أفغانستان

“أمير المؤمنين” في كابول و”الولي الفقيه” في طهران.. ماذا نفهم من تشكيلة “طالبان” الوزارية في أفغانستان؟

في السابع من سبتمبر الجاري، أعلنت حركة “طالبان” الأفغانية رسمياً عن التشكيلة الوزارية الأولى لها بعد إحكام سيطرتها على العاصمة كابول في 15 أغسطس الماضي. وفي مؤتمر صحفي في اليوم ذاته، قدّم المتحدث باسم الحركة “ذبيح الله مجاهد” ، أسماء الأعضاء من الوزراء والنواب والمسئولين في الحكومة الجديدة قائلاً إنها “حكومة تصريف أعمال مؤقتة”.

وجاء الملا “محمد حسن آخوند” رئيساً للوزراء، والذي شغل بدوره قبل ذلك منصب وزير الخارجية في حكومة “طالبان” الأولى (1996-2001)، ثم تولى منذ الإطاحة بها من الحكم رئاسة أقوى هيئة بالحركة والمسؤولة عن اتخاذ القرار فيها، ألا وهو مجلس القيادة. ويُعد حسن من المقربين بشدة لزعيم الحركة “هبة الله آخوند زاده”.

وشمل إعلان “طالبان” ما مجموعه 33 اسماً ما بين رئيس الوزراء ونائبيه إلى جانب الوزراء ونوابهم وبعض أبرز المسئولين الآخرين. وعلى أي حال، جاء جميع وزراء “طالبان” من الحركة نفسها، ولا يبدو أن هذه الاسماء سيتغير الكثير منها لاحقاً، بحكم أنها تصريف أعمال في الوقت الراهن، حيث إن جميع قادة الحركة قد تشاوروا كثيراً خلال الأيام الماضية لتقديم هذه القائمة، كما أن هذه الاسماء تُعد من بين الأبرز داخل الحركة وتعكس معادلة توازن القوى الداخلية بها فيما يتعلق بتقسيم الأدوار، وبشكل قوي للغاية.

وعليه، فقد كانت أبرز الأسماء المعلنة الأخرى إلى جانب الملا حسن:

  • الملا عبد الغني برادر، نائب رئيس الوزراء.
  • مولوي محمد يعقوب مجاهد، نجل مؤسس الحركة الملا محمد عمر، قائماً بأعمال وزير الدفاع.
  • مولوي فصيح الدين، قائداً للجيش.
  • الملا سراج الدين حقاني، قائماً بأعمال وزارة الداخلية.
  • أمير خان متقي، وزارة الخارجية.
  • عبد الحق وثيق، رئيساً للمخابرات.
  • حاجي محمد إدريس، رئيساً للبنك المركزي.
  • قاري دين محمد حنيف، وزارة الاقتصاد.
  • الملا هداية الله بدري، وزارة المالية.

(جميع اسماء الوزراء والمسئولين حسبما نشرت “طالبان”)

وإذا ما أمعنا النظر في الهيكل السياسي لحكم “طالبان”، حسب إعلانها في السابع من سبتمبر، إلى جانب هويات مجلس الوزراء “الطالباني” الجديد، فسوف نستنتج ما يلي من دلالات:

“ولاية فقيه سنية” في أفغانستان

يشير إعلان “طالبان” الجديد لتشكيلتها الوزارية، إلى جانب “دستورها” الصادر عام 2005، إلى أن نظاماً ثيوقراطياً دينياً جديداً قد تشكل في أفغانستان. ويتشابه هذا النظام بشكل أو بآخر مع نظيره في إيران، على الرغم من اختلاف منطلق الحكم السياسي والقاعدة الدينية المذهبية لكليهما.

فإذا كان المرشد الأعلى في إيران، وبحسب دستورها، هو السياسي ومتخذ القرار الأهم في الدولة، فإن نظام الحكم الجديد في أفغانستان، الذي أعلنت عنه “طالبان” مؤخراً، يضع زعيم الحركة أو ما يطلقون عليه “أمير المؤمنين” في أعلى هرم السلطة داخل الحركة وفي كابول أيضاً. وعليه، فإننا سوف نجد “هبة الله آخوند زاده” رئيساً فعلياً لما تسمى بـ “إمارة أفغانستان الإسلامية” وآية الله علي خامنئي صاحب القرار الأبرز في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

مناصفة بين “طالبان” و”حقاني”… الجيش للحركة والداخلية للشبكة

لا تدع القائمةُ الوزارية المعلن عنها، والمُشار إليها هنا، أي شك في أن الحكم داخل أفغانستان سيكون مناصفة بين حركة “طالبان” وشبكة “حقاني”، التي تُعد إحدى أذرع الحركة الضاربة وأكثرها تطرفاً. إذ أن عناصر “حقاني” يُعرفون بأنهم الأشرس في القتال بين جميع أعضاء “طالبان”، إذ أكدت تقارير عدة أنهم المسئولون عن تنفيذ هجمات إرهابية وصفت بالـ”معقدة”
 داخل أفغانستان استهدفت الجيش ومنشآت عسكرية إلى جانب القوات الأمريكية.

ووصف تقريرٌ لمراقبي الأمم المتحدة صدر في شهر يونيو 2021 عناصر “حقاني” بأنهم القوات الأكثر جهوزية للقتال” في صفوف “طالبان”. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تعتبر قادة الشبكة أخطر الإرهابيين على مستوى العالم، وتعرض ملايين الدولارات لاعتقالهم، كما صنفت واشنطن شبكة “حقاني” عام 2011 منظمة إرهابية.

وعند قراءة تشكيلة “طالبان” الوزارية الأخيرة، سنجد أن القائد الفعلي لشبكة “حقاني”، سراج الدين حقاني نجل المؤسس جلال الدين حقاني الذي سُميت الجماعة باسمه، قد صار وزيراً للداخلية، وتولى نجيب الله حقاني حقيبة الاتصالات، وخليل الرحمن حقاني المصنف إرهابياً من قِبل الولايات المتحدة عام 2011 لوزارة شئون المهاجرين. ويُشار أيضاً إلى أن سراج الدين من أبرز المطلوبين لدى واشنطن.

وعلى الجانب الآخر، سيطر “الطالبانيون” على الأمور العسكرية والجيش، فأصبح نجل مؤسسها محمد يعقوب قائماً بأعمال وزير الدفاع، وصار ما يُقال إنه رئيس العمليات العسكرية للحركة “مولوي فصيح الدين” قائداً للجيش.

ولذا، فإن التقسيم الواقعي للأدوار داخل حكومة “طالبان” يُظهر أن الأخيرة سيطرت على الجيش والأمور العسكرية، بينما تولت “حقاني” مسائل الأمن الداخلي، ما يعني مناصفة الحكم بين الطرفين.   

انتصار باكستاني ومأزق إيراني

تحمل التشكيلة الوزارية الجديدة لـ”طالبان” بعض الدلالات على المستوى الإقليمي. فكما سبق القول، سيطرت “طالبان” و”حقاني” فقط على جميع المناصب السياسية والأمنية والعسكرية والمالية وغيرهم، بينما لم تشارك أية قوميات أو طوائف أخرى بها.

وأخذاً في الحسبان انتماء “طالبان” و”حقاني” لقومية البشتون القريبة من باكستان منها لإيران وإقامة كثيرٍ من قادة الحركة والشبكة في باكستان وخاصة في مدينة كويتا الباكستانية وما يُثار من وجود علاقات بين “حقاني” وباكستان، حسبما أشار إلى ذلك الأدميرال الأمريكي السابق مايك مولن واعتبرها “الذراع الحقيقية” لباكستان، إضافة لعدم توافق الحركة والشبكة مع المسلمين الشيعة، سنجد أن مستقبل النفوذ الباكستاني داخل الحكومة الجديدة لـ”طالبان”، المرجح ألا يتغير كثيرٌ من أعضائها في وقت لاحق، بات أوضح بكثير من نظيرتها إيران.

بل يمكننا القول إن باكستان قد تصبح في المستقبل القريب أكثر دول العالم نفوذاً داخل هيكل الحكومة الأفغانية الجديدة، وأن أي مستقبل لنفوذ ذي ثقل لإيران، المنافسة لإسلام آباد داخل الأراضي الأفغانية، بات غامضاً أكثر من كونه ضبابياً للغاية. حيث إن “طالبان” تعادي في جميع الأحوال الحكومة الإيرانية لأسباب عدة قومية ومذهبية وتاريخية أيضاً.

 أجراس الخطر

إلى جانب خلو قائمة وزراء “طالبان” من النساء، فقد غلب على تشكيلتها انتماءُ وزرائها لقومية البشتون واستبعاد القوميات والطوائف الأخرى كالطاجيك والأوزبك والهزارة، المقربين عرقياً ومذهبياً من إيران.

ويُحتمل لهذا السبب، ولعوامل أخرى، ألا تستقر الأوضاع السياسية في أفغانستان في قادم الأيام، خاصة وأن نجل قائد “تحالف الشمال” السابق أحمد مسعود أعلن إصراره برفقة زعماء آخرين على مقاومة “طالبان”، كما أن ما أثير مؤخراً من استيلاء الأخيرة على معقل المعارضة في وادي “بنجشير” شمالاً ينذر بتجدد معارك مسلحة بين قوميات الطاجيك والأوزبك من جانب وحركة “طالبان” من جانب آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى