إيران

أسباب رفض “الترويكا” الأوروبية عقوبات واشنطن على إيران وسيناريو الرد الأمريكي

أعلنت دولُ الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، وألمانيا) في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي الشهر الجاري رفضَها محاولات الولايات المتحدة فرضَ عقوبات دولية على إيران؛ قائلين إن أي إجراءات من قِبل واشنطن في هذا الصدد ليس لها أثرٌ قانوني بعد خروجها من الاتفاق النووي في مايو 2018. جاء هذا الإعلانُ في وقت تريد فيه واشنطن تفعيل آلية “سناب باك”، أو ما يُعرف بآلية الزناد، لإعادة العقوبات على طهران؛ لاستمرار انتهاكها بنود الاتفاق النووي.

أثار هذا الرفضُ الأوروبي وهذا الإصرارُ الأمريكي التساؤل بشأن أسباب تمسك الطرفين بوجهة نظرهما وقراراتهما، وكذلك السيناريو الأمريكي المتوقع في حال استمر الموقف على ما هو عليه. 

بيان الترويكا الأوروبية وخروج واشنطن من الاتفاق النووي

ركّز بيانُ وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث بشأن رفضهم إعادة واشنطن فرض العقوبات على إيران على قضيةٍ قانونيةٍ تتعلق بخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 8 مايو عام 2018. حيث قال البيان إن الولايات المتحدة لم تعد طرفًا في الاتفاق النووي منذ ذلك الحين، وعليه فإن أي إجراءات وقرارات صادرة من قِبلها لن يكون لها أثر ومصداقية قانونية.

وبما أنها لا تزال أعضاءً في الاتفاق النووي (برجام)، فإن لندن، باريس، وبرلين أعلنت استمرار التزامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2231، الذي ينص على إنهاء العمل بأحكام قرارات مجلس الأمن السابقة فيما يخص المسألة النووية الإيرانية ويضع قيودًا محددة تسري على جميع الدول دون استثناء. ولكن وبأي حال فإن هذا القرار الأخير يتميز بالوضوح والصراحة وحاولت الدول الأوروبية فيه الحديث بطريقة سياسية مباشرة بشأن إيران.

لماذا ترفض الترويكا الأوروبية إعادة العقوبات على إيران؟

إن رفض دول الترويكا الأوروبية لإعادة فرض العقوبات على إيران يعود لعدة أسباب اقتصادية وسياسية يمكن إجمالها على النحو التالي:

  • العوامل الاقتصادية وحجم التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي

  تشكل العوامل الاقتصادية التي تدفع الدول الأوروبية لمعارضة العقوبات الأمريكية والدولية على إيران السبب الأبرز في هذا الصدد. فالاتحاد الأوروبي كان أكبر شريك تجاري لإيران قبل عام 2012 وكان يحتل المرتبة الرابعة من بين شركاء إيران التجاريين في ذلك العام بعد الصين والإمارات العربية المتحدة وتركيا. وكان النفط بشكل عام يستحوذ على نسبة 90% من واردات أوروبا من إيران. وأدى فرض العقوبات على إيران عام 2012 إلى تراجع كبير في معدل التجارة بين الطرفين حتى وصل إلى 7.8 مليار يورو صادرات أوروبية لإيران و5 مليار يورو واردات منها، ما يعني أنها تأثرت كثيرًا بالعقوبات.(1)

وبعد التوصل للاتفاق النووي عام 2015، عاد معدل التجارة البينية للارتفاع مرة أخرى. ففي عام 2017، بلغ إجمالي قيمة الصادرات الأوروبية إلى إيران من البضائع والخدمات حوالي 10.8 مليار يورو والواردات 10.1 مليار. وتتركز الواردات الأوروبية من إيران في مجال الطاقة ومشتقاتها بنسبة تتخطى 75% من إجمالي الواردات، بينما تتمثل الصادرات الأوروبية إلى إيران في معدات النقل، الآلات، والمنتجات الكيميائية.(2)

يعني ذلك أن إجمالي قيمة التجارة بين الطرفين بلغ عام 2012 12.8 مليار يورو وفي عام 2017 حوالي 20.9 مليار، أي أنه ارتفع في فترة ما بعد رفع العقوبات وقبل إعادتها مرة أخرى في مايو 2018 بما لا يقل عن 61%. وبعد فرض العقوبات الأمريكية مباشرة، تقلصت نسبة الصادرات والواردات بشكل كلي بين الطرفين إلى الربع خلال النصف الأول من العام الماضي 2019. 

إن أهم ما ينبغي الإشارة إليه من خلال عرض هذه الإحصائيات هو أن هناك حاجة أوروبية للسوق الإيرانية من حيث الصادرات والواردات. فمن حيث الصادرات يمثل السوق الإيراني منفذًا مهمًا للشركات الأوروبية سواء الألمانية، الفرنسية أو البريطانية وغيرهم الذين يصدرون إليها المعدات الثقيلة والآلات. 

ومن حيث الواردات، يمثل النفط ومشتقاته أبرز الواردات وأهمها من إيران، والذي تقوم عليه الصناعة والحياة الأوروبية. وفي ظل اضطراب عدد من دول الشرق الأوسط أمنيًا بعد اندلاع أعمال فوضى واضطرابات بها مطلع العقد الجاري وفقدان الكتلة الأوروبية الاقتصادية لهذه الأسواق، باتت حاجة الاتحاد الأوروبي إلى السوق الإيراني أكثر إلحاحًا؛ لأن إيران إحدى دول الشرق الأوسط الآمنة.

ومن جانب آخر، يمكن تفسير السعي الأوروبي إلى عدم إعادة فرض العقوبات على إيران مرة أخرى، بأنه رغبة في عدم خسارة المزيد من الاستثمارات الأوروبية في إيران وانسحاب الشركات من سوقها الذي عَقدت داخله صفقات بمليارات الدولارات مع حكومة طهران، خاصة خلال فترة ما بعد يوليو 2015، حينما تسابقت الشركات الأوروبية لإجراء عقود تجارية واستثمارات واسعة هناك، كان من بينها:

  • شركة توتال النفطية الفرنسية: كانت من أولى الشركات التي وقعت اتفاقاً تجارياً في 2016 بقيمة تبلغ حوالي 4.3 مليار يورو لتطوير حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران. أعلنت الشركة تعليق عملها في إيران عقب عودة العقوبات في 2018.
  • شركة “بريتش بتروليوم” البريطانية: عطلت صفقتها داخل إيران عقب عودة العقوبات، حيث كانت تعمل في حقل غاز مشترك مع الحكومة.
  • شركة رينو الفرنسية لإنتاج السيارات: وقعت في أكتوبر 2017 اتفاقًا بقيمة 660 مليون يورو مع حكومة إيران لزيادة إنتاجها من السيارات في إيران من 200 ألف إلى 350 ألف وحدة.
  • شركة “سيمنز” الألمانية: عقدت طهران معها صفقة لبناء أول مصنع مشترك في مجال إنتاج المعدات الكهربائية، إلى جانب اتفاقيات تقضي بتحديث شبكة السكك الحديدية الإيرانية.(3)

إن الدول الأوروبية تخشى من تقييد حركة الشركات الاقتصادية والتجارية وتعاملاتها مع إيران، وكذلك ترغب في تصدير إيران لها أكبر كمية ممكنة من النفط، خاصة وأنه يمكن لهذه الشركات أن تستثمر في العديد من المجالات في الداخل الإيراني بدءًا من النفط والغاز وحتى أعمال الإنشاءات المحلية كون إيران قد تضررت كثيرًا خلال العقود الماضية من سياسات محلية لا تهتم كثيرًا بالداخل، عقوبات اقتصادية، وحروب واضطرابات. 

  • العوامل السياسية والعلاقات الأوروبية الأمريكية 

تتنوع وتتعدد الدوافع السياسية وراء رغبة الاتحاد الأوروبي في عدم إعادة العقوبات الأمريكية بشكل خاص واستمرار الاتفاق النووي بشكل عام، ويمكن اختصار أبرزها فيما يلي:

  • الاتحاد الأوروبي والأمن في الشرق الأوسط

يميل الاتحاد الأوروبي إلى تقليل حدة التوترات ومنع وقوع مزيد من الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط من المحتمل أن تؤثر على أوضاعه الاقتصادية وتقلل بالتالي فرص التجارة أو الاستثمار الأوروبي داخله. وترى الدول الأوروبية أن الاتفاق النووي أحد الأدوات التي يمكن أن تحقق لها ذلك وأنه سوف يحفظ لها السوق الإيراني الذي تسعى شركاتها إلى الاستثمار داخله والهجرة إليه بكثافة؛ لأنها ترى فيه سوقاً ناشئاً في جميع الحالات.

أضف إلى ذلك أن الدولَ الأوروبية، خاصة ألمانيا، ينتابها قلقٌ غير محدود من تفاقم مشكلة اللاجئين القادمين إليها من بعض دول الشرق الأوسط، وهو ما يدفعها إلى تبني سياسة تميل إلى الدبلوماسية طويلة الأمد. فإذا كانت الدول الأوربية تعلن صراحة رفضها القاطع لامتلاك إيران أسلحة نووية، إلا أنها تميل في الوقت نفسه إلى الاستفادة من الاتفاق النووي في فتح أسواق جديدة وإلى الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط بشكل عام.

  • الاتحاد الأوروبي ولعب دور أكثر نشاطاً في الشرق الأوسط 

إلى جانب هذا، يميل الاتحاد الأوروبي إلى لعب دورٍ سياسي منفصل في الشرق الأوسط عن الولايات المتحدة، ويتطلع إلى أن تكون إيران أحد أبرز هذه الأدوار. ولا يقتصر هذا الدور على الشرق الأوسط فقط، بل يمتد إلى مناطقَ أخرى في العالم. ويمكن ملاحظة هذا الدور الأوروبي الأكثر نشاطًا على الساحة الشرق أوسطية مؤخرًا من خلال زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان في أعقاب الانفجار الكبير في 4 أغسطس الماضي. وبشكل عام، فعلى الرغم من العلاقات القوية بين ضفتي الأطلنطي، إلا أن ضفته الشرقية تبدي ميلًا إلى لعب دور منفصل ولو نسبيًا عن الدور الأمريكي. 

  • ميل كتلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى التقارب مع إيران

 يبدو أن القائمين على السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة لا يميلون لاتباع إجراءات أكثر صرامة تجاه إيران، أو بشكل أكثر دقة يميلون للتقارب مع إيران. فالمفوض السامي الحالي للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمنية، جوزيب بوريل، ينتسب لحزب العمال الاشتراكي الإسباني اليساري، وكانت قبله فيديريكا موجيريني عضوة في الحزب الديمقراطي الإيطالي ومن حزب الاشتراكيين الأوروبيين. وبشكل عام، يميل اليمينيون إلى التعامل بشكل أكثر صرامة مع إيران على غير اليساريين. ويُعد هذا العامل إلى جانب الدافعين السابقين سببًا آخر ساهم في تشكيل طبيعة السياسة الخارجية الأوروبية تجاه إيران خلال العقود القليلة الماضية. 

كيف ستتعامل واشنطن مع هذه التطورات؟

ترمي السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران إلى منع توسع نفوذها ونشرها للاضطرابات والتوترات في الشرق الأوسط، أي كبح جماح أحلامها وضبط سلوكها. وتستخدم الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية، خاصة في مجال النفط كعامل رئيسي، بل وأهم الوسائل في سبيل تحقيق ذلك؛ حيث إن فتح المجال لإيران للحصول على الأموال الباهظة من بيع النفط والغاز وغيرهما سيدفع طهران للتغول في المنطقة بشكل أكبر وهو ما سيجلب معه صدامًا شرق أوسطي من جانب وأمريكيًا من جانب آخر مع إيران، وسيدفع بالمنطقة إلى المزيد من التوتر.

ومن جانب آخرَ، فإن واشنطن وبروكسل ودول الشرق الأوسط لا يمكن في الوقت نفسه أن يسمحوا لإيران بامتلاك أسلحة نووية وبأي ثمن وبأي طريقة؛ ذلك لأن حصول طهران على مثل هذه الأسلحة سيغير من طبيعة النظام الدولي القائم وسيتبعه تسارعُ كثير من دول الشرق الأوسط للحصول على سلاح نووي؛ لأن الخطر الإيراني في هذه الحالة سيكون أكبر بكثير مما يمكن تصوره. وعليه، يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة لا يمكن ألا تفرض عقوبات جديدة على إيران، سواء كانت عقوباتٍ أممية أو أمريكية، فهي ستستمر في فرض هذه العقوبات سواء باتفاق أو اختلاف الجانب الأوروبي.

المصادر والمراجع: 

  1.    “الاتحاد الأوروبي وإيران“، موقع وزارة الخارجية الفرنسية.       

https://cutt.us/SZipg

  1.    “الاتحاد الأوروبي ينشئ كيانا قانونيا لمواصلة التجارة مع إيران وتفادي العقوبات الأمريكية“، بي بي سي، 25 سبتمبر 2018.  

https://cutt.us/8RiiB

  1.       علي عاطف، “مستقبل الاتفاق النووي في ضوء خروج الشركات الأوروبية من السوق الإيراني“، المركز العربي للبحوث والدراسات، 13 يونيو 2018.

https://cutt.us/goaoY

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى