إيرانروسيا

لماذا تستحوذ زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا على أهمية خاصة؟

للمرة الرابعة منذ توليه مهام منصبه في أغسطس 2021، قام وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بزيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو في 29 مارس الجاري، ليصبح تكرار رحلاته إلى هذا المقصد دليلًا واضحًا على مدى سعي إيران إلى تعميق علاقاتها مع روسيا على مختلف الأصعدة، خاصة في عهد حكومة المحافظين الإيرانية الحالية التي يقودها إبراهيم رئيسي. 

وحسب تصريحات سابقة لعبد اللهيان، فإن زيارته الحالية إلى موسكو كان قد جرى تأجيلها لأسابيع بعد تحويل وزير الخارجية الإيرانية وجهته في وقت سابق من موسكو إلى أنقرة. وعلى أي حال، فإن زيارة عبد اللهيان إلى روسيا تنطوي على عدة أهداف تتنوع ما بين العسكرية والاقتصادية والأمنية، علاوة على طرح ملفات دولية بعينها للنقاش من بينها: المباحثات النووية في فيينا، والأزمة السورية، وأزمة جنوب القوقاز. ويُكسب هذا التنوعُ الزيارة أهمية خاصة، مثلما يمنحها كذلك التحدي الذي يمثله كلُ ملف مطروح للنقاش على حدة، وهو ما نتطرق إليه فيما يلي:

زيارة عبد اللهيان ومعضلة القبول الأمريكي بوساطة روسية في المفاوضات النووية

أوضح وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان في تصريحات له أن من بين أهداف زيارته إلى موسكو الحديث حول دفع المفاوضات النووية بين إيران والقوى الكبرى في فيينا إلى الأمام، بعد توقفها في شهر أغسطس الماضي وحدوث تصعيد وتوترات سياسية حادة بين إيران والدول الغربية الأطراف في هذه المحادثات.  فقد قال عبد اللهيان قبيل ساعات من وصوله الأراضي الروسية إن “خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي لعام 2015) تتوسط المواضيع التي سيبحثها مع نظيره الروسي سيرجي لافروف”، مؤكدًا أن “نافذة المفاوضات النووية لا تزال مفتوحة، والاتفاق النووي وعودة الأطراف إلى تعهداتها هي إحدى مواضيع محادثاتي مع السيد سيرجي لافروف”. وخلال المحادثات في موسكو، دعا وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إلى استئناف المفاوضات النووية الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.

ومع ذلك، تثير العلاقات المضطربة بشدة في الوقت الحالي بين الاتحاد الروسي والدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تُعد أطرافًا رئيسة في مفاوضات فيينا النووية تساؤلاتٍ كثيرة ومهمة حول مدى إمكانية استجابة الأطراف الغربية لدعوة وزير الخارجية الروسي للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية، سواء في الوقت الحالي أو لاحقًا؛ في ظل توتر العلاقات بينهما بشدة.

وقد بدت خلال الأشهر الماضية، ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بعض المؤشرات حول رغبة الولايات المتحدة في تحييد الدور الروسي بالأساس في المباحثات النووية الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وكان من بينها عقد واشنطن محادثات غير مباشرة مع طهران في الدوحة في شهر يونيو الماضي فيما بدا أنها خطوة عملية تهدف إلى التعامل المباشر مع طهران بعيدًا عن بكين وموسكو. يوحي هذا بأن التعاون الإيراني الروسي من أجل استئناف المفاوضات النووية من جديد في النمسا قد لا يلقى صدى في الأوساط الغربية؛ خاصة وأن طهران تُعد حليفًا قويًا لروسيا في الحرب مع أوكرانيا.

“الخطوات النهائية” في سبيل التوصل لاتفاقية الـ 20 عامًا الاقتصادية

عطّلت الحرب الروسية الأوكرانية توصل إيران إلى اتفاقية استراتيجية شاملة مع روسيا لمدة 20 عامًا على غرار تلك التي وقعت عليها مع الصين في مارس 2021. فقبيل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية العام الماضي، كان الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، قد أعلن خلال اجتماع مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في موسكو يوم 19 يناير 2022 أن طهران أعدت “مسودة اتفاقية مدتها 20 عامًا بين البلدين”، إلا أن الأمور لم تجرِ على ما يُرام لاحقًا وتعثرت هذه المحاولات لأشهر.

ومع ذلك، أصرت إيران على تجديد المحاولات مرات أخرى، وتركزت مساعيها خلال الآونة الأخيرة من وراء تكثيف الزيارات والاتصالات مع موسكو إلى عقد هذه الاتفاقية التي تتعلق بتعزيز التعاون الاقتصادي بشكل غير مسبوق بين البلدين، علاوة على تقوية التعاون العسكري والأمني بين البلدين، ويبدو هذا الشق الأخير ماضيًا إلى الأمام بشكل واضح منذ أشهر. 

وجاءت زيارة عبد اللهيان إلى روسيا إذًا من أجل التأكيد على هذا الهدف، بل يمكن القول إن واحدًا من أهم الملفات على أجندة عبد اللهيان في زيارته موسكو يوم 29 مارس الجاري تمثل في تحريك المياه الراكدة فيما يخص اتفاقية الـ 20 عامًا بين البلدين؛ إذ تناولت المباحثات الإيرانية الروسية هذا الملف، وأعلن وزير الخارجية الإيراني خلال اجتماعه مع المسؤولين الروس في موسكو أن البلدين اقتربا من التوقيع على اتفاق تعاونٍ استراتيجي طويل الأمد. وأضاف الوزير الإيراني “نحن الآن في المراحل النهائية لتوقيع اتفاق استراتيجي طويل الأمد، وآمل أن استقبل نظيري الروسي في طهران قريبًا لاستكمال هذه العملية”.

وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة في إيران وروسيا معًا؛ نظرًا إلى أن البلدين في حاجة إلى تعزيز تبادلهما وتعاونهما الاقتصادي في الوقت الراهن الذي تقع فيه الدولتان تحت طائلة العقوبات الخارجية الواسعة، حيث تقيد العقوبات المفروضة عليهما تجارتهما مع الخارج. وفي ضوء ذلك، فإذا ما توصل الجانبان لمثل هذه الاتفاقية فإنهما سوف يعززان إلى الحد الأقصى اعتمادهما الاقتصادي على الآخر، إلى جانب دول أخرى تُبدي استعدادها للتعاون والشراكة معهما، سواء في آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حتى في أفريقيا.

وإلى جانب ذلك، تسعى إيران وروسيا في الوقت نفسه إلى التوصل، على هامش هذه الزيارة والاجتماعات المماثلة السابقة، إلى اتفاقيات اقتصادية أخرى أقل شمولًا من هذه المذكورة، ومن بينها تلك التي ترمي إلى تسهيل إجراءات سفر التجار والمواطنين بين البلدين وعمليات الترانزيت التجارية بينهما. وتهدف إيران وروسيا كذلك إلى تفعيل خط “ممر شمال-جنوب” التجاري الذي تولي إيران له أهمية كبيرة لوقوعها في قلب مساره.

حيوية ملف التعاون الأمني والعسكري في زيارة عبد اللهيان

تستهدف الزيارات المتكررة من جانب المسؤولين الإيرانيين مؤخرًا إلى روسيا تعميق التعاون العسكري والأمني بين البلدين، خاصة في ظل تدهور علاقاتهما مع الغرب بعد بدء الحرب الأوكرانية في فبراير من العام الماضي. فقد دفع الطرفان إلى الأمام مستوى تعاونهما العسكري والأمني خلال الأشهر الأخيرة فيما صار يوصف بـ”الشراكة العسكرية” بين البلدين.

وتستحوذ هذه القضية على اهتمام واسع في الأوساط الأمريكية والأوروبية على المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية، ما دفع واشنطن في ديسمبر 2022 إلى الإعراب عن قلقها من تشكل “شراكة دفاعية كاملة” بين طهران وموسكو، فيما صرّح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض الأمريكي، جون كيربي، آنذاك قائلًا إن “روسيا تسعى للتعاون مع إيران في مجالات مثل تطوير الأسلحة والتدريب”.

وحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في 27 مارس 2023، فإن طهران تسعى إلى الحصول على معدات عسكرية ومعدات حرب إلكترونية سيبرانية متقدمة من روسيا مع تزويدها إياها بالمسيرات لاستخدامها في الحرب مع أوكرانيا. ويُكسب هذا المسعى زيارة عبد اللهيان إلى روسيا أهمية خاصة؛ فحصول إيران على معدات عسكرية متقدمة وأجهزة تقنية استخباراتية أكثر تطورًا سيعني الكثير بالنسبة لمعادلات الأمن والتوازن في الإقليم، وسوف يثير حفيظة الولايات المتحدة والغرب وغضب إسرائيل.

فقد قالت الصحيفة إن هناك “تبادلًا لمعدات تنصت وتتبع رقمي متقدمة، وتسعى طهران إلى تعميق هذا النوع من التعاون”، مضيفة أن “روسيا أمدت إيران بقدرات اتصالية وأجهزة استماع وأجهزة تصويرية متقدمة منذ بدء الحرب في أوكرانيا”. وأشار التقرير في الوقت نفسه إلى أن “روسيا كانت قد ترددت في منح إيران هذه القدرات الهجومية الرقمية؛ لخشيتها من أن تقع في النهاية في يد آخرين”. 

وحسب التقرير، فإن “موسكو شاركت سابقًا برمجيات أكثر تقدمًا مع إيران تسمح للنظام الإيراني باختراق الهواتف وأنظمة الكمبيوتر الخاصة. وتتمتع روسيا وإيران بقدرات إلكترونية متطورة، ولديهما تعاون في المجال السيراني، حيث وقعتا اتفاقية تعاون سيبراني قبل عامين تركز في الغالب على شبكات الدفاع السيبراني”.

وإلى جانب هذه المعدات الرقمية، تسعى إيران إلى الحصول على عشرات المروحيات القتالية من روسيا وأن تدعمها في برنامج الصواريخ بعيدة المدى في الوقت الذي تزود فيه إيران روسيا بمسيرات قتالية. أما وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان، فقد أكد بعد وصوله موسكو على عمق التعاون العسكري بين البلدين، مضيفًا أن “التعاون الدفاعي من القضايا المطروحة على أجندة طهران وموسكو، لكن هذا التعاون لن يكون ضد أي طرف”، وهو ما جاء ردًا على تصريحات أمريكية سابقة بشأن مخاوف حول تنامي التعاون العسكري الروسي الإيراني.

ولعل تصريحات عبد اللهيان في موسكو تكشف عن رغبة إيرانية حقيقية في تطوير التعاون العسكري مع روسيا وأن هذا التطوير هو أحد أهداف زيارته لموسكو. وطبقًا لما قالته “وول ستريت جورنال”، فإن مساعي عبد اللهيان “قد تركز على تشجيع موسكو لبيع مروحيات قتالية وأجهزة دفاعية متطورة لطهران”، وهي بالأساس تشكل هدفًا رئيسًا لإيران منذ سنوات في ظل معاناة سلاحها الجوي في الجيش والحرس الثوري من تقادم المعدات وحاجتهما المستمرة والماسة إلى شراء طائرات متقدمة.

طرح ملفات سياسية إقليمية للحوار المشترك الثنائي

مثّل طرحُ إيران وروسيا، على طاولة الحوار بين عبد اللهيان والمسؤولين الروسي في موسكو، لملفاتٍ بعينها في الشرق الأوسط والقوقاز وأفغانستان وجهًا بارزًا لمدى تنامي التعاون بين الدولتين على المستويات السياسية والأمنية. حيث جاءت زيارة حسين أمير عبد الليهان إلى روسيا في توقيت تشهد فيه بعض القضايا الإقليمية في هاتين المنطقتين تطورات لافتة، من بينها: الملف السوري وما به من تصعيد عسكري أمريكي إيراني، والعلاقات الإيرانية الأذربيجانية المؤهلة للتوتر بشدة خلال الأيام المقبلة. ويأتي الملف الأفغاني ليشكل هو الآخر تحديًا مشتركًا لروسيا وإيران.

التنسيق بشأن سوريا مع التصعيد الأمريكي الإيراني: ففي سوريا، وقعت خلال الشهر الجاري اشتباكات بين قوات أمريكية وأخرى موالية للحرس الثوري الإيراني في مناطق دير الزور والحسكة نتج عنها مقتل متعاقد أمريكي وإصابة عدد من الجنود، تزامن معه اتصال بين رئيس الأركان الأمريكي ونظيره الإسرائيلي لبحث المواجهة مع إيران في الإقليم وعلى رأسه سوريا. يعيد هذا مرة أخرى إلى المشهد قضية الحضور الإيراني في سوريا وما يبدو من انشغال روسي بأوكرانيا بعيدًا عن دمشق، وما يعقبه من تنامي المواجهة الإيرانية الأمريكية هناك وحاجة روسيا وإيران إذًا إلى تقييم أدوارهما والنظر في أبعاد هذه المواجهة، علاوة على مستقبل الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية في سوريا.

توتر العلاقات بين باكو وطهران مع افتتاح أذربيجان سفارة لها في إسرائيل: يبدو المشهد الإيراني الأذربيجاني في طريقه للتوتر الحاد بعدما افتتح وزير الخارجية الأذربيجاني، جيهون بيراموف، في نفس يوم زيارة عبد اللهيان إلى روسيا، سفارة بلاده في إسرائيل لأول مرة منذ نشأة العلاقات بينهما. وترى إيران هذا بمثابة تهديد لها؛ نظرًا إلى جوارها الجغرافي مع إيران، ووجود أقلية كبيرة من الأذريين في شمال غرب إيران على الحدود مع أقرانهم في الشمال داخل أذربيجان. وقد أدلى وزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، بتصريحات لافتة خلال افتتاح السفارة، حيث قال إن هذه الخطوة “دليل قفزة في العلاقات الاستراتيجية”، مضيفًا “اتفقتُ مع وزير الخارجية الأذربيجاني بيرموف على تشكيل جبهة موحدة أمام إيران وتعزيز التعاون في مجال الاقتصاد والأمن والطاقة المتجددة”. 

يشير هذا إجمالًا إلى أن مستقبل العلاقات الإيرانية الأذربيجانية مرشح لأن يشهد توترات قوية وهو ما قد يُلقي بظلاله بالتالي على الأزمة القوقازية المعروفة “ناجورنو قرة باغ” بين أرمينيا وأذربيجان. هذا بالإضافة إلى أجواء التوتر التي شابت علاقات الدولتين مؤخرًا بعد تعرض نائب برلماني أذربيجاني “مناهض لإيران” لهجوم بسلاح ناري في منزله. حيث أشار جهاز أمن الدولة في باكو، في معرض تحقيقه حول الحادث، إلى أن النائب البرلماني “معروف بآرائه المناهضة لإيران الجارة الجنوبية لأذربيجان”. 

ومن الجدير الإشارة إلى أنه علاوة على هذين الملفين، فقد تطرق وزير الخارجية الإيراني مع نظيره الروسي إلى تطورات الملف الأفغاني والاتفاق الإيراني السعودي الأخير الذي تم التوصل إليه برعاية صينية في بكين يوم 10 مارس 2023.

الاستنتاج، تبعث زيارة وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان إلى روسيا بدلالة على عمق التعاون بين البلدين وتطوره بقوة بعد اندلاع الحرب بين موسكو وكييف عام 2022، وهو ما يبدو واضحًا من حجم الملفات المطروحة على الطاولة للتنسيق بينهما، وأبرزها الملف الدفاعي والتعاون الاقتصادي الثنائي والنظر في المصالح المشتركة في قضايا إقليمية أخرى. ومع ذلك، فإن أبرز ما يمكن الإشارة إليه في تلك الزيارة هي رغبة الطرفين في تعزيز التبادل العسكري، وسعي إيران إلى لحصول على أنظمة دفاعية وتقنية متقدمة من روسيا، على النحو الذي تمت الإشارة إليه، وهو ما قد تراه الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الأوروبية تحديًا متناميًا أمامهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى