إيران

حسابات الربح والخسارة: لماذا تصر إيران على رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب؟

في أبريل عام 2021، تم تسريب مقطع صوتي لوزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، انتقد فيه دور الحرس الثوري في السياسة الداخلية والخارجية لإيران. قال ظريف حينئذ إن الحرس الثوري يملك اليد الطولى فيما يخص السياسة الخارجية لطهران، خاصة في منطقة الشرق الأوسط عن طريق “فيلق القدس” التابع له. ودار الحديث داخل إيران في ذلك الوقت، ولا يزال، حول مفهومي “الميدان” و”الدبلوماسية”، بحيث اعتبر كثيرون من الساسة الإيرانيين، خاصة المحافظين وقادة الحرس أن الثانية تخدم الأولى. 

وكشف هذا التسريب والتصريحات المنسوبة لظريف في الواقع عن حجم الدور البارز للحرس الثوري الإيراني على مستويات عدة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، والذي لا يقتصر كما قيل على الداخل الإيراني. فالحرس الثوري وعن طريق “فيلق القدس” يقوم بأنشطة متنوعة غير عسكرية خارج إيران بالتعاون مع مؤسسات إيرانية حكومية أو مع أخرى مرتبطة بها، من بينها أنشطة ثقافية في دول مختلفة تجري بالتنسيق مع “جامعة المصطفى” الشهيرة. وللمفارقة، فقد تزامن ذلك التسريب الصوتي لظريف آنذاك مع بدء الجولة الأولى من المفاوضات النووية الإيرانية مع القوى الكبرى أو ما يُطلق عليها مجموعة (5+1). 

وتفسر لنا هذه المقدمة وبشكل عام وكلي “لماذا تصر الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن، وبعد مرور ما يقارب العام، على إزالة اسم الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية؟“، بعدما صنفته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في أبريل 2019. فعلى الرغم من أن إدراج الحرس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية لم يؤثر بشكل جوهري على أنشطته العسكرية العملياتية في المنطقة أو خارجها بل إنه “ازداد قوة” حسب تصريح للمتحدثة باسم البيت الأبيض في واشنطن جين ساكي في مارس 2022، إلا أن إصرار طهران على رفعه من هذه القائمة ينطوي على أبعاد أخرى ليست بالضرورة عسكرية. 

فقد كان تأثر أنشطة وتحركات الحرس الثوري في الخارج خلال السنوات الماضية ناتجًا بشكل غير مباشر عن العقوبات الاقتصادية على إيران نفسها، ما أدى -مثالًا- إلى تراجع ملموس في القدرة على السيطرة على الوكلاء في العراق خاصة بعد مقتل قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، في يناير 2020.  

وعليه، فإننا سنلقي الضوء فيما يلي على دوافع إصرار إيران على رفع الولايات المتحدة للحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية.

أولاً: المحافظون في إيران “مجبرون” على المطالبة بإزالة الحرس من القائمة

يشير الإعلان المفاجئ مؤخرًا عن مطالبة إيران للولايات المتحدة برفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب إلى رغبة حكومة الرئيس المحافظ “إبراهيم رئيسي” في تحقيق مكسب سياسي محلي يدعم من العلاقة القوية بين المحافظين بوجه عام في إيران ومختلف قيادات الحرس الثوري، وعلى رأسها قائده “حسين سلامي”. 

وليس ذلك فحسب، بل إن توصل حكومة المحافظين في طهران إلى اتفاق بشأن إزالة الحرس من القائمة سوف يعزز من مكانتها أمام المرشد الأعلى علي خامنئي في مواجهة التيار الإصلاحي أو حتى بعض المحافظين المنتقدين للحكومة بعد أن تسجل هذه الخطوة باسمها.

وفي الآونة الأخيرة، أصبح تراجع حكومة “رئيسي” عن الضغط على المفاوضين الغربيين والإصرار بشكل متواصل لإزالة اسم الحرس من القائمة أمرًا غير متوقع بعد أن شنت وسائل الإعلام التابعة للمحافظين في طهران حملات إعلامية دعائية واسعة للترويج داخليًا لحذف اسم الحرس من قائمة الإرهاب، ما جعلها ملزمة بشكل غير مباشر أمام الساسة المحليين بتحقيق ذلك. 

فمنذ بداية شهر مارس الماضي على وجه التحديد، ركز إعلام المحافظين في إيران بشكل مكثف على الترويج لهذه الاحتمالية في ظل تأكيد المسؤولين الرسميين على أن “الخط الأحمر” الأخير فيما يتعلق بتحقيق انفراجة تقود إلى التوصل لاتفاق نووي هو إزالة الحرس من قائمة الإرهاب. ويعني الترويج على هذا النحو أن حكومة إبراهيم رئيسي باتت “مجبرة” على مواصلة المطالبة برفع الحرس من القائمة.

ولعل واحدة من الأمثلة البارزة المتعلقة بنتائج دعاية المحافظين لإزالة اسم الحرس وتحول الأمر ليصبح “إجبارًا غير مباشر” عليها من جانب الداخل الإيراني هي اتهام رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الإيرانية المقربة من القيادة السياسية والدينية العليا في إيران، حسين شريعتمداري، لوزير الخارجية الإيراني، حسين امير عبد اللهيان، بفقدان “الإحاطة الكافية” بعمله كوزير للخارجية.

وجاء ذلك إثر تلميح عبد اللهيان باحتمالية عدم تمكن المفاوضين النوويين الإيرانيين في النمسا من إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب.

ثانيًا: التمهيد لإزالة العقوبات المفروضة على المؤسسات والأفراد التابعين للحرس داخل وخارج إيران 

تستحوذ هذه القضية على أهمية كبرى وتُعد إحدى أبرز الأسباب وراء سعي المفاوضين الإيرانيين في فيينا لإزالة الحرس من قائمة الإرهاب. حيث إن نشاط الحرس الثوري الإيراني لا يقتصر فقط على الأمور العسكرية والأمنية، بل إن لديه أنشطة أخرى ثقافية واقتصادية واجتماعية في الداخل والخارج الإيراني : 

أ- سعي الحرس لتعزيز ترسانته من الأسلحة بعد التوصل لاتفاق نووي

من الناحية العسكرية، فإن الحرس الثوري بحاجة مستمرة إلى التعامل ماليًا مع الخارج من أجل استيراد مواد وقطع لاستخدامها في البرنامج الصاروخي أو النووي. وعلى الرغم من القيود المفروضة على مثل هذه المعاملات الخاصة به بالأساس حتى قبل تصنيفه عام 2019، إلا أن إلغاء تصنيفه سوف ييسر من إجراء هذه المعاملات، حيث سيكون الحرس أحد أكبر المستفيدين في الداخل الإيراني من الحصول على أموال سيُفرج عنها بعد التوصل لاتفاق نووي قد تصل لمليارات الدولارات لصالح طهران. وحينئذ، سيتوجه الحرسُ لتوظيف هذه الأموال بالأساس في تعزيز ترسانته من الأسلحة وتطويرها مثلما توسع نفوذه الإقليمي بعد عام 2016. 

ب- خطوة أولية لرفع العقوبات عن مؤسسات وأفراد تابعين للحرس

خلال السنوات الماضية، لم تُفرض العقوباتُ الدولية أو الأمريكية على الحرس أو مؤسساته المباشرة فقط، بل إنها طالت شركات ومنشآت دولية (أو حتى محلية) وأفرادًا تعاونوا معه أو كانوا على صلة به وببرامجه العسكرية، ما يجعل رفعه من قائمة الإرهاب بمثابة تمهيد إيراني لرفع العقوبات عنهم أيضًا. 

ولا يقتصر التوقع الإيراني عند هذا الحد، إذ قد تطمح طهران لاحقًا بعد إلغاء تصنيف الحرس منظمة إرهابية إلى رفع العقوبات المفروضة على بعض قادته وأعضائه البارزين وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس نفسه “حسين سلامي” وقائد القوة البرية “محمد باكبور” والمسؤول عن وحدة الطائرات المسيرة في القوة الجوفضائية “سعيد آقاجاني”.

ومع ذلك، فإن تساؤلًا رئيسيًا سوف يظل قائمًا، إذ هل سيعني إلغاء تصنيف الحرس الثوري إرهابيًا حذف “فيلق  القدس” التابع له أيضًا من قائمة الإرهاب؟. 

وسط تصاعد التوتّر مع واشنطن.. طهران تتوعد بالرد على "أي خطوة" تستهدفها

ولكن على أي حال، قد يقود إزالة الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية لجعل تعاون أي شركة أو مؤسسة معه في الخارج أمرًا قانونيًا، ما لم تنص عقوبات أخرى مفروضة على غير ذلك.

ج- رغبة إيران في تأمين تنقل عناصر الحرس خارجيًا

من زاوية أخرى، سيجعل رفعُ اسم الحرس من قائمة الإرهاب تنقل أفراده قانونيًا خارج إيران سواء في الشرق الأوسط أو غيره، بمعنى ضمان عدم ملاحقتهم بأي شكل من الأشكال. وإذا كانت إيران تدرس الآن تكثيف أنشطتها إقليميًا أو خارجيًا بوجه عام بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مجددًا، فسيكون من البديهي حاجتُها إلى حرية تنقل قادتها العسكريين أو السياسيين.

ثالثًا: منع عرقلة تصدير الصناعات الدفاعية إلى الخارج

عبّر مسئولون إيرانيون خلال الأشهر الماضية عن تخطيطهم لتصدير الطائرات من دون طيار (الدرونز) التي يتم تصنيعها محليًا إلى الخارج، خاصة إلى “الدول الحليفة” في إقليم الشرق الأوسط. وقالوا إن إيران ترمي على إحدى الأصعدة لأن يكون تصدير هذا النوع من الطائرات مصدر دخل مهم يُكمل مصادر الدخول النفطية. 

وجاءت هذه الدعوات المحلية بعد أن قطعت طهران شوطًا كبيرًا في تصنيع هذا النوع من الأسلحة محليًا حتى أن وزارة الخزانة الأمريكية قد أفادت في تقرير لها صدر في أكتوبر الماضي إن “قوات الحرس الثوري الإيراني زودت حزب الله اللبناني وحركة حماس والحوثيين وإثيوبيا بطائرات مسيّرة استُخدِمت في مهاجمة القوات الأمريكية والملاحة الدولية في منطقة الخليج”.

وإذا كان الحرس الثوري الإيراني هو المُصنِّع الرئيس لهذه الطائرات في الداخل الإيراني، فإن عملية تصديره لها سيكون حتمًا أكثر سهولة إذا ما رُفع من قائمة المنظمات الإرهابية. لذا، فإن مطالبة إيران بشطب الحرس الثوري من قائمة الإرهاب ليس ذا مغزى عسكري أو سياسي فقط، بل يحمل أهدافًا اقتصادية أيضًا.

رابعًا: تسهيل نقل الأموال إلى الوكلاء الإقليميين

وهي قضية لا تنفصل عما تم التطرق إليه، فالعقوبات المفروضة على الحرس الثوري وإيران بوجه عام أوجدت عقباتٍ خلال السنوات الثلاث الماضية أمام إمداد إيران للوكلاء الإقليميين بالأموال، فضلًا عن الأسلحة، ما كان له تداعيات أثّرت على نفوذ إيران وسيطرتها عليهم. 

لذا، فإن هذا الملف سوف يستحوذ على أهمية كبرى خلال الأيام التي تلي الإعلان عن الاتفاق النووي، لأن إحدى أهم الأسباب التي لعبت دورًا في الحد من السيطرة شبه التامة لإيران على وكلاءها في الإقليم خلال السنوات القليلة الماضية (في العراق على وجه التحديد) كان عدم قدرتها على توفير المال الكافي لهذه الجماعات والذي نتج بدوره عن تأثير حزم العقوبات الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي السابق ترامب في أعقاب قراره الانسحاب من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018. 

خامسًا: خروج القوات الأمريكية من الإقليم والدور المتصاعد للحرس الثوري في السياسة الخارجية الإيرانية 

تتزامن المفاوضات النووية الإيرانية الجارية في النمسا منذ أبريل الماضي مع خروج تدريجي للقوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، تطمح إيران إلى لعب دورٍ بارز في الإقليم بعد انسحاب واشنطن من المنطقة والتوصل إلى اتفاق نووي يُرجح بشدة أن يضع مليارات الدولارات في الخزينة الإيرانية بعد الإفراج المحتمل عن أموال لطهران مجمدة في الخارج. وتجئ هذه التطورات أيضًا في ظل صعود تدريجي للحرس الثوري منذ سنوات على الساحة السياسية في إيران ليصبح فاعلًا رئيسيًا بها إلى جانب المحافظين، مع حضور آخر للتيار الإصلاحي. 

وإذا كانت بعض مناطق إقليم الشرق الأوسط سوف تشهد فراغًا بعد الانسحاب الأمريكي فإن إيران، وعن طريق الحرس الثوري، سوف تحاول ملء بعض ساحات هذا الفراغ والتواجد النشط في البعض الآخر. ويتطلب هذا بالتالي تحركًا سلسًا للحرس الثوري في الإقليم وتعاطيه مع تطورات الشرق الأوسط بشكل سريع، ما يعني حاجة إيران إلى رفع الحرس من قائمة المنظمات الإرهابية. 

خلاصة القول، رغم عدم تأثر النشاط العسكري العملياتي الميداني للحرس الثوري بشكل جوهري خلال السنوات القليلة الماضية بعد تصنيفه إرهابيًا، إلا أن إيران سوف تصر على رفعه من قائمة الإرهاب في إطار الاتفاق النووي المرجح؛ وذلك انطلاقًا من دوافع سياسية ومالية محلية وخارجية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتطورات التي شهدتها – وتشهدها- المنطقة خلال الآونة الأخيرة وعلى رأسها خروج القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط. 

ولكن، قد يستغرق إزالة الحرس من قائمة الإرهاب بعض الوقت في ظل موجة الرفض الداخلية في الولايات المتحدة من جانب النواب الجمهوريين في مجلس الشيوخ وبعض الديمقراطيين كذلك، علاوة على بعض حلفاء واشنطن في الخارج أيضًا. كما أن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، وإدارته قد يستغرقون وقتًا في التفكير أكثر من مرة بشأن تداعيات إزالة الحرس من قائمة المنظمات الإرهابية على انتخابات مجلس النواب القادمة في نوفمبر 2022 وعلى انتخابات الرئاسة الأمريكية بعد عامين من الآن، من حيث فرص فوز الحزبين بهما واحتمالات عودة دونالد ترامب لتصدر المشهد مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى