إيران

مجتمع ما بعد الحرب… “مهسا أميني” والجيل الجديد في إيران

حاولت وسائل الإعلام التي تبث من داخل إيران خلال الأيام الأولى التي تلت الإعلان عن مقتل الفتاة الإيرانية الكردية “مهسا أميني” في 16 سبتمبر 2022 تجاهل هذا الحادث أو على الأقل عدم تسليط الضوء، عليه إلى الحد الذي يجعل منه قضية رأي عام، وسارت على هذا الدرب المنافذُ الإعلامية الموالية للتيار المحافظ بشكل خاص في إيران.

ولكن على الرغم من ذلك، لم تستطع هذه الوسائل مواصلة ذلك التجاهل، حتى شرعت جميع الوسائل الإعلامية الموالية لكافة التحزبات والتشكيلات السياسية في إيران في تناول قضية أميني بشكل يومي موسع. فقد فرضت هذه القضية نفسها داخل إيران مع تنامي الاحتجاجات التي نددت –ولا تزال- بمقتل مهسا أميني وانتشارها من شرق البلاد إلى غربها، من محافظة سيستان وبلوشستان إلى أذربيجان الغربية وكردستان الإيرانية، خاصة مدينة سنندج عاصمة الأخيرة. لذا، أصبح من غير الممكن تجاهل التطورات المتتالية في إيران منذ 16 سبتمبر الماضي.

ولكن، إذا أصبح الأمر على هذا النحو لدى وسائل الإعلام، فإن علينا أن نتساءل من زاوية أخرى: “لماذا تطورت الاحتجاجات وتفاقمت الأزمة في إيران حتى وصلت إلى ما نشاهده اليوم من حالة انفلات نسبي في الأمن، وعلى وجه الخصوص في الأطراف النائية من إيران شرقًا وغربًا، ومواجهات دامية بين قوات الأمن الإيرانية والمواطنين؟”. فحالة مهسا أميني لم تكن الأولى من نوعها في إيران عند الحديث عن حقوق النساء وما تقره السلطات الدينية من “زي إسلامي” وحجاب بطريقة محددة، وكذلك مسألة الزي النسائي في إيران واحتجاج النساء أنفسهن عليه ليس بالجديد. 

فماذا حدث إذًا ليدفع إيران باتجاه ما وصلت إليه اليوم من مظاهرات ورفض واسع لأطروحات النظام الإيديولوجية الخاصة على وجه التحديد بمسألة “الزي الإسلامي”، وليتحول الأمر ضد النظام نفسه في النهاية، وذلك عبر احتجاجات لم تشهدها المدن الإيرانية منذ المظاهرات التي اندلعت عام 2009 ضد إعادة انتخاب الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية؟

كلمة السر … التغيرات المجتمعية الجذرية خلال العقدين الماضيين في إيران

شهد المجتمع الإيراني تحولات جوهرية منذ تولي النظام الحالي مقاليد الحكم أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر، أقامت في الواقع بينه وبين النظام السياسي جدارًا يزداد صلابة يومًا بعد الآخر.

وقد حدث ذلك على النحو التالي تدريجيًا: 

رفض “التغريب” في عهد الشاه يصل بالخميني إلى سدة الحكم: 

حينما تولى النظام الإيراني الحالي السلطة عام 1979 كانت فئاتٌ واسعة من المواطنين الإيرانيين تميل إلى الفكر المحافظ (Conservatism) بشكل عام، وهو ما ساعد روح الله الخميني بالأساس على كسب دعم مثل هذه الفئات، وأن يتولى لاحقًا زمام الأمور في البلاد بعد تغلبه ورفاقه على التيارات السياسية الثورية الأخرى في إيران، وأبرزها اليساريون (مثل حزب توده) الذين ساعدوه على أرض الواقع على الإطاحة بالنظام الملكي السابق. بل إن غضب قطاعات واسعة من الإيرانيين من مسار التغريب الذي أحدثه الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي وأكد عليه، ومن قبله أبوه، قد مثّل أحد أهم أسباب نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 ومجيء رجال الدين إلى الحكم.

yyyy.PNG

الحرب الإيرانية العراقية تسهم في تعزيز نفوذ وأطروحات رجال الدين في إيران: 

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، أي أثناء فترة الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، ظلت الحالة الفكرية المجتمعية في إيران على ما هي عليه، بل وسارت إلى المزيد من المحافظة مع بروز دور رجال الدين الشيعة على الساحة واستفادتهم من الحرب في الدعاية لأطروحات النظام السياسي، وهو ما ساهم في الحقيقة في بقاء النظام الإيراني وتعزيزه قوّتَه ونفوذَه وسلطتَه ليس فقط خلال عقد الثمانينيات، بل وحتى مطلع القرن الحالي. 

الحرب العراقية الإيرانية.. "كأس السم" من الخميني إلى خامنئي

فقد كانت الحرب الإيرانية ضد العراق إحدى أهم أدوات تعظيم نفوذ وسلطة رجال الدين في إيران حتى اليوم. ولعل تسمية الساسة الإيرانيين لحرب الثماني سنوات هذه بـ “حرب الدفاع المقدس- جنگ دفاع مقدس” يُعد دلالة واضحة على توظيف الدين سياسيًا. ولا تزال هذه التسمية على ما هي عليه حتى اليوم، حيث يندر العثور داخل منافذ الإعلام في إيران، سواء باللغة الفارسية أو العربية، على اصطلاح “حرب الثماني سنوات”، بل سنجد دائمًا اصطلاح “حرب الدفاع المقدس” أو “الحرب المفروضة- جنگ تحمیلی”، ويُقصَد بها الحرب التي تم فرضها على إيران من وجهة نظر أدبيات النظام السياسي في طهران. 

بداية التحول المجتمعي في إيران

وعلى أي حال، فإن انتهاء الحرب مع العراق وتراجع أسلوب الدعاية الإعلامية المصاحب لها والمروِّج في الوقت نفسه لأطروحات النظام، وبداية انفتاح الإيرانيين أيضًا على الخارج في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي (1997-2005) قد مثّل بداية التحول داخل المجتمع الإيراني من المحافظة إلى الانفتاح. فمنذ بداية القرن الحالي وحتى الآن، شهدت كثيرٌ من طوائف المجتمع الإيراني، التي اتسمت بالمحافظة في الماضي، تغييراتٍ جدية جعلتها مختلفة عما كانت عليه عام 1979 أو حتى خلال العقدين التاليين. 

er.PNG

وعلاوة على العوامل سالفة الذكر، أسهمت الثورة التكنولوجية والرقمية ودخول عصر المعلومات في إحداث تغيير في طريقة تفكير كثيرٍ من الإيرانيين، سواء ممن لم يعتقدوا في أطروحات النظام الإيراني أو أولئك الذين أيدوه، مع تفاوت نسب التحول؛ فلم يعد المجتمع الإيراني منغلقًا مثلما كان عليه خلال العقدين الأولين من عمر النظام السياسي الحالي وهو ما مثّل آنذاك أرضًا خصبة لانتشار أفكار روح الله الخميني، بل صار أكثر انفتاحًا، خاصة عند الحديث عن طموحات وتوجّهات الأجيال الجديدة، وبشكل أكثر دقة لدى الأجيال التي لم تعاصر الحرب العراقية الإيرانية بصفتها أهم مراحل أدلجة المجتمع في إيران على النحو الذي يحبذه النظام.

التحول يطال الحرس الثوري 

صراع الأجيال ينهك فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني

وقد نتعجب عندما نرى أن أكثر المؤسسات العسكرية تشددًا في إيران والمسؤولة عن حماية النظام نفسه وتصدير أفكاره إلى الخارج، وهي الحرس الثوري، لم تعد تلك المنظمة المتشددة على النحو الذي كانت عليه حتى أواخر القرن الماضي، بل طالها التغيير الفكري والتحول بعد دخول أجيال جديدة من الشباب إليها لم يعاصروا الحرب العراقية أو تأسيس النظام على يد الخميني. وهو أمر لا تخفيه حتى وسائل الإعلام الإيرانية الموالية للإصلاحيين، حتى أن تقارير كثيرة باتت تتحدث عن رغبة بعض الشباب الإيراني في الانضمام إلى الحرس الثوري من أجل الحصول على السلطة والمال، وأنهم ليسوا معتقدين كليًا بالأطروحات الأولى للنظام.

النتيجة.. رفض أطروحات النظام الإيديولوجية وعلى رأسها الحجاب الإجباري

وبوجه عام، أثّرت هذه التحولات المجتمعية في إيران على مدى قبول الشعب لسياسات وأطروحات النظام السياسي، ومن أهمها مسألة “الزي الإسلامي” على الطريقة التي يفرضها النظام وتؤكد تنفيذها “شرطة الأخلاق” في الشارع، وهي بالأساس شعبة من شُعَب الشرطة العامة في إيران. 

لذا، نجد أن نسبة رفض الإيرانيين لمسألة الحجاب الإجباري قد ارتفعت تدريجيًا خلال العقدين الماضيين حتى وصلت إلى حالة الاحتجاجات العامة في البلاد والتي لم تحدث لهذا السبب منذ تولي النظام الحالي مقاليد الحكم. علاوة على أن إعلان النساء الإيرانيات رفضهن لهذا الأمر قد اتخذ مسارًا تدريجيًا صعوديًا بلغ ذروته عام 2017؛ ففي ذلك العام، أقدمت المواطنة الإيرانية “فيدا موحد” على خلع حجابها علنًا في واحد من أهم شوارع إيران وهو شارع الثورة في العاصمة طهران وسط حشود غفيرة، واعتلت منصة عالية ورفعت فوقها عصا على رأسها حجابها ولوّحت به للجميع معلنة رفضها لمسألة الحجاب الأجباري في إيران، وهو أمر لم تكن السلطات الإيرانية أو حتى المواطنين يتصورون قبلها أن يحدث على هذا النحو.

وقد لقي هذا الأمر رواجًا على وسائل التواصل الاجتماعي في إيران، ودعمًا آخر من جانب الإيرانيين المؤيدين في الخارج، ومن أبرزهم الصحفية الأمريكية إيرانية الأصل مسيح علي نزاد التي أطلقت فعاليات “أيام الأربعاء الأبيض” المخصصة بشكل محدد لمعارضة إجبار النساء على ارتداء الحجاب في إيران. 

وقد أسهمت هذه الحملة بشكل مؤثر للغاية لم تتوقعه مسيح علي نجاد نفسها التي تفاجأت خلال أسبوعين فقط من إطلاق الحملة عام 2017 بإرسال أكثر من 200 فيديو لنساء إيرانيات قد خلعن الحجاب علنًا في شوارع إيران في تحدٍ جدي للسلطات، وحصلت بعض هذه المقاطع على 500 ألف مشاهدة في خلال أيام قليلة.  وتقول مسيح علي نجاد إن موقعًا إلكترونيًا موازيًا كانت قد دشنته قبل ذلك عام 2014 لمناهضة إجبار النساء على ارتداء الحجاب في إيران قد حصل في العام 2017 أيضًا على أكثر من 3 آلاف صورة وفيديو لنساء في إيران يتحدين السلطات الموكل إليها إجبار المرأة على “الزي الإسلامي”.

وعلى هذا النحو، نجد أن استطلاعًا للرأي أجراه مكتبُ الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، عام 2014 قد أظهر أن حوالي 50% من الإيرانيين (رجالًا ونساءً) لا يقبلون إجبار النساء على ارتداء الحجاب. أما مركز الدراسات الدولية والأمنية الأمريكي (CISSM) فقد أكد هذا الأمر مجددًا حينما أجرى استطلاعًا آخر جاء فيه أن “بعض الإيرانيين يوافقون على تغيير النظام السياسي في إيران أو على الأقل استبعاد الشريعة الإسلامية من الحياة السياسية”. 

وعليه، فإن هذه التحولات المُشار إليها، إلى جانب الإمعان مؤخرًا في فرض المزيد من القيود على النساء في إيران فيما يتعلق بـ”الزي الإسلامي” في ظل سيطرة المتشددين على البرلمان والسلطة التنفيذية في آن واحد، قد أدّى في النهاية إلى ما نشهده اليوم من احتجاجات عارمة في مختلف المدن الإيرانية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى