إيران

اتفاق تبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة.. الدلالات والنتائج المتوقعة

بعد حوالي شهرين من كشف صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية النقاب عن تفاصيل اتفاق بين طهران وواشنطن بشأن إطلاق سراح 5 سجناء أمريكيين في إيران، أكدت الولايات المتحدة وإيران مؤخرًا اتخاذهما خطوات جدية بشأن إتمام هذا الاتفاق. وتأتي تلك التطورات في توقيت حساس للغاية فيما يتعلق بمسار الفعل ورد الفعل الأمريكي الإيراني؛ وفي ظل مرور ما يقارب عامًا كاملًا على توقف المحادثات النووية في فيينا، علاوة على تصاعد الخلافات مؤخرًا بينهما بشأن قضايا عدة من بينها التعاطي الإيراني مع الحرب الروسية الأوكرانية.

ولكن، على الرغم من أن هذه الصفقة ستتم بين إيران والولايات المتحدة، عبر وسطاء آخرين على الأرض، إلا أن تداعياتها ونتائجها قد تؤثر على قضايا وملفات متعددة من بينها الملف النووي والمفاوضات ذات الصلة، وحجم التقارب الإيراني الغربي بوجه عام في ظل توترات بدت مؤخرًا بين إيران وروسيا، علاوة على انعكاسات ذلك على مجريات الأحداث والملفات العالقة بين إيران وإسرائيل، وهو ما سنتطرق إليه تحديدًا فيما يلي.

5 مقابل 6: هل تنجح الصفقة بين إيران والولايات المتحدة؟

لإيران والغرب تاريخ حافل في عمليات تبادل سجناء بينهما، وليست المرة الأولى التي يتم الإعلان فيها عن صفقة مثل هذه بين إيران وواشنطن على وجه التحديد؛ فقد عقد الطرفان اتفاقًا، على سبيل المثال، في يناير 2016، عقب التوصل إلى الاتفاق النووي في يوليو 2015، تم خلاله إطلاق سراح 5 سجناء أمريكيين مقابل 7 سجناء إيرانيين يحمل 6 منهم الجنسية الأمريكية. وشهد شهر ديسمبر 2019 تبادل سجينين أمريكي وإيران، هما الأمريكي “شيوي وانج” والعالم الإيراني “مسعود سليماني”. 

وقد تم التوصل لهذه الصفقات في عهد إدارات أمريكية مختلفة، ديمقراطية وجمهورية، وبعد التوصل إلى اتفاق 2015 النووي وبعد خروج الولايات المتحدة منه في مايو 2018. أما الصفقة الأخيرة التي نحن بصددها، فإنها تشمل تبادل 5 سجناء أمريكيين من أصل إيراني تعدهم إيران، طبقًا لقوانين الجنسية المحلية المعمول بها إيرانيين فقط، على الرغم من أنهم يحملون الجنسيتين الأمريكية والبريطانية. وعلى أي حال، فإن السجناء الذين سيطلق سراحهم ويعودون إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق قد تم الإعلان عن أسماء 3 منهم فقط ولم يجرِ الإفصاح عن هوية الاثنين الباقين. 

أما الثلاثة، فهم:

1- سيامك نمازي: وهو تاجر ورجل أعمال أمريكي من أصل إيراني، وُلد في 14 سبتمبر 1971، واعتُقل في إيران بتاريخ 13 أكتوبر 2015، ثم جرى احتجاز والده “محمد باقر نمازي” أيضًا في فبراير من العام التالي حين زيارته إيران لرؤية نجله. وقد تم الحكم على الابن “سيامك” بالسجن 10 سنوات في 18 أكتوبر 2016 بتهمة “التعاون مع حكومة أجنبية”.

2 – مراد موشه طاهباز (مراد طاهباز): رجل أعمال وناشط بيئي إيراني أمريكي، وُلد في لندن ويحمل أيضًا الجنسية البريطانية. ويُعد المؤسس لمنظمة “التراث البري الفارسي” المعروفة اختصارًا بـ (PWHF). اعتقلته السلطات الإيرانية في يناير 2018 إلى جانب 8 أشخاص على صلة بهذه المنظمة البيئية.  وفي العام نفسه، اجتمعت لجنة مشكلة من وزراء إيرانيين في حكومة حسن روحاني آنذاك لدراسة ملف “طاهباز”، وقد خلصت إلى أن “الحقائق لا تدعم الاتهامات الموجهة ضده ورفقائه”، وحثت على ضرورة إطلاق سراحه. أما في نوفمبر 2019، فقد أكد القضاء الإيراني أحكامًا بالسجن لمدة 10 أعوام ضد “طاهباز” بتهم “التعاون مع الولايات المتحدة بصفتها دولة خصم”. 

3 – عماد شرقي: رجل أعمال إيراني يحمل الجنسية الأمريكية. على الرغم من مولده في إيران، فإنه تعلم وعاش في الولايات المتحدة منذ طفولته. وفي 23 أبريل 2018، اعتقلته استخبارات الحرس الثوري الإيراني هو وزوجته خلال رحلة له إلى إيران، وفي 30 نوفمبر 2020 أدين بتهمة التجسس وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات. 

حيثيات الصفقة الإيرانية الأمريكية

من المقرر أن يتم الإفراج عن حوالي 6 مليارات دولار أمريكي من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية والعراق عندما يغادر السجناء الأمريكيون إيران ويصلون إلى وجهتهم. حيث ستسمح الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية بالإفراج عن حوالي 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في سيول (والتي يبلغ مجموعها الكلي 7 مليارات دولار فقط) لتصل إلى طهران عن طريق مصارف قطرية، ولكن بتفحص دقيق لهذه الخطوات من جانب الأجهزة الأمنية الأمريكية. 

وعلى الرغم من عدم إعلان الولايات المتحدة أو إيران عن حجم المبلغ الذي سيصل إيران في مقابل الصفقة، فإن أغلب الترجيحات تشير إلى أنه 6 مليارات دولار، وهو ما ذهبت إليه وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية المقربة من الحرس الثوري في تقرير لها نُشر مؤخرًا. وفي إطار عدم الإعلان عن المبلغ المحدد، تقول تقارير إن الولايات المتحدة سوف تحث العراق أيضًا في سياق الصفقة على دفع أموال لإيران تُقدر بحوالي مليارين و760 مليون دولار ديون مستحقة.

خلافات حول الصفقة 

ومع ذلك، يبدو الخلاف قائمًا حتى الآن بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أسابيع من إتمام الصفقة ودخولها حيز التنفيذ، بشأن الكيفية التي ستتلقى بها إيران الأموال أيًا كان حجمها. حيث يشدد المسؤولون الأمريكيون على أن الأموال التي سيُفرج عنها سوف تُودَع في بنوك قطرية وتستخدمها إيران من أجل شراء “احتياجاتها الإنسانية” مثل الأغذية والأدوية التي لا مجال لاستخدامها في القطاعات العسكرية.

ويبرز خلاف آخر يتمثل في حجم الأموال التي من المقرر الإفراج عنها، حيث إن الطرفين الأمريكي والإيراني لم يعلنا حتى الآن قدر الأموال المعنية، ما دفع صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إلى القول في تقرير لها إن المبلغ المقرر هو 6 مليارات دولار فقط من مصارف في كوريا الجنوبية، مضيفة أنه “من المقرر ألا تصل هذه الأموال إلى إيران بشكل مباشر” وأن طهران ستستخدمها في الحاجات الإنسانية فقط.

وبوجه عام، فإنه وبعيدًا عن مسألة حجم الأموال، فإن الخلاف الرئيس حول الصفقة يتمحور حول الكيفية التي ستستخدم بها إيران الأموال وأن يكون هذا المبلغ متاحًا بشكل كامل لدى السلطات الإيرانية لإنفاقه من عدمه، هذا إلى جانب بقائه في مصارف بقطر أم في إيران.

هل تنجح الصفقة؟ 

برغم بعض العوائق القائمة أمام الصفقة الأمريكية الإيرانية، إلا أن هذا الاتفاق من المرجح له بشدة أن يتم وينجح، وذلك لعدة أسباب:

● تاريخ عمليات تبادل السجناء الناجحة بين إيران والغرب، والتي كان من بين أبرزها مؤخرًا إفراج إيران في 16 مارس 2022 عن المواطنة البريطانية من أصل إيراني “نازنين زاغري” في إطار صفقة مماثلة مع الحكومة البريطانية، جرى الإفراج خلالها عن أرصدة إيرانية مجمدة بقيمة 530 مليون دولار.

● سعي إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن إلى تحقيق نجاحات خارجية؛ مع الاستعداد لجولة جديدة من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة مقرر لها في نوفمبر 2024. 

● رغبة إيران في الحصول على العملة الصعبة لمحاولة دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام.

إسرائيل وصفقة تبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة

أبدت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتناهيو، اعتراضها على الصفقة الأمريكية الإيرانية بشأن تبادل السجناء. حيث قال مكتب نتنياهو في بيان إن “الموقف الإسرائيلي معروف، فهذه الخطوات لن تقضي على البنى التحتية النووية في إيران، ولن توقف البرامج النووية الإيرانية، بل إنها سوف تعزز من الإنفاق الإيراني على الجماعات الوكيلة”. وأبرز مسؤولون إسرائيليون قلقهم من أن هذا الاتفاق الإيراني الأمريكي يأتي في إطار “اتفاقيات أوسع” بين واشنطن وطهران.

وفي الواقع، يبرز المسؤولون الإسرائيليون هنا مخاوف من إمكانية أن تقود الصفقة إلى تقارب أمريكي إيراني على حساب إسرائيل وأمنها، خاصة فيما يتعلق بالأنشطة النووية الإيرانية والاستراتيجية العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط. ويخشون كذلك من أن أموالًا وأرصدة مالية ضخمة في يد إيران قد تُستخدم لتقوية الجماعات الوكيلة في الشرق الأوسط.

ولكن على الرغم من القلق الإسرائيلي من الصفقة بين إيران والولايات المتحدة، فإنه يمكن القول إن إسرائيل قد تكون في المستقبل القريب أحد أهم المستفيدين من وراء الصفقة، تتمثل فيما يلي:

تباطؤ وتيرة البرنامج النووي الإيراني: إن الهدف الرئيس للسياسات والتحركات الإسرائيلية المعنية بإيران يرمي إلى تعطيل أو “القضاء على” البرنامج النووي الإيراني برمته. وهذا بالطبع إلى جانب أهداف أخرى مثل كبح جماح التحركات العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط وسوريا. وعلى أي حال، فإذا كان خيار “التدمير الكلي” للبرنامج النووي الإيراني غير وارد وغير ممكن لإسرائيل طبقًا لحسابات استراتيجية عدة، فإن الحل الأمثل أمامها يصبح بالتالي إبطاء وتيرة الأنشطة النووية وضمان عدم توصل طهران لسلاح نووي.

وفي هذا الصدد، فإن أي اتفاق أو تقارب في الحوار بين إيران والولايات المتحدة يخدم حتمًا هذه الأهداف الإسرائيلية التي يعترض بشأنها بعض المحللين الإسرائيليين؛ إذ إن حوارًا أمريكيًا مع طهران يعني ميلًا إيرانيًا إلى تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزية المتقدمة أو تثبيته عند الحدود الحالية، وبالتالي الحد من الأنشطة النووية المتقدمة في إيران والتي تقلق إسرائيل. 

وقد قامت إيران بالفعل بهذا الأمر بعد ساعات من الإعلان عن صفقة تبادل السجناء مع الولايات المتحدة، ما يعني أن مزيدًا من الحوار معها من جانب واشنطن قد يحقق بالأساس أهدافًا إسرائيلية. حيث أعلنت طهران بعد ساعات من الكشف عن صفقة السجناء مع واشنطن تقليصها لنسبة تخصيب اليورانيوم في منشآتها النووية، ما يعني أن ذلك إشارة عملية من جانب طهران لإمكانية تقييد الأنشطة النووية مقابل الحوار مع الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات عنها.

تزايد فرص التوصل إلى اتفاق نووي: لعل الإسرائيليين قد باتوا على يقين بشأن أن اتفاقًا نوويًا بين إيران والغرب في الوقت الراهن سيكون أفضل الخيارات أمامهم لتقليص الأنشطة النووية الإيرانية وضمان عدم توصل طهران إلى سلاح نووي، بعد أن باتت طهران على حافة العتبة النووية من دون شك. وعليه، فإن التقارب والتوصل إلى اتفاقيات مصغرة بين الأمريكيين والإيرانيين قد يمهد بالتالي لاستئناف المفاوضات النووية من جديد، وبالتالي التوصل إلى اتفاق نووي بين الأطراف المعنية. فضلًا عن أن منح إيران أموالًا كانت مجمدة لها في الخارج يدفعها بشدة إلى تقديم بعض التنازلات التي قد تشجع الغرب على مواصلة المباحثات النووية وترضي إسرائيل في الوقت ذاته.

صفقة موازية: في شهر يوليو 2023، قالت تقارير إن مسؤولين أمنيين من إيران وإسرائيل قد تحدثوا بشكل غير مباشر عن طريق وساطة “دولة غير عربية”، وكان موضوع هذا الاتصال بين الطرفين الحديث بشأن تبادل سجين إيراني بسجينة إسرائيلية. وهذان السجينان هما الإيراني “يوسف شهبازي” الذي اختطفته إسرائيل من داخل إيران في يونيو 2023 وسجنته في وقت لاحق، حسب قول تقارير معنية، والثانية هي الباحثة الإسرائيلية الروسية “إليزابيث تسوركوف” التي قيل إنها اختطفت حين إقامتها في العراق. وطبقًا لتصريحات مسؤولين في جهاز “الموساد” الإسرائيلي، فإن شهبازي كان “المسؤول عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيليين في قبرص”. وعليه، تسعى إيران وإسرائيل إلى التفاوض بشكل غير مباشر من أجل إبرام صفقة لتبادل هذين السجينين وفي الغالب بوساطة روسية. 

وفي هذا السياق، قد تكون الصفقة الأمريكية الإيرانية مقدمة لصفقة تبادل سجناء أخرى ترعاها روسيا بين إيران وإسرائيل، وقد تكون تلك “الدولة الإقليمية غير العربية” التي أشارت إليها التقارير هي بالفعل روسيا والتي قد تسعى إلى تحسين العلاقات مع إيران بشكل أكبر خلال الأيام المقبلة بعد التوتر الذي شهدته علاقات البلدين مؤخرًا بعد تصريحات من جانب موسكو خلال القمة الخليجية الروسية التي جرت في شهر يوليو الماضي. 

علي عاطف

باحث بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى