إيران

تبادلٌ تجاري بالمليارات والتفاف على العقوبات..طبيعة رؤوس الأموال الإيرانية داخل تركيا؟

  على الرغم من النزاعات التاريخية والخلافات السياسية الجوهرية أو المحدودة الحالية بينهما إقليمياً ودولياً، تشهد العمليات التجارية والاقتصادية الرسمية وغير الرسمية ما بين تركيا وإيران نمواً ملحوظاً، خاصة خلال السنوات الأخيرة في ظل العقوبات الأمريكية والدولية الخارجية على إيران. فالمشهد السياسي التركي الإيراني يختلف بشكل كبير عن نظيره الاقتصادي.

  فإذا كانت إيران وتركيا لا تتفقان بشأن عدد من الملفات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، إلا أنهما من الناحية الاقتصادية لا يختلفان كثيراً. ومن الجدير الإشارة إلى أن طهران وأنقرة يتشابهان من الناحية السياسية في الإطار العام الذي ينفذان من خلاله سياستيهما في المنطقة. فإيران تهدد الأمن الإقليمي من خلال عملائها ووكلائها، وتركيا تقوم بالفعل نفسه من خلال دعم الميليشيات في عدد من المناطق من بينها ليبيا وسوريا، كما أن كليهما يستخدمان المذهب من أجل تحقيق أهدافهما البرجماتية.  

ومع ذلك، يشهد الجانب الاقتصادي اتفاقاً كبيراً ما بين الطرفين فتركيا تُعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لطهران، ويبلغ حجم التجارة المشتركة بينهما مليارات الدولارات الأمريكية، إلا أن هناك جوانب وملفات خفية وغير رسمية في العلاقات التجارية ما بين الطرفين، نحاول إيجازها فيما يلي:

 أولاً: حجم التجارة الرسمية ما بين إيران وتركيا

  يبدو أن هناك علاقة ما بين وقوع اضطرابات أمنية في المنطقة عام 2011 وارتفاع حجم التبادل التجاري بين أنقرة وطهران. فقد شهد حجم التبادل التجاري بين الطرفين في عام 2012 أعلى مستوياته بما يُقدّر آنذاك بـ 21.9 مليار دولار، إلا أنه بدأ في الانخفاض التدريجي، حيث وصل في عام 2013 إلى 14.5 مليار دولار، وعام 2014 بلغ 13.7 مليار. وبالنظر إلى معدل التبادل التجاري ما بين الطرفين منذ بداية العام 2018، يتضح أن هذا المعدل بدأ يأخذ اتجاهاً تنازلياً من الربع الثاني لعام 2019.

  فقد كانت العقوبات الأمريكية أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع المعدل التجاري ما بين الطرفين بدءاً من عام 2018، حيث انخفض من 10.7 مليار دولار عام 2018 إلى 5.6 مليار دولار عام 2019، أي أنه سجّل انخفاضاً بحوالي 50%. وفي أواخر عام 2019، قال رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية في تركيا، نائل أولباك، إن أنقرة ترغب في رفع حجم التبادل التجاري مع إيران إلى 30 مليار دولار سنوياً، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية ما بين الطرفين في الربع الأول من العام الجاري 2020 حوالي 645 مليون دولار، أي بانخفاض قدرُه 70% عن الربع الأول من 2019.   

  وبتشريح هذه الأرقام يتضح أن إيران صدّرت إلى تركيا بضائع بحوالي 270 مليون دولار أمريكي خلال الربع الأول من 2020، واستوردت إيران بحوالي 376 مليون دولار. ويعود السبب الرئيسي وراء هذا الانخفاض الكبير إلى انخفاض نسبة تصدير السلع النفطية الإيرانية إلى تركيا، بالإضافة إلى انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وإغلاق إيران حدودَها، حيث كان ميزان تجارة الطرفين في صالح طهران لسنوات عدة، إلا أنه تغير مؤخراً خاصة خلال الربعين الأخيرين من عام 2019.

ثانياً: التجارة “غير الشرعية” ما بين البلدين

 يمكن تفسيرُ طبيعة العلاقة التجارية ما بين إيران وتركيا بالنظر إلى عدة عواملَ من أهمها، حاجة إيران إلى منافذ تجارية للحصول على الأموال في ظل العقوبات المفروضة، أو بشكل أكثر دقة، حاجتها إلى “منفذ غير شرعي” للحصول على الأموال والسلع كذلك، حيث إن إيران تبادل تركيا باستيراد السلع منها، وتصريف بضائعها في ظل العقوبات، وهو ما يخالف القوانين الدولية، الذي يرمي من وراء ذلك إلى منع حصول إيران على الأموال؛ كي لا تقدم الدعم للميليشيات في المنطقة. كما أن تركيا هي الأخرى بحاجة إلى السوق الإيراني في ظل خسارتها أسواقاً وعلاقاتٍ مع دول مهمة وإقليمية في المنطقة؛ وذلك بسبب الدعم التركي للعديد من الميليشيات في المنطقة تهدد أمن هذه الدول.

  • أنقرة ودعم إيران للتهرب من العقوبات الدولية:

  وبالنظر إلى هذه العوامل والمتغيرات، تقوم تركيا بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الدولية والتهرب منها. أعلنت تركيا منذ عام 2018، وهو العام الذي بدأت الولايات المتحدة فيه استعادة فرض العقوبات على النظام الإيراني، عدم التزامها بهذه العقوبات وأنها سوف تستمر في تجارتها مع إيران، خاصة في مجاليّ النفط والغاز، الذي لا تستطيع تركيا الاستغناء عنه بسهولة. ومنحت الولايات المتحدة عدة دول إعفاءاتٍ للاستمرار في شراء النفط الإيراني عقب قرارها فرض عقوبات عليه، ثم أنهت هذه الإعفاءات طبقاً للمهملة المحددة وذلك العام الماضي حينما اضطرت تركيا إلى إغلاق موانئها أمام النفط الإيراني العام الماضي، إلا أن أنقرة عادت وقالت في 27 سبتمبر 2019 إنها “من المستحيل” أن تتخلى عن النفط الإيراني، ما يعني أنها لا تزال مستمرة في شرائه.

  • تورط مسؤولين كبار في تركيا في عمليات فساد من بيع النفط الإيراني:    

إن الأخطر من استمرار انتهاك تركيا للعقوبات المفروضة على إيران في مجال النفط، هو مساعدتها لطهران على التهرب منها من خلال قيام بنوك تركية بعمليات غسيل أموال واحتيال بمليارات الدولارات لعائدات النفط الإيراني يتلقى مسؤولون كبار في تركيا مبالغ كبيرة منها كرشى. ففي أكتوبر من العام الماضي، وجّهت وزارة العدل الأمريكية 6 تهم لبنك “خلق” المملوك للحكومة التركية ويتلقى دعماً شخصياً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشمل الاحتيال وغسيل الأموال والتهرب من العقوبات المفروضة على إيران في مجال النفط بمليارات الدولارات الأمريكية. وأكدت واشنطن العام الماضي أن هذه الأنشطة التركية تُعد تآمراً لتقويض نظام العقوبات الأمريكية.

  ومن أجل إخفاء عملياتها وجعلها طي الكتمان، أمرت أنقرة عام 2019 باعتقال تاجر الذهب التركي إيراني الأصل “رضا ضراب” الذي يُعد أحد أهم الشهود ضد المسؤولين الأتراك في قضايا غسيل الأموال والاحتيال المُقامة ضدهم في المحاكم الأمريكية؛ لانتهاكهم العقوبات على إيران. فـ “ضراب” طلبت أنقرة اعتقاله بسبب ما قالت “قيامه أعمال تجديد غير مشروعة في فيلا يملكها بإسطنبول”، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فالقضية كبيرة، ووفق ملفها حصل بنك خلق التركي على 20 مليار دولار من عوائد النفط الإيراني.

  وأفرجت واشنطن العام الماضي عن نائب المدير العام السابق لبنك “خلق”، محمد هاكان أتيلا، الذي يترأّس في الوقت الحالي بورصة إسطنبول التركية، إلا أن ضراب لا يزال موقوفاً. وفي إشارة أخرى منها على أنها متورطة في هذه العمليات، تضغط تركيا من أجل تغيير المدعي العام الأمريكي القائم على القضية “ريتشارد بيرمان”، ولكن الأخير يرفض ذلك.

  ثالثاً: تركيا تغير من قوانين الجنسية لجذب رؤوس الأموال الإيرانية:

  أجبرت العقوبات الأمريكية والأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة داخل إيران كثيرين من مواطني هذا البلد إلى الهجرة خارجه؛ تفادياً لما يمكن أن تسببه سياسات نظام طهران داخلياً وخارجياً من مشكلات أكبر لهم أولأموالهم في المستقبل؛ حيث إن العقوبات الأمريكية لا تزال تضرب الاقتصاد الإيراني، ولا تزال قيمة العملة في انهيار ومعدلات البطالة والتضخم مرتفعة.

  ومؤخراً، قال البنك المركز الإيراني إن أكبر موجة لهروب الأموال من إيران حدثت خلال العِقد الجاري، حيث تُقَدّر قيمة الأموال الهاربة من إيران خلال هذه الفترة بحوالي 100 مليار دولار أمريكي، طبقاً للإحصائيات الرسمية. وفسّرت صحيفة كيهان اللندنية في مقال لها بعنوان “الهروب الكبير من إيران”نشر الخمیس الماضی الموافق 27 أغسطس أسباب خروج هذه الأموال بأنها تعود لعدة أسباب من بينها الاقتصاد الفاسد، المخاطرة الكبيرة للاستثمار في إيران، القوانين المتشددة وصعوبة الحصول على تراخيص، التضخم، والانهيار المستمر في قيمة العملة الإيرانية (الريال).

   وتُعد تركيا واحدة من بين الدول الرئيسية التي يهاجر إليها الإيرانيون خاصة في الآونة الأخيرة، إذ بلغ عدد الإيرانيين المقيمين في تركيا، طبقاً لتقديرات هيئة الأمم المتحدة، 83 ألف شخص، كما قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية في أغسطس من العام الماضي 2019 إن معدل هجرة الإيرانيين إلى تركيا زاد بنسبة 150% خلال 6 أشهر فقط. وتعود أسباب هجرة الإيرانيين إلى تركيا للعوامل التالية:

  • لماذا يهاجر الإيرانيون إلى تركيا؟:

  إلى جانب الأسباب التي تخص الداخل الإيراني تحديداً، تبرز عدة عواملَ أخرى جعلت تركيا أحد الأهداف الرئيسية الخارجية للسفر لدى الإيرانيين، ومن أبرزها:

  • القرب الجغرافي، حيث ترتبط البلدن بحدود تبلغ حوالي 500 كيلومتر.
  • تسهيل تركيا عملية الحصول على الجنسية من خلال شراء عقار بمبلغ يُقدّر بـ 250 ألف دولار، وذلك حينما أعلنت أنقرة عن مخطط الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في شهر ديسمبر 2017، بحيث يُمنح الجنسية التركية أيُّ شخص ينفق أكثر من مليون دولار في مجال العقارات، وبسبب تفاقم المشكلات الاقتصادية التركية، خفضّت أنقرة في سبتمبر 2018 المبلغ إلى 250 ألف دولار.
  • الركود الذي شهده قطاع العقارات في تركيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، شجع الإيرانيين على الاستثمار فيه.
  • عدم شفافية النظام الضريبي التركي.
  • رغبة الشركات الإيرانية في الالتفاف على العقوبات الخارجية وكذلك سهولة قيامها بغسيل الأموال في تركيا.
  • حصول الإيرانين على جنسية أية دولة أخرى أياً كانت سوف ييسر لهم القيام بالعمليات التجارية على مستوى العالم؛ وذلك بسبب العقوبات الدولية التي تطال إيران وتحول دون ذلك. ومن الضروري التأكيد على أن رغبة الإيرانيين في الحصول على جنسية دولة مثل تركيا تنبع من رغبتهم كثيرين منهم في الانتقال إلى دول أخرى غير تركيا نفسها، لذا يمكن اعتبارها “ترانزيت” للإيرانيين.
  • الإيرانيون، المشتري الأول للعقارات في تركيا:

 أعلن مركز الإحصاءات التركي أواخر العام الماضي 2019 أن الأشهر التسعة الأولى من ذلك العام (من يناير حتى سبتمبر) شهد بيع أكثر من 32 ألف منزل في تركيا، وكان نصيب الإيرانيين من ذلك شراء أكثر من 3600 منزل، أي حوالي 11.25%، ليضيف  العام الجاري بأن تعداد العقارات التي اشتراها الإيرانيون خلال العام الماضي كله بلغ 5423.

  وأوضح المركز التركي أن هذا الرقم ازداد عن العام 2018 الذي اشترى فيه الإيرانيون حتى أغسطس من العام نفسه 2200 منزل في الداخل التركي بقيمة 550 مليون دولار أمريكي وبمتوسط سعر بلغ 160 ألف دولار، ليرتفع هذا العدد ويصل إلى 3652 وحدة في نهاية العام، ما يعني أن الإيرانيين اشتروا خلال الثلث الأخير من عام 2018 ما يقارب 1452 وحدة سكنية. وبذلك شهد عام 2019 ارتفاعاً بنسبة 48% مقارنة بـ 2018.

 ويُعد العراقيون والإيرانيون من أكثر الجنسيات الأجنبية التي تُقْدِم على شراء العقارات في تركيا، يليهم الروس، السعوديون، والكويتيون، ثم الأفغان. وتأتي إسطنبول على رأس المدن التي تشهد أكبر عمليات شراء للعقارات في تركيا، تليها أنقرة، أنطاليا، بورصة، مرسين، وقونية. وأوضح مركز الإحصاء التركي أن إسطنبول شهدت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي شراء 147 ألف و983 منزل. ويتراوح سعر العقارات في إسطنبول بين 200 ألف إلى 300 ألف ليرة تركية.

ج- فيروس كورونا المستجد لم يمنع الإيرانيين من شراء آلاف المنازل في تركيا:

  قال مركز الإحصاء التركي مؤخراً إن الإيرانيين اشتروا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري 445 عقار في تركيا، ليصبحوا الأكثر شراءاً بين نظرائهم ويسبقون العراقيين الذين اشتروا خلال الفترة نفسها 426 وحدة.

 وأوضحت البيانات الرسمية أن الإيرانيين قاموا خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري 2020 بشراء 3168 منزل، أي أنهم اشتروا خلال الفترة الممتدة من شهر أبريل وحتى يوليو من العام الجاري 2723 وحدة، ليصبحوا بذلك المشتري الأول للعقارات في تركيا في الوقت الحالي ويسبقوا العراقيين في ذلك. وأضاف تقرير أنقرة أنه في خلال أقل من 4 سنوات أسس الإيرانيون في تركيا 2721 شركة واشتروا 13 ألف و35 وحدة منزلية.

الاستنتاج

  مما سبق عرضُه، يمكن القول إنه على الرغم من الخلافات السياسية والمذهبية بين الطرفين، إلا أن طهران وأنقرة تربطهما مصالحُ اقتصاديةٌ كبيرة، أهمها النفط والغاز الذي لا يمكن للأخيرة الاستغناء عنه بسهولة من الجانب الإيراني؛ ذلك لأن البديل الآخر له هي روسيا التي لا تتمتع بعلاقات جيدة معها، كما أن القرب الجغرافي ما بين إيران وتركيا يسهل من عملية نقله بالنظر إلى بُعد روسيا جغرافياً عنها. فكلا الطرفين يحتاج إلى الآخر في الوقت الحالي، اقتصادياً وكذلك سياسياً.

  فبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية التي سبق التطرق إليها، يعمل الطرفان على تنسيق العمل سوياً في عدد من الملفات الإقليمية، على الرغم من الخلافات الجوهرية داخلها، كسوريا، العراق، ويحاولان اقتسام بالنفوذ في بعض هذه المناطق. ورغم ذلك، لا يمكن الجزم بأن مثل هذا التعاون سوف يستمر بهذا الشكل مستقبلاً؛ ذلك لأن العقوبات الأمريكية ورغبة إيران في التهرب والالتفاف عليها تلعب دوراً كبيراً في الاستثمار والتجارة بين الطرفين، إلى جانب المتغيرات الإقليمية والدولية.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى