إيران

لماذا يُعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فرصة جيواستراتيجية لإيران؟

يمثل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان من إحدى زواياه فرصة لإيران يمكنها استغلالها لمد نفوذها الجيوإستراتيجي وكسب أرض جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة إلى الشرق من حدودها وليس في منطقة العراق والشام التقليديتين الواقعتين غرب قارة آسيا. إذ تُعد أفغانستان في الوقع أرضاً ممهدة سهلة الاختراق من جانب إيران لم يكن يقف أمامها في العقود القليلة الماضية سوى تواجد قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي (الناتو).   

إن إيران وأفغانستان تجمعهما عدة خصائص مشتركة تاريخية ولغوية واجتماعية تجعل من السهل على طهران الانخراط في المجتمع الأفغاني سياسياً واقتصادياً إضافة للجانب العسكري. ولكن هذا وفي الوقت نفسه لا ينفي أن اضطراب الأوضاع الأمنية في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، المقرر اكتماله في 31 أغسطس المقبل بعد مرور 20 عام على دخول القوات الأمريكية والحلفاء إلى الأراضي الأفغانية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، يحمل في طياته تهديداتٍ جدية لإيران لا يجب إغفالها. 

وعند النظر إلى الوسائل التي وظفتها إيران من أجل التغلغل في بعض الدول المجاورة أو في تلك التي اتاحت لها الظروف التدخل فيها خلال الأعوام الماضية، سنجد أن الحالة الأفغانية ليست ببعيدة عن ذلك جزئياً على الرغم من وجود اختلافاتٍ بعضُها جوهري. بل إن انخراطاً إيرانياً أوسع وأسرع خلال الأعوام أو الأشهر المقبلة في أفغانستان يُعد أكثر احتمالاً مما كانت عليه تجاربها في العراق أو سوريا. 

لماذا يمكن لإيران بسهولة بسط نفوذها داخل أفغانستان؟

إيران وأفغانستان: مصالح مشتركة وقضايا عالقة | المعهد الدولي للدراسات  الإيرانية

إن التأثير الإيراني الفارسي داخل دولة أفغانستان يعود لآلاف السنين، بينما يبلغ عمر العلاقات المتبادلة بمختلف أوجهها بين إيران وأفغانستان في الوقت الحاضر عقوداً طويلة. إذاً، فطهران لن تدخل ساحة جديدة لا تعلم عنها شيئاً، إذ أن البلدين والشعبين لديهما علاقات تاريخية وثقافية ومذهبية أكبر بكثير حتى من تلك التي تتمتع بها إيران مع بعض جيرانها في الغرب إلى حدودها أو في الشرق الأوسط عموماً، كالعراق وسوريا ولبنان. 

فأفغانستان وإيران كانتا من الناحية الجغرافية والسياسية والعسكرية جزءً واحداً بالأساس إبان حكم الأخمينيين (350-330 ق.م) والساسانيين (226 ق.م- 651 م) والذين أسسوا الإمبراطورية الفارسية الأولى والثانية آنذاك، كما أن أفغانستان تندرج تحت تأثير الثقافة الفارسية أو ما يُعرف بـ”الهضبة الإيرانية”. 

وعرقياً، تمتزج قومية الطاجيك الأفغان، الذين تشكل نسبتهم حاليا حوالي 37% من مجمل الشعب الأفغاني حسبما تقول بعض التقارير الدولية، مع الفرس في إيران في العديد من الصفات، ليس أقل اللهجة الفارسية القريبة، كما أن لديهم عوامل تقارب ثقافي أوثق مع إيران مقارنة بعرقية البشتون التي تبلغ نسبتها حوالي 42% وتتشكل منها بالأساس حركة “طالبان”. ويُضاف إلى الطاجيك عرقياتٌ أخرى مقربة من الفرس في إيران هي الأوزبك والتركمان. 

ومذهبياً، تتمتع إيران بعلاقات جيدة مع قومية أخرى في الداخل الأفغاني، ألا وهي قبائل “الهزارة” الذين يتحدثون الفارسية أيضاً ويدينون بالإسلام الشيعي الأثنى عشري، مثل المذهب الرسمي في إيران الذي يقره دستورها. ويسكن الطاجيك والهزارة في الغالب المناطق الغربية والوسطى من أفغانستان القريبة جغرافياً من إيران. 

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979 وتولي الحكمَ فئةُ رجال الدين في طهران، عمّق النظام الجديد من نفوذه داخل أفغانستان، حتى صار أحد اللاعبين السياسيين في المشهد الأفغاني. ولم تترك إيران مجالاً في أفغانستان إلا وتداخلت أو تدخلت فيه، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو مذهبياً، بل إنها تعاونت حتى مع “طالبان” وأمدتها بالسلاح وبعض المستشارين من الحرس الثوري. 

ويرى بعض الطاجيك والهزارة الأفغان إيران كدولة جارة يمكن أن تكون داعماً لهم في كثيرٍ من الأحيان، على غرار البشتون الذين يرتبطون أكثر بالجارة الجنوبية الشرقية باكستان. ولذا، فإن هذه العوامل تشكل أسساً قوية تمكن إيران من أن تبسط نفوذها داخل المجتمع الأفغاني.

كيف يشكل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فرصة جيواستراتيجية لإيران؟ 

بناءً على العوامل سالفة الذكر، عززت إيران موقعها داخل أفغانستان على مدار الزمن وعلى مختلف المستويات وأصبحت من بين اللاعبين داخل ذلك البلد. لكن هذا النفوذ خلال السنوات الماضية كان يواجَه بقيود كبيرة من جانب دور كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلنطي (الناتو). وكان الدور الإيراني يوصَف بأنه معادٍ أو على الأقل منافس لهذه الأدوار، على الرغم من اتفاق طهران مع جميع هذه الأطراف في العديد من الأهداف المشتركة.

وبعد 31 أغسطس المقبل، سوف يتلاشى بشكل تدريجي دور هذه الدول والتكتلات المنافسة لإيران على الأراضي الأفغانية، ما يعطي الفرصة لإيران للعب دورٍ أكبر في كابل.

وحول الدور الإيراني المحتمل لإيران في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأمريكي المرتقب يمكن الإشارة إلى ما يلي: 

استنساخ للتجربة العراقية؟: 

بالأسماء... أبرز ميليشيات إيران في العراق وسوريا وحجم الإنفاق عليها | حفريات

على الرغم من أن إيران لا تملك على أرض الواقع ميليشيات محددة معروفة داخل الأراضي الأفغانية مثلما هو الحال في العراق وبعض الدول الأخرى، إلا أنها بإمكانها فعل ذلك بسهولة للعديد من الأسباب من بينها الارتباطات الوثيقة العرقية والمذهبية التي تملكها مع عدد من العرقيات والمذاهب داخل أفغانستان. فقد سبق القول إن طهران لديها علاقاتٌ واسعة وثيقة مع الطاجيك والهزارة والأوزبك والتركمان، أي مع العرقيات والمذاهب في ذلك البلد، إلى جانب أن لديها منذ عشرات السنين علاقاتٍ مع جماعات إرهابية مثل “طالبان” و”القاعدة” هناك. 

وبعيداً عن هذه الجماعات المُشار إليها، تستطيع إيران تعزيز نفوذها السياسي والعسكري داخل أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي عن طريق تأسيس جماعات مسلحة أخرى موالية لها من الشيعة تحديداً (الهزارة) أو غيرهم داخل أفغانستان نفسها، وهو أمرٌ ليس بالجديد بالنسبة لها، إذ قد شكلت خلال السنوات العشر الماضية، جماعات مسلحة شيعية من المهاجرين الأفغان داخل إيران أطلق عليهم “لواء فاطميون” كان عدد كبير منهم بالأساس من طائفة (الهزارة) الأفغانية الشيعية، وقامت بإرسالهم إلى سوريا. ولا تقتصر هذه التجربة على الأفغان فقط، بل استخدمت طهران نفس النهج مع الشيعة الباكستانيين وشكلت منهم “لواء زينبيون”ووظفتهم أيضاً في سوريا. 

إن إيران سوف تحتاج في الغالب إلى مثل هذه الجماعات الموالية لها في المستقبل داخل أفغانستان من أجل تعزيز تواجدها وكسب موقع نفوذ جديد لها شرقي حدودها، مثلما أنشأت جماعات مشابهة في العراق، خاصة إذا طالت حالة عدم الاستقرار الأمني في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأمريكي، ما يعني ضرورة التوجه لأن تصبح فاعلاً رئيسياً على الأرض الأفغانية من أجل تأمين الحدود. 

وهنا، يمكن أن تشكل جماعاتٌ مثل “لواء فاطميون” الأفغاني الموالي للحرس الثوري الإيراني أساساً لمثل هذا المشروع، خاصة بعد التطورات الأخيرة في سوريا خلال الأعوام القليلة الماضية وتضائل الحاجة إلى انتشار عسكري واسع لطهران في هذه المنطقة من الشام. 

إن العوامل التي تخدم مستقبل النفوذ الإيراني في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأمريكي متعددة، وربما يُضاف إليها تمركز السكان الشيعة الأفغان على حدودها الشرقية. وعلاوة على هذا، يعتنق أغلب الشيعة الأفغان نفس المذهب في إيران وهو الأثنى عشرية، ما يتيح لطهران مجالاً أوسع للحركة.

ولكن ظهور الجماعات المحتملة الموالية لإيران في أفغانستان سوف يواجَه في هذه الحالة بتنظيمات إرهابية أخرى مثل “طالبان” و”داعش” و”القاعدة”، ما يعني زيادة معدل الطائفية هناك. ولكن لا يجب الاعتقاد دائماً بأن إيران سوف تنخرط في صدام مع هذه الجماعات  وغيرها في أفغانستان خلال السنوات المقبلة، إذ أن إحدى أهدافها فيما بعد الانسحاب الأمريكي سيكون عدم انزلاق أفغانستان إلى أتون حرب أهلية شاملة، حتى تتفرغ لملفات أخرى إلى الناحية الغربية من حدودها بالإضافة إلى حديث حكومة المتشددين المتوقعة في طهران، بزعامة الأصولي إبراهيم رئيسي، حول أولوية معالجة المشكلات الاقتصادية في البلاد. ولكنها في الوقت نفسه لا ترغب في حالة الاستقرار الكاملة.

وعلى أية حال، فإن “طالبان” سوف تكون، كما هو محتمل، أبرز اللاعبين في المشهد الأفغاني خلال السنوات المقبلة، وهي بالأساس معارضة لإيران حتى لو كان هناك تعاون بينهما وإمداد إيراني لها بالسلاح، وعليه فإن النسخة العراقية لن تكون حاضرة بنسبة مائة بالمائة في أفغانستان التي يشكل السنة بالأساس أكثر سكانها، على عكس العراق. إذ على الرغم من تضارب التقارير والآراء فيما يتعلق بنسبة الشيعة في أفغانستان، إلا أن أغلبها لا يتعدى 22%، حسب تقرير سابق لـ”بي بي سي”. 

ماذا عن التجربة السورية؟ 

لواء فاطميون.. استغلال إيران فقر المهاجرين الأفغان | المعهد الدولي للدراسات  الإيرانية

إن التجربة الإيرانية في سوريا تُعد نسبياً النموذج الأقرب للانخراط الإيراني الموسع والمحتمل في أفغانستان ما بعد الرحيل الأمريكي. ولكن الفارق سيكون أن طهران كانت تدعم الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق لأسباب سياسية وعسكرية، ولكن هنا سيكون الهاجس الأول حماية حدودها من الاضطرابات الأمنية المتوقعة وكسب مجال نفوذ أوسع جديد. وعلى أي حال، يمكن وصف التواجد الإيراني في البلدين بالإستراتيجي غير المرحلي.  

ويُعد وجه الشبه في هذه التجربة أن الوكلاء الإيرانيين في سوريا والمحتملين في أفغانستان سيكونون من الشيعة الأفغان على وجه التحديد، وربما من الشيعة الأفغان اللاجئين في إيران منذ عقود، إذ أن ملايين اللاجئين الأفغان يتواجدون ويعملون في إيران منذ عشرات السنين، وقد استخدمتهم إيران بالفعل منذ أيام حرب الخليج الأولى مع العراق (1980-1988) أيام صدام حسين. ومثلما احتاجت إيران في سوريا إلى مجموعات شيعية موالية لها من أجل تحقيق أهدافها هنا، يُتوقع أن يحدث الشئ نفسه في أفغانستان لاحقاً.

ويجمع الطرفين سعيُ من يديرهم في طهران لتحقيق أهداف عسكرية من وراءهم في البداية، ثم كان الهدف التالي في سوريا سياسياً أشمل ولكنه في أفغانستان سيكون أمنياً بالدرجة الأولى. وسيدخل أي وكلاء لإيران في أفغانستان في صراع مع جماعات مشابهة لتلك التي واجهوها في سوريا خلال السنوات الماضية. 

ومع هذا، كان الهدف الإيراني في سوريا هزيمة التنظيمات الإرهابية بالكامل، إلا أن هدفها في أفغانستان لن يكون هكذا؛ لأنه ليس في مصلحة إيران “استقرار كامل” لأفغانستان أو “اضطراب شامل” هناك. ولكن الحالة الأفغانية المناسبة لطهران ستكون الحفاظ على حالة عدم الاستقرار النسبي واستمرار الصراع ما بين الحكومة في كابل و”طالبان”، ولكن طهران يمكنها أن تتدخل بقوة في المشهد الأفغاني في حال اقتربت “طالبان” من السيطرة على كامل الأراضي الأفغانية.

ويجب الإشارة إلى أن تعداد الشيعة في سوريا وأفغانستان متقارب إلى حدٍ ما، طبقاً لتقرير سابق صدر عام 2010 عن وزارة الخارجية الأمريكية، حيث يبلغ في سوريا حوالي 13% وفي أفغانستان تتراوح التقديرات ما بين 10% إلى 22%، وهو ما يضفى مزيداً من التقارب بين النموذجين.

وإذا كانت إيران قد وظّفت مسألة الدفاع عن المراقد الدينية في سوريا لتعبئة الوكلاء وكان أبرزها مرقد السيدة زينب على بُعد 7 كيلومترات شرقي دمشق، فإن كثيرين داخل أفغانستان يعتقدون أن قبر الصحابي علي بن ابي طالب يقع في مدينة “مزار شريف” شمال شرقي بلادهم.

وختاماً، 

على الرغم من إمكان إيران تنفيذ تجربتها في سوريا بشكل جزئي في أفغانستان، إلا أن التجربتين الإيرانيتين في العراق وسوريا، وخاصة العراق، سوف تختلفان عن نظيرتيهما في أفغانستان من نواحٍ عدة، ليس أقلها حيوية الأراضي العراقية لإيران أكثر من أي بقعة أخرى. ولكن على أي حال، باتت أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي ساحة جديدة أمام إيران، يمكنها أن تعزز من موقعها ونفوذها فيها عن طريق دعم وكلاء جدد.

وكما قيل، لا ترغب إيران في انزلاق أفغانستان إلى أتون حرب شاملة؛ لخطر ذلك عليها أمنياً واقتصادياً؛ ذلك لأن أفغانستان تُعد سوقاً تجارياً مربحاً لإيران، كما أن الحرب الأهلية تعني ملايين جدد من اللاجئين الأفغان في إيران والذين سوف يؤثرون حتماً على اقتصاد طهران المنهار بالأساس والذي قال الرئيس الجديد المنتخب حديثاً إبراهيم رئيسي إنه يضعه كأولوية. وسوف تضطر طهران في هذه الظروف لإقامة مخيمات سوف تشكل هي الأخرى نقاطاً معرضة للانفجار في أي وقت. 

وعليه، فإن طهران سوف تحاول بعد الانسحاب الأمريكي تعزيز تواجدها السياسي والعسكري والاقتصادي داخل أفغانستان وفي الوقت نفسه استمرار حالة “لا منتصر لا مهزوم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى