إيران

المفاوضات النووية الإيرانية بين مطرقة العقوبات وسندان الجمهوريين

بعد ثلاثة أشهر فقط من تقديم “الصيغة النهائية”، بات الحديث عن التوصل قريبًا إلى اتفاق نووي بين إيران والقوى الكبرى في العاصمة النمساوية فيينا أمرًا غير واقعي؛ بعد أن توقفت المفاوضات ذات الصلة بين الأطراف المعنية ولم تتقدم خطوة واحدة إلى الآن، بل إنها تسير إلى تراجع مستمر. 

فعلى الرغم من أن إيران تسعى منذ الأيام التالية لاندلاع الاحتجاجات بها في منتصف شهر سبتمبر الماضي إلى استئناف المحادثات النووية مع بقية الأطراف، على النقيض من الأشهر التي سبقت ذلك التاريخ والتي تولت فيها الدول الغربية مسؤولية تلك الدعوة، إلا أن مساعي إحياء الاتفاق النووي في الوقت الراهن تُعد غير مبشرة، وهو ما تعكسه التحدياتُ الأخيرة داخل وخارج إيران التي وإن كان بعضها غير ذي صلة مباشرة بالمحادثات النووية، إلا أنه يمثل من ناحية أخرى أحد عوامل نجاح المفاوضات “سريعًا” أو الاستمرار في تأجيلها. ونشير هنا إلى أن إمكانية عدم التوصل إلى اتفاق نووي في المدى المتوسط أو الطويل ليست مطروحة بالأساس؛ نظرًا إلى العواقب الهائلة التي يمكن أن تنجم عن ذلك وهو ما تحاول إيران تفاديه.

وفي ضوء ذلك، نتطرق فيما يلي إلى التحولات الأخيرة التي أضيفت إلى عوائق “التوصل السريع” إلى اتفاق نووي بين إيران والقوى الكبرى عبر المباحثات الجارية في فيينا منذ أبريل 2021.

قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية

عقد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا جلسة يوم 17 نوفمبر الجاري للحديث بشأن العثور على آثار مواد نووية في عددٍ من المواقع الذرية غير المعلن عنها من جانب إيران، وهو ما دعت إليه الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية. وانتهت الجلسة بإدانة إيران لعدم تعاونها مع الوكالة لإجلاء ذلك الأمر والإفصاح عن المزيد من المعلومات بشأنه، وقد تم بموافقة 26 دولة عضو في الوكالة من مجموع 35. 

ويحظى هذا الملف الذي تتولاه الوكالة بحساسية شديدة؛ لأنه يشير إلى عدم التزام إيران بالإجراءات القانونية بشأن برنامجها النووي ويزيد من مخاوف الدول الغربية بشأن سلمية أنشطة طهران الذرية، وهو أكثر ما يتوجس بشأنه المراقبون المعنيون في أوروبا والولايات المتحدة. 

وتمنحنا قراءةُ إيران لهذا الملف المزيدَ من الدلائل حول حيويته وكونه نقطة انعطاف في مسار المفاوضات النووية، بحيث إن حلحلته تعني تسهيل استئناف المفاوضات النووية من جديد، وبقاءه من دون حل يعني استمرار تعليق هذه المحادثات. وترفض طهران بشكل كامل تقرير الوكالة الدولية وهذه الإدانات، وتشدد دائمًا على أن برنامجها النووي سلمي، ما يوضح لنا حجم العائق الذي نحن بصدده.

ولم تكن إدانة يوم 17 نوفمبر 2022 الوحيدة من جانب مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا لإيران هذا العام؛ إذ إن هذه الهيئة ذاتها كانت قد أصدرت قرارًا شبيهًا وإدانة سابقة لإيران حول الملف نفسه في يونيو الماضي، وهو ما أدانته طهران هي الأخرى. 

العقوبات الأوروبية والأمريكية المتزامنة

تشهد العلاقات الإيرانية الغربية في الوقت الحالي حالة من التوتر لم تتكرر بمعطياتها هذه كثيرًا منذ نشأة النظام في طهران عام 1979، فالتطورات التي دفعت إليها قد سارت بعلاقات الطرفين إلى مرحلة سياسية انتقالية. وعلى سبيل المثال، أدت هذه الحالة إلى تحول ملحوظ في سياسة الدول الأوروبية تجاه إيران، بحيث تقاربت وجهات نظر أوروبا مع الولايات المتحدة بشأن طريقة التعامل مع إيران، فبدأت في فرض عقوبات متتالية ضدها. 

وتأتي أبرز هذه التحولات ممثلة في:

● انتقاد الدول الأوروبية لانخراط إيران غير المباشر في الحرب الروسية الأوكرانية عن طريق إمداد موسكو بطائرات مسيرة (درونز) استُخْدِمَت حسبما أكدت كييف وأشار إليه مسؤولون غربيون في قصف بعض المرافق الحيوية في بعض المدن الأوكرانية مثل العاصمة كييف. وهذا التحول يُعد الأكثر خطورة في مسار تحول السياسات الأوروبية إزاء طهران، وفيما يتعلق أيضًا بمستقبل المفاوضات النووية الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.

● التوتر السياسي المتصاعد بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتحدة بشأن ما أشار إليه سياسيون في بروكسل (الاتحاد الأوروبي) وواشنطن من استخدام للعنف في طهران حين التعامل مع الاحتجاجات التي اندلعت في منتصف شهر سبتمبر 2022؛ تنديدًا بمقتل الفتاة الشابة “مهسا أميني” على يد الشرطة الإيرانية في العاصمة طهران بعد احتجازها “لعدم التزامها بالزي الإسلامي” الذي تشدد عليه السلطات.

● التوسع المتنامي في تصنيع الطائرات المسيرة داخل إيران بوجه عام واستخدامها في عمليات عسكرية خارجية، وهو ما سبق بالأساس اندلاعَ الحرب الأوكرانية وكان قد شكل فيما مضى عقباتٍ أمام مواصلة المفاوضات النووية.  

أدى كثيرٌ من هذه العوامل إلى أن تقوم الدول الأوروبية والولايات المتحدة بفرض عقوبات على إيران خلال الأشهر القليلة الماضية، خاصة منذ اندلاع الاحتجاجات في إيران شهر سبتمبر الماضي وانتقاد الاتحاد الأوروبي وواشنطن لطريقة تعامل إيران مع الاحتجاجات. وكان أحدث هذه العقوبات قد فُرض خلال النصف الثاني من شهر نوفمبر 2022 واستهدف النفط والحرس الثوري وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. 

وقد انتقدت إيران هذه العقوبات وأدانها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني،  الذي رأى أن هذه الخطوة لا أساس لها وغير قانونية ومرفوضة تمامًا من جانب إيران، مضيفًا أن الدول التي فرضتها “تُضيّق نطاق تفاعلاتها مع إيران عبر تبني هذا الموقف” وأن طهران “سوف تتخذ الإجراءات المتبادلة والفاعلة بقوة”. وهو ما يعني أن الأيام المقبلة قد تشهد مزيدًا من التصعيد بين إيران والدول الغربية، وهو ما سيلقي بظلاله على المفاوضات النووية وسيرفع من احتمالات تأجليها إلى وقت آخر. 

سيطرة الجمهوريين في الولايات المتحدة

بعد ثمانية أيام من الانتخابات، تمكن الجمهوريون في الولايات المتحدة مؤخرًا من استعادة مجلس النواب المؤلف من 435 عبر اجتياز عتبة 218 مقعدًا لازمًا للحصول على الأغلبية. وبذلك، يكون الحزب الديمقراطي بزعامة الرئيس الحالي جو بايدن قد فقد السيطرة على مجلس النواب. وبالتزامن مع ذلك، جاء تطور لافت آخر تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الترشح مرة أخرى لخوض انتخابات 2024 الرئاسية من أجل العودة إلى البيت الأبيض.

إن هذين التطورين لا يمكن فصلهما مطلقًا عن تعقيدات المفاوضات النووية الإيرانية؛ إذ إن:

● سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب الأمريكي ستمكنهم من الضغط على إدارة الرئيس الأمريكي بايدن حتى نوفمبر 2024، موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما يتعلق بالعديد من الملفات ومن بينها المفاوضات النووية. حيث يتوقع أن يحاول الجمهوريون إعمال آرائهم المعارضة لوجهة نظر الديمقراطيين فيما يتعلق بهذا الملف الحيوي مع إيران، وهو ما سيحمل معه مزيدًا من الزخم لهذه المباحثات في الأيام المقبلة.

● إعلان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة مرة أخرى سوف يُزيد الهواجس في طهران خلال الأيام المقبلة بشأن مستقبل ومصير الاتفاق النووي نفسه، إذا ما تم التوصل إليه قبل يناير 2025 وهو موعد تنصيب الرئيس الأمريكي؛ فإيران تخشى خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مرة أخرى إذا ما وصل ترامب إلى سدة الحكم وتكرار نفس سيناريو العقوبات التي فرضها ترامب بعد مايو 2018. لذا، فإن هذا الإعلان قد يؤثر على مسار المفاوضات النووية من حيث إمكانية سعي إيران من جديد للحصول على ضمانات أكبر بعدم خروج واشنطن من الاتفاق لاحقًا على يد الجمهوريين أو ترامب، وهو ما قد يقود إلى تأجيل وتأخير جديد بشأن التوصل إلى اتفاق نووي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى