إيران

كيف تؤثر المفاوضات النووية على معادلة الانتخابات الرئاسية في إيران؟

تمثل المفاوضات النووية الإيرانية المرتقبة مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى، فيما يتعلق بإعادة صياغة الاتفاق النووي المبرم عام 2015، واحدة من أبرز وأهم القضايا التي تشغل بال المصوتين والمرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو المقبل بإيران. هذا إلى جانب عنصر رئيس تهمه للغاية هذه العملية السياسية، ألا وهي الدولة العميقة في ذلك البلد.

وعلى الرغم من أن محورية المفاوضات النووية في الانتخابات الرئاسية داخل إيران كانت مطروحة كذلك في انتخابات عام 2013، أي أنها ليست بالجديدة، إلا أن ديناميكية جولة الانتخابات وجولة المفاوضات وتوقيتهما الزمني فضلاً عن ارتباطهما وتأثيرهما على بعضهما البعض هذه المرة يجعل انتخابات 2021 تختلف كثيراً عن أي دورة سابقة لها.

لماذا تختلف انتخابات 2021 الرئاسية عن سابقاتها في إيران؟  

لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل ما يحدث في إيران هذه الأيام من استعداد الحرس الثوري ورجال الدين الأصوليين لفترة ما بعد المرشد الحالي علي خامنئي، الذي يقترب عمره من 82 عاماً. ومن هنا تكتسب هذه الانتخابات أهميتَها. فجميع الأطراف، ومن بينهم التيار الإصلاحي، يحاولون “تحصيل” أكبر قدر من الامتيازات والسيطرة على أكثر مصادر السلطة حيوية في البلاد قبل التغيير الذي يوصف بأنه حتمي في مرحلة ما بعد علي خامنئي. 

عن السيّد خامنئي والرياضة | الميادين

ومع أن منصب الرئاسة في إيران لا يتمتع بسلطات حقيقية تنفيذية، وعلى وجه الخصوص في مجالات السياسة الخارجية وتحركات طهران العسكرية في الخارج، إلا أن رئيس الجمهورية الإيرانية يملك صلاحياتٍ أوسع داخلياً، وأقل منها خارجياً، تمكنه على الأقل من أن يكون منافساً في السلطة، أو للسلطة، ومصدراً لعدم الاستقرار السياسي إن أراد ذلك، خاصة إذا كان يتمتع بدعم داخلي من تيار بعينه أو من بعض أطياف المواطنين.

وفي ظل رغبة الحرس الثوري ورجال الدين الإيرانيين في السيطرة على كامل مقاليد السلطة في فترة ما بعد خامنئي، فإن الساحة السياسية الداخلية الإيرانية باتت تشهد حالياً حراكاً غير عادي على مختلف المستويات تُعد انتخابات عام 2021 أحد أبرز مسارحه.

تأثير المفاوضات النووية المرتقبة على تفاعلات انتخابات الرئاسة الإيرانية 

 يحاول الحرس الثوري ومعه رجال الدين إبعاد التيار الإصلاحي في إيران عن تحقيق أي مكسب حقيقي يدعمه في انتخابات الرئاسة المقبلة ويشكل منطلقاً قوياً لفوزه بها؛ وذلك استعداداً من الطرف الأول للإمساك بكامل زمام السلطة في فترة ما بعد خامنئي. 

لذا، كان الحرس والمتشددون أول من أعلنوا عن مرشح لهم في هذه الانتخابات، وهو قائد القوة الجوية الأسبق في الحرس الثوري “حسين دهقان”، على الرغم من ادعاء الحرس عدم علاقته به، ثم لاحقاً “سعيد محمد” الذي تولي مسبقاً قيادة مؤسسة “خاتم الانبياء” وثيقة الصلة بالحرس الثوري. 

مستشار "خامنئي" يعلق على احتمال هجوم أميركا: الاشتباك مع إيران سيتحول إلى  حرب واسعة النطاق | ایران اینترنشنال

ويحاول المتشددون، الذين يملكون السلطة الحقيقية في إيران، بشتى الطرق عدم إعطاء فرصة لحكومة الرئيس الحالي، حسن روحاني، كي تتوصل لإعادة صياغة الاتفاق النووي مرة أخرى مع الولايات المتحدة، فيما تُعرف بمفاوضات العودة، أي عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 وعودة إيران إلى الالتزام به. 

ويكمن هدف المتشددين من وراء ذلك في أن إعادة التفاوض على الاتفاق النووي وعودة الولايات المتحدة إليه قبل الانتهاء من جولة الانتخابات الرئاسية التي ستجري في يونيو المقبل، حتى ولو بدأت المفاوضات فقط وظهرت هنالك مؤشرات على العودة بحيث إن عودة أمريكية للاتفاق قبل يونيو المقبل تبدو زمنياً مستحيلة على أرض الواقع، سوف تعطي نفوذاً وفرصة أكبر بدون أي شك للإصلاحيين في انتخابات الرئاسة الوشيكة. 

 ولذا، فإنه إلى جانب تصدر مرشحين موالين أو مؤيَّدين من الحرس الثوري ورجال الدين للمشهد الانتخابي في إيران، يعمل الطرفان سالفي الذكر على تعطيل أي فرصة لعقد المفاوضات أو نجاحها في الوقت الحالي. 

وعلى سبيل المثال، فقد اتخذ الأصوليون في مواقعهم داخل هيئات حاكمة في إيران خلال الأشهر الماضية خطواتٍ من شأنها التصعيد مع الولايات المتحدة ووضع عراقيل آيضاً أمام بدء مفاوضات العودة المرتقبة. وفي هذا السياق، صوّت البرلمان الإيراني الذي يسيطر عليه الأصوليون، كمثال، بالأغلبية الساحقة في أواخر نوفمبر 2020 على مشروع قانون “الإجراءات الإستراتيجية لإلغاء العقوبات” الذي نص على اتخاذ طهران خطوات تصعيدية نووية من بينها إعادة التصميم القديم لمفاعل “آراك” للماء الثقيل الواقع في المدينة التي تحمل الاسم نفسه غرب وسط إيران. 

واتبع ذلك رفعُ إيران لنسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20% في يناير الماضي، ثم إلى 60% في أبريل الجاري. وهذه الخطوات تنال باستمرار رضا المتشددين ومعارضة صامتة من قِبل حكومة روحاني التي أعلنت هي نفسها بعضاً من تلك القرارات؛ تماشياً مع الجو العام الداخلي الذي شُحن قبل اتخاذ بعض هذه الخطوات، مثل قانون “الإجراءات الإستراتيجية” الذي أعقب مقتل العالم النووي “محسن فخري زاده” في 27 نوفمبر الماضي. 

وبشكل عام، يرغب الأصوليون، بمن فيهم الحرس الثوري، في إحداث تصعيد في العلاقات مع الولايات المتحدة بالتزامن مع الترتيب لانتخابات الرئاسة في إيران؛ للسبب المُشار إليه آنفاً على الرغم من عدم معارضتهم بالأساس للتوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة. فالمتشددون في إيران وإن كانوا يُظهِرون معارضتهم للتفاوض مع واشنطن بشكل عام، ويكررون هذا المنحى في الوقت الحالي، إلا أنهم لا يرفضون كلياً الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى في الوقت الحالي؛ وهي رغبة تعود بالأساس لعوامل اقتصادية. 

فالعقوبات الأمريكية، وغير الأمريكية، على إيران منذ عشرات السنين، وخاصة في الوقت الحالي وما قام به الرئيس السابق دونالد ترامب من فرض لحزم كبيرة على طهران خلال سنوات حكمه، قد دفعت متشددي طهران، وأجبرتهم بمعنى أدق، على قبول التفاوض، وهو ما برز جلياً في سنوات 2013-2015 التي تزامنت مع التوصل للاتفاق النووي الأصلي. كما أن مسيرة التفاوض التي انتجت اتفاق 2015، فضلاً عن المفاوضات الجارية في الوقت الحالي في العاصمة النمساوية فيينا لم ولا تتم بالتأكيد إلا بقبول من رأس النظام خامنئي سواء كان مجبراً على هذا التفاوض (لأسباب اقتصادية بالأساس) أو عن اقتناع لأسباب سياسية أخرى. 

وعلى أية حال، لا يرفض المتشددون التفاوض ولكنهم لا يريدون له أن يتم في الأشهر الأخيرة لحكومة روحاني الإصلاحية في السلطة؛ حتى لا تزيد من فرص موالين للتيار الإصلاحي أو لروحاني في الفوز بانتخابات الرئاسة المقبلة التي أقل ما توصف به أنها ستكون “مرآة” لمستقبل طهران السياسي وصراع السلطة في مرحلة ما بعد خامنئي. 

ولذا، سوف يواصل المتشددون في إيران حملتهم التصعيدية ضد الولايات المتحدة في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية، وذلك من حيث الدفع بالتخلي عن المزيد من الالتزامات النووية الإيرانية الواردة في اتفاق 2015. ولا ينبغي هنا تجاهل سيطرة هؤلاء المتشددين على واحدة من أهم وأكثر الهيئات تأثيراً على العملية الانتخابية في إيران، ألا وهي مجلس صيانة الدستور المنوط به بالأساس قبول أو رفض صلاحية المرشحين للرئاسة. 

فهذه الهيئة تتكون من 12 عضواً، 6 منهم يعينهم المرشد خامنئي والستة الآخرون يعينهم رئيس القضاء الإيراني، إبراهيم رئيسي، الموالي بالأساس لخامنئي، ما يعني إمكان استبعادهم أي مرشح لا يلقى قبولهم. 

ماذا تفعل حكومة روحاني؟ 

روحاني: إيران مستعدة لتحسين العلاقات مع كل دول المنطقة – قناة الغد

أما حكومة روحاني من جانبها، فكان، ولا يزال، أملها وشغلها الشاغل منذ الإعلان عن فوز الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن في نوفمبر الماضي الجلوسَ في أسرع وقت ممكن على طاولة المفاوضات مع الغرب والتوصل إلى نتيجة ملموسة في هذا الصدد؛ لزيادة رصيدها السياسي لدى المصوتين في انتخابات رئاسة 2021. 

ويمثّل هذا الجلوس بارقة أمل لحكومة روحاني والإصلاحيين عموماً في إيران بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي في مايو 2018؛ لأن هذا التيار الإيراني يعلم أن “انتخابات رئاسةٍ يشارك بها من دون تحقيق تقدم في مسألة عودة واشنطن للاتفاق وإعادة إحياءه تعني فشلاً ذريعاً له”، وهو بالفعل ما حذّر منه بالفعل خبراء محليون في إيران خلال الفترة الماضية في وسائل الإعلام.

وعليه، فإن حكومة روحاني سوف تسعى حثيثة خلال الأيام المقبلة للمضي قدماً وتحقيق أي انجاز فيما يخص المفاوضات النووية وخاصة رفع العقوبات الاقتصادية، لأن الأخيرة لو حدثت فستعني ضمنياً نجاح رئيس إصلاحي في إيران، وتعزيز نفوذ هذا التيار في مواجهة الحرس الثوري والمتشددين بوجه عام، ما يعني التأثير على مستقبل الصراع شبه الحتمي بين أطراف الدولة العميقة في إيران بعد رحيل خامنئي. 

وينبغي في النهاية الإشارة إلى أن ما سبق قوله بُني على فرضية عدم حدوث تزوير في الانتخابات لصالح طرف ما. ومع ذلك، يُعتقد أن المرحلة الحساسة التي تمر بها إيران في الوقت الراهن لن تشجع الفاعلين وذوي السلطة بها على القيام بمثل هذا الأمر؛ حيث إن احتجاجات عام 2009 لا تزال عالقة في الذهن السياسي الإيراني، ويخشى النظام الإيراني من تكرار هذه التظاهرات في الوقت الحالي؛ الذي يتسم بحالة من الاستياء الداخلي، كما أن مجلس صيانة الدستور يمكنه ببساطة رفض ترشح أي شخص قبل دخوله في المعترك الانتخابي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى