إيران

عام حسم التحديات: ماذا ينتظر إيران في 2022؟

انتظرت إيران في العام 2020 الميلادي وراهنت على فوز المرشح الديمقراطي (آنذاك) جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة. وربطت طهران مستقبل عدد من الملفات الكبرى والرئيسية لديها بهذا الاحتمال الذي تحول في أواخر العام نفسه إلى حقيقة. ومع مطلع العام الماضي، 2021، اتضح بشكل أكبر نهجُ السياسة الإيرانية بشأن قضايا، مثل الملف النووي والصاروخي وعلاقاتها مع دول المنطقة، علاوة على طموحاتها الاقتصادية.

وانطلقت على هذا الأساس في أبريل من العام الماضي أولى جولات إعادة التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني (برجام/ بالفارسية) المُبرم مع القوى الكبرى عام 2015. وعلى ذلك، بات توجُّهُ إيران فيما يتعلق بمستقبل أكبر الملفات حساسية واضحًا إلى حدٍ كبير، خاصة بعد تولي الحكومة المحافظة بزعامة رئيس القضاء السابق، إبراهيم رئيسي، زمام الحكم خلفًا للرئيس السابق الإصلاحي حسن روحاني.

وإذا كان العامان المُشار إليهما على هذا الحال بالنسبة لطهران، فإن العام الجديد 2022 من المرجح أن يكون عام الحسم بشأن الفصل في عدد من الملفات المذكورة آنفًا، وعلى رأسها الملف النووي.

وعلى ذلك، نتناول فيما يلي أبرز التحديات التي تواجه إيران في العام الجديد:

  1. حسم ملف إعادة التفاوض على اتفاق 2015 النووي:
مفاوضات فيينا.. جولة سادسة مرتقبة الأسبوع المقبل

ستشكل عملية حسم هذا الملف التحدي الأكبر على الإطلاق أمام إيران مع انطلاق العام الجديد 2022. إذْ توصلت مسيرة المحادثات النووية المعنية إلى الجولة الثامنة أوائل شهر يناير الجاري في العاصمة النمساوية فيينا، ولكنها لا تزال تواجه عقباتٍ وعوائق جمة أبرزها الإصرار الإيراني على رفع جميع العقوبات الاقتصادية عنها شريطة عودة التزامها ببنود الاتفاق النووي لعام 2015، وهذه الأخيرة تؤكد طهران على ضرورة تنفيذها قبل عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق أو رفعها للعقوبات.

ويعني هذا أن الطرفين، طهران وواشنطن، لا يزالان مستمرين في الدوران داخل حلقة دائرية مفرغة، وأنهما أيضًا بحاجة إلى تقديم أي منهما، أو كليهما، تنازلات أولية حقيقية.

وتنبع أهمية الانتهاء من هذا الملف في أنه يشكل النواة الأساسية لتحديد مستقبل هُوية عددٍ آخر من الملفات الرئيسية أمام طهران في 2022، مثل الملف الصاروخي والأنشطة العسكرية لطهران في الإقليم، علاوة على مواجهة المشكلات الاقتصادية المحلية. ولذا، فإن إيران سوف تسعى جديًا خلال 2022 إلى الانتهاء من هذا الملف.

ب- تقييد صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة:

تقديم مسيرات إيرانية إلى الميليشيات يؤجج سباقا إلى التسلح | سكاي نيوز عربية

لا تنفصل هذه النقطة عما سبقها، إذ إن طبيعة التعاطي الإيراني خلال الأشهر المقبلة مع هذه الملفات سيشكل ركنًا أساسيًا في مستقبل العلاقات الإيرانية الغربية بوجه عام، ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وتحاول الدول الغربية طرح ملفي صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة (درونز) الإيرانية ضمن إطار عملية التفاوض الجارية مع القوى الكبرى في العاصمة النمساوية فيينا، برغم استباق إيران الأحداثَ وإعلانها أكثر من مرة رفضها لهذا الطرح.

ومع أنه بالإمكان توصل أطراف المفاوضات إلى حل وسط بشأن الأنشطة النووية الإيرانية، لكن لا شك أن المحادثات، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، بشأن ملفي الصواريخ والدرونز الإيرانيين ستكون هي الأصعب، حتى عند مقارنتها بالحديث حول الرغبة في الحد من طموح إيراني الإقليمي. ويعود هذا إلى الأهمية التي تكتسبها الصواريخ، خاصة، داخل المنظومة العسكرية الإيرانية سواء لدى الحرس الثوري أو الجيش النظامي وفي ظل تقادم طائرات سلاح الجو الإيرانية وعدم توافر قطع غيار لها أو صيانتها على الوجه الأكمل. ويُضاف إلى ذلك توظيف إيران لهذه الصواريخ كعامل “ردع سياسي” وعسكري أيضًا عند الحديث عن علاقاتها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو بعض دول الإقليم الأخرى.

أما الطائرات المسيرة، فقد أعلنت إيران مؤخرًا عن تصنيعها لها بصفتها سلاحًا جديدًا تنوي توظيفه في مسار تحركاتها الإقليمية، أو بيعه للخارج لتحقيق عوائد مادية بالدولار، خاصة لدول الإقليم، في ظل العقوبات الخارجية الاقتصادية. وقد وصفت بعض الأوساط الغربية مؤخرًا هذا السلاح بأنه أكثر خطورة من الصواريخ.

وقد تسعى الدول الكبرى إلى وضع الدرونز الإيرانية على طاولة التفاوض خلال الأيام القادمة، وقد يرمي هذا إلى ضمان عدم تزويد طهران وكلاءها بها في الإقليم، خاصة إثر بروز مخاطره بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، في 7 نوفمبر 2021.

ج- لا مفر من مواجهة معضلة الاقتصاد المنهار:

الريال الإيراني يفقد 70% من قيمته.. الأدنى منذ 2018

يعاني الاقتصاد الإيراني من أزمة ركود حادة تتمثل في وصول معدل التضخم إلى حوالي 50% والبطالة إلى ما يقارب 11%. ويتسم معدل البطالة بالنمو في إيران ويمثل ضعف المعدل العالمي المتمثل في 5.5%. وتشير تقارير رسمية إيرانية إلى انضمام ما يزيد عن مليون ونصف المليون شخص إلى طابور البطالة سنويًا. أما بعض التقارير الأجنبية، فتقول إن الحكومة في طهران تعاني من عجز مالي شهري يُقدر بمليار دولار أمريكي. واستتبع هذا الركودَ الاقتصادي انهيارٌ تاريخي من جهة أخرى للعملة الإيرانية (الريال)، والتي تخطت حاجز الـ 300 ألف ريال أمام الدولار منذ نهاية العام الماضي 2020.

يضع هذا على عاتق حكومة المحافظين الجديدة في طهران تحديات اقتصادية هائلة في العام الجديد تستلزم المواجهة؛ للعديد من الأسباب من بينها عدم تحمل اقتصاد طهران المزيد من الانهيار، إضافة إلى خشية الحكومة الإيرانية من تفاقم الاستياء بين المواطنين في ظل عقوبات خارجية قاسية وعدم توافر بعض السلع الأساسية. 

وتطمح حكومة طهران في تفكيك هذه المعادلة الصعبة وحلحلة الأزمة الاقتصادية من خلال التوصل إلى اتفاق مع القوى الكبرى في فيينا يقود إلى انفتاح الاقتصاد الإيراني مرة أخرى على السوق الخارجية وقدوم الاستثمارات وبيع النفط.

د- التوفيق بين طرفي معادلة الميزانية الاقتصادية والمفاوضات النووية:

قدّم الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، في 12 ديسمبر 2021 مشروع ميزانية العام الفارسي الجديد (1401) الذي يبدأ في 21 مارس 2022. وبلغ حجم هذه الميزانية ما يقارب 50 مليار دولار أمريكي، موزعة ما بين الإيرادات والنفقات التي تشمل بدورها العديد من الأوجه مثل الشركات المملوكة للدولة والميزانية العامة للحكومة.

https://media.farsnews.ir/Uploaded/Files/Images/1400/09/21/14000921000054_Test_NewPhotoFree.JPG

وتزيد ميزانية العام الإيراني الجديد 1401 بنسبة 10% عن الميزانية الحالية لعام 1400 (الذي ينتهي في مارس المقبل). وقد أعلن إبراهيم رئيسي أنها تستهدف نموًا اقتصاديًا إجماليًا بنسبة 8% و3.5% نموًا في الإنتاجية و4.5% زيادة في حجم الاستثمارات. وتفترض الحكومة الإيرانية الحالية في ظل الميزانية الجديدة تصدير النفط الخام بمعدل 1.2 مليون برميل يوميًا بسعر 60 دولار للبرميل الواحد ليشكل حوالي 25% من إجمالي الميزانية. 

وهنا، تكمن المعضلة، إذ إن هذا النمو المخطط له وهذه النفقات المتوقعة وتصدير النفط بهذه النسبة علاوة على حجم الميزانية الكبير يقتضي تحصيل موارد مالية كبرى وجذب استثمارات خارجية، وذلك كله في ظل تعثر مفاوضات فيينا النووية، ما يطرح تساؤلًا جديًا: “هل تفترض حكومة المحافظين في إيران نجاح المفاوضات النووية في فيينا أم أنها تنبأت مسبقًا بصعوبة تحقيق أهداف هذه المحادثات؟”. 

إننا نجد الإجابة على هذه التساؤلات عند النظر إلى معدل تصدير النفط المتوقع في ميزانية 1401 الذي يُعد أقل من نظيره العام السابق. فقد افترضت الميزانية الحالية الجارية تصدير النفط بمعدل 2.3 مليون برميل نفط يوميًا، في حين أن الميزانية الجديدة لعام 1401 تفترض بيع النفط بمعدل 1.2 مليون برميل نفط يوميًا، ما يعني أن الحكومة الإيرانية غير متفائلة بمستقبل المفاوضات النووية، أو أنها على أقل تقدير ترجح استمرار العقوبات الأمريكية عليها حتى لو تم التوصل إلى اتفاق في فيينا.

ولكن قد تكون هذه مجرد استعداد من طهران للسيناريو الأسوأ ولا يعني الجزم بعزمها عدم الانخراط الجدي في المفاوضات النووية مستقبلًا. فعلى سبيل المثال، على الرغم من تقدير إيران أوائل العام الميلادي الماضي 2021، حين طرح الميزانية الجارية، بيع النفط بمعدل 2.3 مليون برميل يوميًا، إلا أن التقديرات على أرض الواقع أشارت إلى أن الكمية التي تم تصديرها كانت أقل من ذلك بكثير وبلغت في نوفمبر الماضي 900 ألف برميل يومي فقط.

ه- نهج التعامل مع “أفغانستان-طالبان”: 

إيران تغير لهجتها إزاء طالبان.. وتنتقد معارك بانشير | سكاي نيوز عربية

 لم تعترف دول العالم حتى الآن بـ”حكومة” لحركة “طالبان” الأفغانية بعد استيلائها على السلطة في أغسطس الماضي. ومع بقاء الوضع الأمني والسياسي غير مستقر وغير معلوم حتى الآن في أفغانستان، علاوة على تأكيد طهران الأسبوع الجاري على لسان سفيرها في كابول، بهادور أمينيان، أنها لن تعترف بحكومة “طالبان” ما لم تكن شاملة، تظل أفغانستان بمثابة “قنبلة موقوتة” أمام الجارة إيران وحدودها الشرقية. 

وإذا كانت “طالبان” قد استولت على العاصمة كابل العام الماضي، إلا أن كثيرًا من أبعاد مستقبل الأزمة الأفغانية سوف يتضح خلال العام الجاري 2022، ما يضع على عاتق إيران ثقل ملف جديد “أمني من الدرجة الأولى” باتت مضطرة للتعامل مع إرهاصاته ونتائجه.

و- العلاقات مع دول الجوار: 

الرئاسة الإيرانية عن طحنون بن زايد: نأمل بدء فصل جديد في العلاقات بين  بلدينا مع زيارة رئيسي للإمارات - RT Arabic

شهد العام الميلادي الماضي 2021 انطلاقة قوية للحوار ما بين إيران ودول الخليج العربية، وتحديدًا دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وقد تبادل مسؤولون من الإمارات وإيران العام الماضي الزيارات إلى أبو ظبي وطهران، فيما بدا مؤشرًا قويًا على إمكانية حدوث تحسن في العلاقات بين الجانبين. وعقدت طهران والرياض من جانبهما جولات من المحادثات خلال العام نفسه. 

وتحمل الحكومة الإيرانية الحالية أجندة سياسية جديدة تخطط للانخراط الجدي في حوار مع دول الجوار العربية. وهي أجندة لا تخلو بالطبع من أهداف اقتصادية لا تنفصل عن بنود الميزانية الجديدة التي تم الحديث عنها. وعليه، فمن المتوقع أن تتضح خلال الأشهر القليلة المقبلة النتائج الأولية (على الأقل) للحوار العربي الإيراني الذي انطلق العام الماضي.  

ز- هل تضرب إسرائيل منشآت عسكرية إيرانية؟ 

ردًا بالمثل».. إيران قد تضرب «ديمونة الإسرائيلي» إذا تعرضت منشآتها النووية  للقصف - شبكة رؤية الإخبارية

قد يكون هذا التساؤل جديرًا بوضعه في بداية الحديث، إلا أنه في الواقع لا ينفصل عن بعض النقاط السابقة فضلًا عن كونه نتيجة تابعة لها، خاصة ملف المفاوضات النووية والصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة. 

لقد أثير هذا التساؤل بقوة منذ أواخر العام الماضي مع تعثر جديد للمفاوضات النووية التي استؤنفت في عهد حكومة إبراهيم رئيسي. ولقد ردت إيران أواخر ديسمبر الماضي على هذه التهديدات الإسرائيلية بتنظيم مناورات واسعة أطلقت عليها “الرسول الأعظم-17″، ولكن إسرائيل ووزير دفاعها وعدد من مسؤوليها يواصلون التصريح بهذه التهديدات ضد طهران، ما يضع احتمالًا ولو ضعيفًا لإمكان تحققها، والتي لولا جديتها هذه المرة لما أقامت طهران مناورات عسكرية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى