ويضيف التقرير الأكاديمي أن الأضرار التي ستلحق بالمياه الجوفية في اسطنبول نتيجة المشروع ستقود إلى تدمير الأراضي الزراعية الخصبة الواقعة شمال غربي تركيا في “تراقيا الشمالية”. ولفت التقرير إلى أن المشروع سوف يتسبب في حدوث نقص بالمياه إثر احتمال وقوع تسريبات من القناة إلى ثغرات المياه الجوفية في مدينة اسطنبول والتي ستؤدي إلى تملح الأراضي في الجانب الأوروبي من اسطنبول. وجديرٌ بالذكر أن هذه القناة سينتج عنها أضرار بيئية أخرى، كتلك المتعلقة بالحيوانات والنباتات.
ولم يقتصر الأمر على مشروع “قناة اسطنبول” بل تخطاه إلى مشروع مطار اسطنبول الجديد. فحسب صحيفة “كورييه انترناسيونال” الفرنسية، أدّى بناء مطار اسطنبول الجديد، الذي تم افتتاحه في 2018، إلى التسبب في أضرار بيئية خطيرة في المدينة بعدما أُزيلت حوالي 2.5 مليون شجرة ودُمِّرت الكثيرُ من الأحواض المائية فيها.
وفي هذا الشأن، تطرق استاذ تغير المناخ العالمي والسياسة البيئية في جامعة “سابانجي” باسطنبول، أوميت شاهين، إلى قضية مشكلة المياه في اسطنبول على وجه التحديد قائلاً إن “الجميع يعلم أنه يجب الحفاظ على أحواض المياه، خاصة في فترات الجفاف هذه التي أصبحت أكثر حدة وطويلة الأمد”، مضيفاً أنه “ومع ذلك، في اسطنبول، على سبيل المثال، (فُتحت) أحواض المياه الأكثر حيوية، والغابات الأخيرة والأراضي الزراعية. إن هذه السياسات لا يمكن أن تحل مشكلة الجفاف في تركيا“.(*)
ولتفاقم المشكلة، سلّطت وسائل الإعلام التركية المحلية الضوء على أزمة النقص في مياه الشرب باسطنبول قائلة إن اللامبالاة التي تعاملت بها الحكومة بشأن المعايير البيئية أثناء تنفيذها للمشاريع حوّلت مسألة العطش إلى التهديد الأخطر لعاصمة تركيا الاقتصادية.
أكبر مدينتين في تركيا تواجهان معاناة في الحصول على القدر الكافي من المياه
وإلى جانب اسطنبول، تعاني العاصمة أنقرة من وضع مشابه، حسبما أشارعمدتُها “منصور يافاش” في يناير الماضي حين أوضح أن أنقرة تواجه مشكلة الجفاف وأن مخزونها من المياه في السدود والخزانات يكفي فقط لـ 110 أيام.
وتواجه أكبر مدينتين في تركيا، إزمير وبورصة، مشكلات كبرى في الوقت الحالي في الحصول على كميات كافية من المياه، حيث لم تعد السدود تمتليء في هاتين المدينتين بأكثرَ من 36% و24% على التوالي. وجعلت هذه الأزمة المزارعين يخشون من تلف محاصيلهم الزراعية، وأن تخطط إزمير لحفر 103 بئر جديدة وإصلاح مياه الصرف الصحي، منعاً لتفاقم خطورة هذه المشكلة.
لماذا نشأت الأزمة وما مستقبل تطورها؟
نستنتج مما سبق أن سكان العديد من المدن التركية سيواجهون بالفعل أزمة حقيقية في المياه خلال المستقبل القريب، وهو الأمر الذي قد يضطر سكان بعض المدن التركية إلى الوقوف في طوابير من أجل الحصول على المياه، على الرغم من أن أنقرة تسلب حقوق دولٍ أخرى مجاورة في حصص المياه، مثل سوريا والعراق عن طريق بناء السدود.
فعلى سبيل المثال، نتج عن بناء تركيا سدوداً على نهر الفرات تراجعُ حصة سوريا من النهر إلى أقل من ربع الحصة المتفق عليها دولياً. وبالنسبة للعراق، تسبب سد “إليسو” على نهر دجلة في تراجع حصة العراق ربما بنسبة 60% بعد تشغيل مولدات الكهرباء على السد.(*)
وإذا نظرنا إلى المشكلة، سنجد أنها ليست ذات جذر أو علة واحدة؛ فسبب ما تواجهه وما ستتعرض له تركيا قريباً من تفاقم مشكلات الحصول على المياه كان يمكن السيطرة عليه من خلال تركيز الحكومة الحالية على معالجة المشكلة نفسها من عدة زوايا بيئية، بدلاً من الانشغال بالخارج والتورط في نزاعات وحروب داخلية وخارجية.
أبرز أسباب تفاقم أزمة المياه في تركيا:
علاوة على مشكلة النقص في هطول الأمطار بتركيا خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة عام 2020، تحتل عوامل أخرى موقع الصدارة في نشأة هذه الأزمة كان من بينها:
- تغليب الحكومة التركية الحالية للنزعة السياسية على حساب عملية البناء الضرورية:

اتضحت للمراقبين خلال فترة العشر سنوات الماضية بشكل أكبر أهدافُ الحكومة التركية الحالية التي يتولى زعامتها رجب طيب أردوغان منذ عام 2002. فقد استغلت حكومة أردوغان حالة الانفلات الأمني والصراعات المسلحة في بعض دول المنطقة للتدخل فيها عسكرياً منذ عام 2011. ومنذ ذلك العام، انشغلت أنقرة بشكل مطرد بمحاولة مد نفوذٍ لها في مثل هذه البلدان، والتي كان من أبرز نماذجها سوريا وليبيا.
وقد جاء هذا الهدف التركي على حساب عملية البناء الداخلية، فقد نتج عنه توتر الأوضاع الداخلية سياسياً ومعاناة مناطق الحدود الشرقية والجنوبية أمنياً، كما تسببت سياسة أردوغان وتحويله الدولة من برلمانية إلى رئاسية ودخوله في نزاعات محلية عدة، من بينها الصراع مع الأحزاب السياسية، إلى نشأة عدم استقرار داخلي انخرطت فيه الحكومة أكثر بدلاً من التركيز على عملية معالجة مشكلات كبرى من أبرزها نقص المياه.
- الاضطرابات الاقتصادية الحادة:
ويعزز هذا الأمرَ المُشارَ إليه آنفاً تراجعُ مؤشرات الثقة الاقتصادية في تركيا خلال العام الماضي، والانكماش الكبير الذي سجله الاقتصاد التركي، بالتزامن مع الهبوط الحاد لليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، وإفلاس عدد كبير من الشركات التجارية بالتزامن مع التدهور الاقتصادي. ويعني كل هذا عملياً عدم امتلاك أنقرة القدرة الاقتصادية والمالية الكافية لمعالجة أزمة النقص في المياه ومواجهة الظواهر البيئية أو معالجة القضايا المناخية.
- تفريغ أحواض المياه:
دأبت حكومة أردوغان على فتح أحواض المياه من أجل دعم بعض المشاريع المحلية، إلا أن فتح هذه الأحواض جاء بالسلب على نسبة المياه المتوافرة، حيث إن هذه الأحواض يُستفادُ منها بالأساس في أوقات الجفاف. وفي هذا الصدد، حذّر كثيرون الرئيس التركي من خطر مشروع قناة اسطنبول وكذلك مطار المدينة وآثاره على مياه الشرب في اسطنبول التي ستتأثر 40% منها بهما، فإحدى السدود الكبرى بها ستتهدم وتتوقف القنوات المائية الصغيرة التابعة له. ويجيء هذا في وقت تعاني فيه المدينة بالأساس من نقص خطير في المياه.
وهنا، يؤكد “أوميت شاهين” أن أحواض المياه الأكثر أهمية في اسطنبول، كمثال، فُتحت ولكن “هذه السياسات لا يمكن أن تحل مشكلة الجفاف في تركيا”.
- تجاهل السيطرة على الطلب على المياه:
يقول خبير إدارة المياه “اغجون إلهان” إن السلطات التركية تتجاهل التركيز على تدبير المياه وإبقاء الطلب عليها تحت السيطرة وتتجه خطأً إلى توسيع إمدادات المياه من خلال بناء السدود. ويضيف الخبير أن “مؤشرات التحذير كانت هناك منذ عقود، لكن عملياً لم يتم عمل الكثير”.(*)
وختاماً،
يُتوقع أن تُقدم الحكومة التركية خلال الأيام المقبلة على تقنين استخدام المياه، خاصة إذا علمنا أن تعداد السكان في تركيا من المتوقع أن يبلغ حوالي 100 مليون شخص عام 2050، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، أي بزيادة قدرها حوالي 18% من إجمالي سكان تركيا اليوم.
وسوف تكون اسطنبول المنطقة الأكثر تأثراً بالأزمة في تركيا. وإذا استمرت مسببات هذه الأزمة المذكورة آنفاً، فسوف تزداد خطورة في المستقبل القريب أو أن تدفع الحكومة التركية على الدخول في صراعات أوسع مع دول الجوار من أجل السيطرة على المياه، ولكن هذه المشكلة في جميع الأحوال ربما تصبح في وقت لاحق أحد دوافع الداخل التركي لمطالبة الحكومة في أنقرة بوقف التدخل في شؤون الدول الأخرى والاهتمام بالداخل.
باحث بالمرصد المصري



