إيران

تحول في معادلة الردع بين إيران وإسرائيل.. رسائل ودلالات الهجوم على مفاعل ديمونة النووي

 ليس الصراع بين إيران وإسرائيل بالأمر الجديد. فهذا الاشتباك غير المباشر وهذه الحرب بالوكالة التي تتمركز في منطقة الشرق الأوسط، وتتعداها إلى مناطق أخرى حول العالم، قد ظهرت منذ عشرات الأعوام. وتمحورت في البداية سلسلة الاشتباكات بين الطرفين على الأرض اليابسة، ثم انتقلت إلى الفضاء السيبراني ثم إلى المياه كما وقع في الخليج العربي مؤخراً، إلا أنها انتقلت، سواء بشكل مباشر أو “غير مباشر”، يوم 22 أبريل الجاري إلى مرحلة أشد خطورة وتنذر بعواقب كارثية.

ففي صباح الخميس 22 أبريل سقط صاروخٌ من طراز “سام-5” على بعد 30 كليومتر من مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي في صحراء النقب قادماً من الأراضي السورية. وبرغم عدم اعتراف طهران “رسمياً” بالهجوم، إلا أن وسائل إعلام محلية في إيران قد احتفت به وعلّق قائد في الحرس الثوري عليه قائلاً “إن من يرتكب الشر لا يجب أن ينتظر ألا يعود هذا الشر إليه”، ربما في إشارة إلى ما حدث في مفاعل نطنز قبل هجوم ديمونة بأيام فقط. 

وتعددت تصريحات الإيرانيين فيما يخص هذا الحادث، وتمحورت أغلبها حول أمرين أن هذا الهجوم “رسالة” وأنه “أبرز اختراق منظومة الدفاع الإسرائيلي”. ومن بين هؤلاء الإيرانيين، يجيء رئيس تحرير صحيفة “إيران ديبلوماتيك” والاستاذ الجامعي، عماد آبشناس، الذي لخص كثيراً فيما يخص الهجوم وعلاقة إيران به من عدمه، وذلك في مشاركة تلفازية له على قناة “سكاي نيوز” العربية نُشرت في 23 أبريل، حين قال إن:

“الموضوع لم يكن صاروخ على الخطأ، الصاروخ الخطأ لا يسير 300 كليومتر في إسرائيل ولا تستطيع الدفاعات الإسرائيلية استهدافه، وهذا يعني أن هناك كان اختراق متعمد للنظام الدفاعي الإسرائيلي وإعطاء رسالة أننا نستطيع أن نصيب أي مكان في إسرائيل” بغض النظر عن نظام القبة الحديدية أو الدفاعات الجوية، مشيراً إلى أن هناك “مئات الآلاف من الصواريخ الإيرانية” في يد جماعات موالية لإيران يمكن أن تنطلق في أي وقت.  

ويجب الانتباه هنا في حديث آبشناس على ما يشير إليه بلفظ “أننا”.

ولكن أياً كان مصدر الصاروخ، سواء كان سورياً يتتبع طائرة إسرائيلية أو إيرانياً لأهداف أخرى أو حتى كان الاحتفاء الإيراني محاولة لنسب الهجوم إليها لأسباب سياسية وعسكرية، فإن هذا الحادث الأخير يختلف عن الهجمات الإيرانية التي تمت في الآونة الأخيرة ضد إسرائيل في البر أو البحر أو في الفضاء السيبراني وذلك فيما يتعلق بتبعاته ودلالاته. 

لماذا يُعد هجوم ديمونة مؤشراً خطيراً في مسار النزاع الإيراني الإسرائيلي؟ 

يجب التوقف كثيراً عند الهجوم الأخير الذي وقع بالقرب من مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي؛ فقد وصل النزاع بين إيران وإسرائيل بهذا الحادث إلى مرحلة من أخطر المراحل، إن لم تكن بداية المرحلة الأشد خطورة على الإطلاق. فالهجوم الصاروخي الأخير وإن لم يكن له ضحاياً، إلا أنه أظهر إمكان توسع نطاق الصراع بين إسرائيل وإيران إلى استهداف مواقع نووية على أرض الواقع وليس فقط في الفضاء السيبراني.  

فقد اتهمت إيران إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بتنفيذ عمليات في الداخل من بينها استهداف أشخاص، مثل الضابط الإيراني السابق في الحرس الثوري محسن فخري زاده، أو مواقع نووية عن طريق الأداة السيبرانية أو يدوياً، مثلما حدث في موقع نطنز شهر أبريل 2021. وكان الرد الإيراني في الغالب ينحصر في تنفيذ عمليات ضد إسرائيل بواسطة الحرس الثوري الإيراني الذي يتمركز منذ 2011 جنوب سوريا على الحدود مع إسرائيل أو جماعات موالية لها كـ “حزب الله”، أو حتى عن طريق تنفيذ عمليات سيبرانية إليكترونية. 

هل تؤثر على مستقبل البلاد... تقرير إسرائيلي يكشف حجم صواريخ "حزب الله" -  Sputnik Arabic

وكانت معادلة الردع الإيرانية الإسرائيلية لا تتخطى هذا الحاجز حتى هجوم نطنز الأخير، إلا أن الهجوم الذي وقع بالقرب من مفاعل ديمونة يُرجح أن يكون مؤشراً قوياً على تغيير معادلة الردع بين الطرفين وبداية لدخول مسار الصراع بينها إلى مرحلة أخطر بكثير عما سبقها. فهجومٌ صاروخي اليوم بالقرب من مفاعل نووي يمكن أن يتحول غداً إلى داخل المفاعل نفسه، وهو بالفعل ما لفت إليه “آبشناس” في حواره المُشار إليه آنفاً، حيث قال “اليوم سقط صاروخٌ بالقرب من ديمونة، ممكن في يوم آخر يسقط داخل ديمونة“.  

وإذا نظرنا إلى طبيعة استهداف المواقع النووية داخل إيران، سنجد أن أغلبها يتم عن طريق إليكتروني سيبراني يهدف لتعطيل المفاعل بضرب أنظمة الكهرباء أو أنظمة التشغيل الأخرى، أي أنه لم يتم باستخدام معدات حربية كالصواريخ، إلا أن هجوم ديمونة تم بالفعل إما باستخدام صاروخ “فاتح 110” الإيراني الباليستي الذي يبلغ مداه 300 كليومتر، حسب روايات إيرانية، أو صاروخ “SA-5 / سام-5” بعيد المدى الذي يمكن تحويله لباليستي. 

صفارات الإنذار تدوي في محيط مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي | رؤيا الإخباري

وهنا، تكمن الخطورة؛ حيث إن استهداف مفعل نووي بمجموعة صواريخ أياً كان مكانها سينتج عنه تبعات شديدة الخطورة ليس فقط من النواحي البيئية داخل البلد نفسها أو البلدان المحيطة بها، بل ومن النواحي العسكرية، ما يعني إجمالاً تحول الصراع بين الطرفين من بري بحري إلى “نووي بارد”. وليس من الصعب القول إن ضرب إحدى المفاعلات النووية يمكن أن يكون مقدمة لحرب كبرى في منطقة كإقليم الشرق الأوسط. حربٌ ربما يمتد مداها لتكون أخطر وأكبر مما يتصور أحد. لذا، فإن التطور الأخير في مسار الصراع بين إيران وإسرائيل ينذر بعواقب وخيمة وكارثية لن تنحصر آثارها فيهما فقط، بل ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة وستلقي بظلالها دولياً. 

رسائل ودلالات الهجوم على مفاعل ديمونة النووي

إلى جانب التحول المُشار إليه في مسار الصراع بين إيران وإسرائيل، تبرز عدة دلالات أخرى ينبغي الإشارة إليها في إطار الهجوم الأخير: 

  • زيادة مدى دقة الصواريخ الإيرانية: 

 بغض النظر عن طراز الصاروخ الذي استُخدِم في الهجوم الأخير، فإن حادث ديمونة يشير إلى زيادة دقة وتطوير مدى الصواريخ الإيرانية. فالمنظومة العسكرية الإيرانية تستخدم كلا الصاروخين “سام-5” و”فاتح-110″، ما يعني أن صواريخ طهران بات بإمكانها استهداف أماكن بعينها في مناطق بعيدة داخل إسرائيل. 

وإذا كان الصاروخ إيرانياً بالفعل، أي أطلقته إيران أو جماعات موالية لها عمداً من منطقة الضمير الواقعة على مسافة 40 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة دمشق أو أي منطقة أخرى، فإن طهران حتماً ومن المنطقي لم تكن تقصد من ورائه، ولا تستطيع في الوضع الحالي القائم، استهداف المفاعل نفسه؛ نظراً لتبعاته الكارثية التي تعلمها، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل والدولي. 

ولكن الصاروخ يشير على أي حال إلى أن صواريخ طهران أصبحت أكثر دقة مما مضى.

  • قدرة إيران على استهداف العمق الإسرائيلي: 

 يرتبط هذا العنصر بما سبقه، حيث إن زيادة دقة الصواريخ الإيرانية تعني لدى الأوساط الإسرائيلية تهديداً أكبر يتمثل في إمكان مهاجمة مواقع متعددة في إسرائيل من قِبل إيران أو الجماعات الموالية لها خاصة بعد استهداف منشأة تقع في جنوبها الشرقي.

  • اختراق منظومة الدفاع الإسرائيلية: 

  تعمل الجهات الإسرائيلية المعنية في الوقت الحالي على التحقيق في فشل منظومة الدفاع العسكرية الإسرائيلية في التصدي للصاروخ الذي انطلق من سوريا. فإسرائيل قد فعلت 4 أنظمة دفاع جوي من أجل التصدي لمثل هذه الهجمات، وهي: القبة الحديدية، مقلاع داوود، منظومة أرو، ومنظومة باتريوت الصاروخية. 

ويُعد مفاعل ديمونة من أشد الأماكن تحصيناً في إسرائيل، ولذا فإن سقوط صاروخ بالقرب منه يُعد اختراقاً ستعيد الأوساط الإسرائيلية من بعده النظر في قدرات تحصينه أو حتى في بعض منظوماتها الدفاعية الكلية، وذلك على الرغم من أن صاروخاً باليسيتياً واحداً لا يمكنه تدمير مفاعل نووي محصن.

وبشكل عام، تعتمد إيران في حالة نشوب أي حرب على الإمطار بالصواريخ، وهو ما لا يُعتقد أن تتحمله المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وهو ما يعني انكشافاً أكبر أمام الصواريخ، وسيدفع إسرائيل للبحث في مسألة الاختراق الأخير. 

  • ضعف في المنظومة الإليكترونية السيبرانية داخل إيران أم قوة في تحصين المواقع النووية الإسرائيلية؟:

 لو كان صحيحاً ما يُقال من أن صاروخ ديمونة إيراني، فهذا يرجح من جانب آخر فشل إيران في استهداف المفاعل الإسرائيلي سيبرانياً. أي أن إيران من المحتمل أنها نظرت في طرق لاستهداف مفاعل نووي إسرائيلي إليكترونياً بعد استهداف مفاعل “نطنز” أكثر من مرة خلال الآونة الأخيرة. 

وأخذاً في الحسبان خطورة مهاجمة المفاعل نفسه على أرض الواقع، فقد تكون إيران قررت بعد هذا الفشل الإليكتروني المحتمل الرد على هجوم نطنز، الذي اتهمت إسرائيل بالقيام به، من خلال إسقاط صاروخ بالقرب من مفاعل نووي إسرائيلي، أي أنها من المرجح أنها خططت لهجوم إليكتروني وفشلت ربما لشدة تحصين الموقع الإسرائيلي إليكترونياً.

  • تعزيز موقف إيران في المفاوضات النووية: 

 بعد الهجوم الأخير على نطنز، بدا موقف إيران التفاوضي في محادثات الاتفاق النووي ضعيفاً. وحاولت إيران تعويض هذا الضعف بأعمال تصعيدية كان أولها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%. أما بعد الهجوم الأخير بالقرب من مفاعل ديمونة، وسواء أُطلق الصاروخ عمداً أم كان طائشاً، حيث إنه في الحالتين انطلق من موقع تنشط فيه الجماعات الموالية لإيران، فإن موقف طهران في مفاوضات العودة سيكون أقوى على أي حال. 

والجدير بالذكر أنه بعد الهجوم، استهدفت إسرائيل مواقع في بلدة الضمير شمالي دمشق تتمركز فيها جماعات موالية لإيران.
وختاماً، يجب التأكيد على أن الهجوم سوف يؤكد آيضاً على محورية قضية الصواريخ الباليسيتية الإيرانية في المفاوضات النووية الجارية والأخرى التي ستنعقد بعدها في المستقبل القريب. وبما أن الإيرانيين قد أعلنوا رفضهم أكثر من مرة طرح هذه القضية، وفي ظل إصرار الأمريكيين على وضعها على طاولة المحادثات، فإن هذه المفاوضات يُتوقع أن تتخذ مساراً أكثر صعوبة وأن تستغرق وقتاً أكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى