إيران

تعزيز لدور المتشددين في طهران: هل يؤثر الملف الصوتي المسرب لظريف على مستقبل المفاوضات النووية وانتخابات الرئاسة؟

على الرغم من أن الفكرة العامة التي تحدث عنها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في حواره المسرب الذي أذاعته في البداية قناة “إيران انترناشيونال” التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً لها ثم انتقل إلى باقي وسائل الإعلام داخل إيران، ليست بالجديدة أو بتلك التي يجهلها كثيرون، إلا أن التحدث حولها بشكل “صريح” وتداولها بين وسائل الإعلام قد كان له صدى آخر وسيكون له آيضاً تداعيات مستقبلية على تفاعلات السياسة الإيرانية الداخلية إلى جانب تأثيرها على السياسة الخارجية لطهران.  

 فقد أكد وزير الخارجية الإيراني، في مقابلته التي أجراها مع الأكاديمي والمحلل السياسي الإيراني “سعيد ليلاز” لمركز الأبحاث الإستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية الإيرانية، على سيطرة فيلق القدس وقائده السابق “قاسم سليماني” على أمور السياسة الإيرانية الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والملف النووي، حتى أن ظريف صرّح بأن سليماني كان يأمره فيما يخص شؤون وزارة الخارجية. 

ووصل بظريف خلال الحوار، الذي بلغت مدته أكثر من 3 ساعات وتم بعد أسابيع قليلة من مقتل سليماني بالقرب من مطار بغداد الدولي في يناير 2020،  إلى أن وصف دوره ودور وزارته في مجال السياسة الخارجية بأنه “صفر” ومعدوم، أي أن سليماني كان المتحكم في هذا الشأن. 

ولكن تصريحات ظريف المُسرَّبة، والتي أكدت الخارجية الإيرانية صحتها، ما لبثت أن قوبلت بموجة انتقادات حادة من جانب المتشددين في إيران ووسائل الإعلام التابعة لهم، ومخاوف خارجية أيضاً خاصة القوى الكبرى المتفاوضة في العاصمة النمساوية فيينا على إعادة صياغة الملف النووي.

ويأتي هذا بالتزامن مع وجود صراع حاد بين المتشددين والتيار الإصلاحي، الذي تنتمي إليه حكومة الرئيس الحالي حسن روحاني، على الفوز بالانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 18 يونيو المقبل.

أهم تصريحات ظريف المسربة

تحدث وزير الخارجية الإيراني ظريف في الحوار بشكل “صريح ومن دون قيود” على ما يبدو لاعتقاده أن هذه الأحاديث لن تُنشر أو أنه سيتم حذف الكثير منها، حيث كانت طريقة ظريف في الحديث وكثرة مزاحه وتحدثه بشكل غير دبلوماسي في الحوار تؤكد أنه من الصعب نشره للعامة على هذا النحو.

ولكن على أية حال، مثلت هذه التصريحات محور اهتمام وسائل الإعلام الإيرانية والدولية المعنية إلى جانب أنها شكلت نقطة الشرارة التي أثارت انتقادات المحافظين داخل إيران. 

تطرق ظريف في التسريب بشكل عام إلى الدور الذي يلعبه فيلق القدس في السياسة الخارجية الإيرانية، وكيف أن هذا الدور لم يترك لوزير الخارجية المعني بهذا الأمر، ظريف، أي شيء. وفي هذا الصدد، قال ظريف إنه في كل مرة كان يذهب للتفاوض كان سليماني يطلب منه اتخاذ موقف معين أو التحدث حول نقاط بعينها “لكنني لم أطلب منه شيئاً، مثلاً قلتُ له ذات مرة لا تستخدم خطوط طيران إيران-اير لرحلات طهران-سوريا إلا أنه لم يستمع”.

 ويضيف وزير الخارجية الإيراني “إنهم يقولون لنا إن هدف العمل الميداني هو مبتغانا حتى لو كانت خطوط طيران (هُما) آمنة وأكثر من (ماهان) ولو بنسبة 2%، يجب أن نستفيد من (هُما)، ولو أدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالدبلوماسية بنسبة 200%”. 

ورداً على سؤال من مقدم الحلقة “سعيد ليلاز” يتعلق بمساحة دور ظريف في القضايا الخارجية لإيران، قال الأخير “لم أقل لا دور لي”، ليعود ليلاز قائلاً “كنت مكبل الأيدي”، فرد وزير الخارجية الإيراني قائلاً “سألوني كم بيدك في مجال السياسة الخارجية من الصفر إلى المئة؟ فقلت صفر، وهذا صحيح لأن السياسة الخارجية تتكون من خلال عملية والشخص يشكل جزءً من صنع القرار واتخاذه”. 

تفاصيل جديدة عن تبادل السجناء بين إيران وأمريكا.. ورفض إعادة محاكمة  بريطانية | المعهد الدولي للدراسات الإيرانية

وشدد ظريف على أن دوره كممثل لطهران على المسرح العالمي “مقيد بشدة” وأن “القرارات تُملى من قِبل المرشد الأعلى أو من الحرس الثوري في كثير من الأحيان”. وفي الوقت نفسه، أكد ظريف في الحوار أنه لا يرمي إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن أهم ما تحتاج إليه إيران في الوقت الحالي هو الإجماع الداخلي. 

هل ستؤثر تسريبات ظريف على المحادثات النووية مع الغرب؟ 

مثَّل التسريب الصوتي لظريف هدية كبرى لجميع الأطراف المعارضة للتوصل إلى اتفاق نووي جديد سواء في داخل إيران أو إسرائيل أو حتى بعض الجمهوريين أو الديمقراطيين في الولايات المتحدة.

فكشفُ وزير الخارجية الإيراني أن دوره ودور وزارة خارجيته في صنع السياسة الخارجية لطهران كان “صفراً” ومعدوماً وأن الدور الأكبر والحقيقي كان إجمالاً للحرس الثوري، سيضع السياسة الخارجية الإيرانية وعلاقات طهران دوليا بشكل عام في مأزق كبير، وسيجعل مستقبل المفاوضات النووية الجارية في فيينا غامضا أكثر مما كان عليه من ذي قبل.

إذ كيف يمكن أولاً للمسؤولين الرسميين في البلدان المشاركة في هذه المحادثات التعامل مع فريق ظريف التفاوضي بعد اعترافه بأن دوره في السياسة الخارجية “صفر” وأن الحرس هو الذي يقرر مثل هذه السياسات؟!. وإن كانت هذه بعض التحديات التي سيواجهها الفريق التفاوضي الإيراني، فإنه يواجه تحدياتٍ أخرى في الداخل، حيث إنه لا يزال يلقى ضغوطاً من المتشددين داخل إيران نفسها وصلت إلى بث التلفزيون الرسمي الإيراني مؤخراً وثائقياً شكك بقدرات فريق ظريف التفاوضي في فيينا.

 وثانياً، ستعزز تصريحات ظريف المسربة من جهود بعض الأطراف الدولية منع إعادة التوصل لاتفاق نووي جديد أو صياغة القديم المبرم عام 2015. فالمتشددون داخل هرم السلطة في إيران يرفضون هذه المفاوضات الجارية في فيينا، وعلى وجه الخصوص إجراؤها قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو المقبل؛ ذلك لأنها ستشكل داعماً قوياً للتيار الإصلاحي، الذي ينتمي إليه حسن روحاني، في الفوز بانتخابات الرئاسة. 

وكان الإصلاحيون يعولون كثيراً على هذه المفاوضات في أن تقود إلى فوز أحد مرشحيهم.  

وعلى الرغم من إعلانه أكثر من مرة عدم رغبته في الترشح للرئاسة، إلا أن الكثير من الإصلاحيين داخل إيران كانوا قبل نشر التسريب يرجحون ترشح ظريف حتى ولو في اللحظات الأخيرة.

وكان ظريف سيعتمد في ترشحه بالأساس على استئناف عملية المفاوضات النووية ولا سيما إذا نجحت خلال الأسابيع المقبلة وحققت أي تقدم ملموس كان سينعكس إيجاباً على أي مرشح إصلاحي سواء كان ظريف أو غيره.

ولكن وَضَعَ هذا التسريبُ مسارَ المفاوضات النووية في معضلة كبيرة، إذ أنه كشف من ناحية أخرى عن حجم الصراع داخل النظام السياسي في إيران بين الأصوليين الرافضين للاتفاق النووي والإصلاحيين المؤيدين له، أي في إحدى جوانب الخلاف بين الطرفين.

وأبرز التسريب مخاوف جدية أخرى من عدم التوصل إلى نتيجة نهائية في مسار عملية التفاوض نفسها وذلك إذا ما أتت الانتخابات الرئاسية الإيرانية برئيس متشدد، حيث ستكون جميع جهود التوصل لإعادة صياغة الاتفاق النووي قد ذهبت بلا جدوى. 

أما المعارضون للاتفاق النووي داخل الولايات المتحدة من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين، فمن المرجح أن يبدأوا خلال الفترة المقبلة حملة تدعم عدم التوصل إلى اتفاق نووي جديد، بل إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يُعد من أبرز هؤلاء المعارضين ولا يزال يقوم بأنشطة في مسار عدم العودة. 

وقد بدأت الإدارة الأمريكية الحالية هي الأخرى التعبير عن مخاوف تتعلق بعملية التفاوض. فقد قال مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، الجمعة 30 أبريل إن وضع المفاوضات الجارية في العاصمة النمساوية فيينا والمتعلقة بالاتفاق النووي مع إيران “لا يزال غير واضح”. وأضاف سوليفان “لن أصف جوهر المفاوضات في هذه المرحلة لأنها في… مكان غير واضح”.

https://gdb.rferl.org/2dd465b6-ab53-4750-b8f4-f7681437b3ae_w650_r1_s.jpg

وعبر سوليفان عن قلقه قائلاً “لقد توقعنا استعداد جميع الأطراف، بما في ذلك الإيرانيين، للتحدث بجدية حول تخفيف العقوبات، ومسار العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، لكن لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيتوج بصفقة في فيينا”. وتتعزز هذه المخاوف عند الإشارة إلى أن الموعد النهائي الذي وافقت عليه إيران للتوصل إلى اتفاق نووي هو 22 مايو المقبل، أي بعد ما يقرب من 3 أسابيع فقط.  

وعبّر رئيس مكتب رئيس الجمهورية الإيراني، محمود واعظي آيضاً عن قلقه بشأن هذه المفاوضات حينما قال إنها تواجه “صعوبات واختلافات في الرأي”.  

وفضلاً عن كل هذا، باتت هناك شكوك حول إمكان استمرار رئيس المفاوضين النوويين الإيرانيين، وهو وزير الخارجية الحالي جواد ظريف، في منصبه بالأساس، أو عدم تعرضه لمحاكمة، حيث دعا نواب برلمانيون أصوليون في طهران إلى الضغط على الحكومة لمحاكمته.

وعلى أي حال، سيعيق هذا التسريب مسار المفاوضات النووية أو سيعمل على الأقل على تأجيلها لحين آخر. 

التسريب الصوتي والانتخابات الرئاسية الإيرانية 

انتخابات إيران: إعادة إنتاج الديكتاتورية | Daraj

يختلف تأثير التسريب الصوتي لظريف على انتخابات الرئاسة المقبلة عند مقارنته بالمفاوضات النووية الجارية. فتداعياته على المفاوضات النووية تُعد واضحة بشكل أكبر، أما على انتخابات الرئاسة فستكون أقل تأثيراً، وذلك للعوامل التالية: 

  • تمتع الإصلاحيين بشعبية أكبر داخل إيران: 

عند مقارنة التيارين الرئيسيين في طهران، سنجد أن الأصوليين لا يتمتعون بنفس شعبية الإصلاحيين في الشارع الإيراني. فالإصلاحيون منذ 2015 باتوا في أذهان عموم الإيرانيين مرتبطين بعملية المفاوضات النووية ورفع العقوبات، وهو ما يرغب في تحققِه المواطنون الإيرانيون. ولذا، فإن التسريب الصوتي وإن كان قد أثر على علاقة المنتمين للتيار الإصلاحي بالمتشددين، إلا أنه لن يؤثر على تأييد بعض فئات الشعب لهم. 

  • إمكان استبعاد ترشح ظريف لن يؤثر على فوز الإصلاحيين: 

 من المرجح أن يرفض مجلس صيانة الدستور الإيراني، المخول بتأييد صلاحية المرشحين للانتخابات، ترشح وزير الخارجية الحالي ظريف حال تقدمه للانتخابات الرئاسية، ولكن ذلك لا يعني فشل التيار الإصلاحي بالفوز في الرئاسة؛ لإمكانهم ترشيح أفراد آخرين. 

  • معارضة كثير من الإيرانيين لتحركات طهران العسكرية الخارجية: 

يرفض الكثير من الإيرانيين أنشطة طهران العسكرية في الإقليم والخارج ويفضلون إنفاق هذه الأموال في تنمية الداخل، وهم يعبرون عن هذا الأمر باستمرار في احتجاجاتهم ضد الأوضاع الاقتصادية. 

ولذلك، فإن انتقاد ظريف في التسريب المسجل ورفضه لدور الحرس الثوري في الخارج وسيطرته على شؤون طهران السياسية، خاصة في إقليم الشرق الأوسط، يلقى قبولاً بين بعض أطياف الشعب الإيراني، ما يعني في النهاية تأييداً أكبر للإصلاحيين من جانبهم من الممكن أن يصب في النهاية في صالح التيار الإصلاحي.

وأخيراً، سيعمل التسجيل الصوتي المسرب لظريف على تعزيز دور المتشددين داخل مواقع السلطة التي يسيطرون عليها بالفعل في إيران، حيث سيعلمون داخل هذه المؤسسات، أو داخل تلك الأخرى التي لهم نفوذ بها، على محاولة إقصاء مرشحين بعينهم تابعين للإصلاحيين وشن حملة إعلامية كبيرة ضد التيار الإصلاحي عموماً لمنع فوز مرشحهم بانتخابات الرئاسة المقبلة. إلا أنه وعلى الجانب الآخر، لا يُرجَّح أن يتسبب هذا التسريب في تحول الناخبين من المواطنين الإيرانيين عن التصويت لمرشحي الإصلاحيين. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى