دول الخليج العربيإيران

كأس العالم والمفاوضات النووية.. ماذا وراء زيارة أمير قطر إلى إيران؟

قام أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اليوم بزيارة إيران، وذلك تزامنًا مع تحولات متتابعة على مستوى العلاقات الثنائية وداخل الإقليم، وبموازاة تحركات دولية أخرى أيضًا لتحريك مياه المفاوضات النووية الراكدة في العاصمة النمساوية فيينا. وتستمر هذه الزيارة لمدة يوم واحد من المقرر أن يلتقي خلالها تميم بالرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، في طهران. 

ومثلما لا تأتي هذه الزيارة منفصلة، كما تمت الإشارة، عن التحولات السياسية والطموحات الاقتصادية التي تعني الطرفين، فإنها تُعد جزءًا لا يتجزأ من جملة الزيارات واللقاءات التي يعقدها الطرفان منذ أشهر قليلة مضت، فضلًا عن أنها ذات علاقة أيضًا بمرحلة ما بعد (كوفيد-19) عند النظر إلى سعي طهران-الدوحة لتعزيز التعاون الاقتصادي. وعليه، نتطرق فيما يلي إلى الأهداف من وراء زيارة الأمير تميم إلى العاصمة طهران.

الوساطة لحل معضلة رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب

لعبت قطر دورًا رئيسًا، إلى جانب عدة دول أخرى حول العالم، في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة على وجه الخصوص، من أجل تفكيك الأزمات المتتالية التي واجهت طريق المفاوضات النووية بين إيران والقوى الكبرى منذ انطلاقها في أبريل 2021.

تزايد في معدل الزيارات بين الإيرانيين والقطريين 

وفي هذا الصدد، نلاحظ أن معدل الزيارات بين الإيرانيين والقطريين قد ارتفع إلى مستوى غير مسبوق منذ انطلاق المحادثات النووية الدولية مع إيران في فيينا. إذ إن جميع هذه التحركات والزيارات المتبادلة تركز في أحد جوانبها على هدف الدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق نووي في النهاية، في ظل عزم جميع الأطراف المتفاوضة في فيينا على انعقاد الاتفاق لأسباب كثيرة، لعل أبرزها سعي الغرب إلى منع طهران من التوصل لسلاح نووي وعدم اضطرار الدول الكبرى إلى اللجوء للخيار العسكري معها.

أما من جانب إيران، فإن الهدف الأبرز والأكثر أهمية هو تحسين الحالة الاقتصادية ولو نسبيًا بالداخل؛ في ظل تواصل العقوبات الدولية عليها والتي تطال العديد من أوجه الحياة اليومية.

ولذا، نجد أن: 

  • وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، زار إيران في 27 يناير 2022.
  • الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، زار قطر يوم 21 فبراير الماضي، والتقى الأمير تميم.
  • عقد الجانبان عدة محادثات هاتفية بالتزامن مع ذلك من بينها تلك التي جرت بين وزير الخارجية القطري الحالي ونظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، في 12 مارس الماضي. 

وكانت هذه المحادثات ترمي على التوالي إلى وضع نهاية لعثرات تمثلت في الخلاف الإيراني الغربي بشأن رفع العقوبات عن إيران، والمطلب الروسي الذي وضعته موسكو بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا في 24 فبراير 2022 والذي كان يتمحور حول ضرورة استمرار التجارة بين إيران وروسيا بعد الإعلان عن الاتفاق النووي المتوقع في ظل العقوبات الغربية ضد روسيا. 

معضلة الحرس الثوري 

لقد جاءت زيارة الأمير تميم إلى إيران في 12 مايو الجاري في هذا الإطار وضمن هذه المحاولات الرامية إلى ذوبان الجليد النووي بين إيران وواشنطن. حيث لا تزال قضية المطلب الإيراني المتعلق بإزالة اسم الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية التي تصنفها وزارة الخارجية الأمريكية تمنع إحداث تقدم جديد في المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+1) والتي بدورها تنعقد بغرض التوصل لاتفاق نووي.

فمنذ شهر مارس الماضي، توقفت الجولة الثامنة من المحادثات النووية في فيينا التي لم تشهد أي تقدم منذ ذلك الوقت، بل إن بعض الدبلوماسيين والسياسيين في إيران والغرب بدأوا في طرح قضية “انهيار المفاوضات النووية” تمامًا، علاوة على وضع الخيار العسكري على الطاولة، وهو التوجه الذي تميل إليه إسرائيل. وتواجه الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي موجة معارضة واسعة من الداخل، خاصة من جانب الكونجرس، لإزالة الحرس الثوري من القائمة. ويتفق بشأن هذه المعارضة النواب الجمهوريون والعديد من النواب الآخرين الديمقراطيين. 

ومع تزايد الخلافات بشأن هذه القضية، بدأت المنظمات الدولية المعنية والدول الأوروبية محاولة إيجاد مخرج لهذا الأمر عن طريق الوساطة. وهم يرغبون من ذلك بالأساس في إقناع إيران قبول الإعلان في الوقت الراهن عن الاتفاق النووي وتأجيل مسألة رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب إلى وقت آخر. وعليه، فإن أهداف زيارة الأمير القطري إلى إيران تتمثل في الوساطة بهذا الشأن. فقد سبق لقطر القيام بدور مثيل خلال الأشهر الماضية فيما يخص هذه المفاوضات. 

“انريكي مورا” والأمير تميم في طهران 

تتزامن زيارة الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني مع أخرى يقوم بها في الوقت نفسه، منذ الثلاثاء 10 مايو، مفاوضُ الاتحاد الأوروبي المسؤول عن تنسيق المحادثات النووية الإيرانية في فيينا، إنريكي مورا، إلى العاصمة طهران من أجل دفع المفاوضات النووية إلى الأمام.

فقد أجرى المسؤول الأوروبي مباحثاتٍ مع كبير مفاوضي إيران، علي باقري، في 12 مايو، في حين أعلنت إيران مسبقًا عن ترحيبها بهذه الزيارة قائلة إنها قد تحقق تقدمًا في مسار المفاوضات.

لذا، فإن زياري تميم ومورا إلى إيران تهدفان معًا لتحقيق انفراجة قريبة في المحادثات النووية وحل مشكلة رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب والدفع بإمكانية تأجيل هذا المطلب الإيراني إلى وقت لاحق والإعلان مؤقتًا عن الاتفاق النووي في الوقت الحالي.

تعزيز التعاون الاقتصادي خاصة في مجال الكهرباء

خلال الأعوام الأخيرة، بدا بشكل واضح أن إيران وقطر تسعيان جديًا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، خاصة في مجال الطاقة. ويتمحور أحد الأهداف المهمة لزيارة الأمير تميم إلى إيران حول السعي إلى التوقيع على عددٍ من الاتفاقيات المهمة في المجال الاقتصادي. وفي هذا الإطار، ترتبط زيارة تميم بشكل وثيق بأهداف زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي الأخيرة إلى الدوحة في فبراير 2022. وبعبارة أخرى، تُعد هذه الزيارة استكمالًا لسابقتها.

فقد وقّع القطريون والإيرانيون خلال زيارة “رئيسي” المُشار إليها على 14 وثيقة تعاون في مجالات السياسة الخارجية، والإعلام، والرياضة، والنقل، والكهرباء، والتعليم والثقافة، وهو ما يريد الطرفان استكماله الآن. وشملت أوجه التعاون هذه توقيعَ الطرفين على 6 اتفاقيات للتعاون في مجال الكهرباء وقع عليها آنذاك وزير الطاقة الإيراني الذي كان بصحبة “رئيسي”. وتخطط قطر لتوسيع مجال تعاونها مع طهران فيما يخص مجال الكهرباء على وجه الخصوص.

تعاون إيراني قطري لتنظيم كأس العالم 2022:

تخطط إيران بشكل جدي للتعاون مع دولة قطر في تنظيم فعاليات كأس العالم لكرة القدم 2022 الذي يُقام في قطر شهر نوفمبر المقبل. إن المسؤولين الحكوميين في إيران يطرحون هذه الفكرة في الداخل منذ أشهر من أجل تعزيز قطاع السياحة المحلي في إيران والحصول على عوائد اقتصادية من خلال مشاركتها في هذه الدورة التي تُعقد كل 4 سنوات.

وتعتزم طهران خلال أيام انعقاد هذا الحدث إقامة معارض تجارية مشتركة والمساهمة في تأمين المواد الغذائية وإقامات السياح الأجانب. ففي يوم 12 أبريل 2022، عقد النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد مخبر، جلسة مع المسؤولين الحكوميين المعنيين في إيران وبعض رجال الأعمال النشطين في مجال القطاع الخاص بالبلاد، أكد خلالها على أن بلاده حددت 70 مجالًا ممكنًا للتعاون مع قطر فيما يتعلق بتنظيم كأس العالم في نوفمبر المقبل. 

وأشار مخبر إلى أن هذا التنسيق يُعد “فرصة مناسبة” لتعزيز العلاقات طويلة الأمد بين البلدين في مجالات مختلفة”، مؤكدًا على أن البلاد قامت باتخاذ خطوات محلية في إيران في هذا الصدد من حيث تكليف المختصين من شركات وأفراد. ويشارك المنتخب الإيراني لكرة القدم في كأس العالم في قطر، للمرة السادسة في تاريخه.

تبادل السجناء والإفراج عن أموال إيرانية:

بعد زيارته إلى إيران، يعتزم أمير قطر السفر إلى عددٍ من الدول الأوروبية. ومن المتوقع أن تشمل أهداف هذه الزيارات التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن مستقبل المفاوضات النووية مع إيران للتوصل إلى اتفاق بشكل سريع. 

وفي هذا السياق، سوف يتطرق المسئولون القطريون إلى ملفاتٍ أخرى ذات صلة وأهمية للمفاوضين في فيينا من بينها تبادل السجناء بين إيران والدول الغربية، إلى جانب الترتيب للإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في الخارج. 

وتستحوذ مسألة الإفراج هذه على أهمية كبيرة بالنسبة لإيران ومطالباتها لمواصلة المفاوضات النووية، خاصة وأن الحكومة الإيرانية أعادت التشديد مرة أخرى على ضرورة تحقق هذا المطلب، وذلك بعدما لفت المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، الأسبوع الجاري إلى ضرورة حدوث ذلك قائلًا “إن ما استطيع قوله هو أننا لن ننتظر بشأن الإفراج عن أموالنا المجمدة في الخارج طرفًا ثالثًا”، مشيرًا إلى أن “بعض الأطراف الثالثة ومن بينها الولايات المتحدة تربط مسألة الإفراج عن هذه الأموال بقضايا مثل نتائج مفاوضات فيينا”. 

الخلاصة

تلعب قطر دورًا وسيطًا في المفاوضات النووية بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتحدة دفعها خلال الأشهر الماضية إلى تعزيز الاتصالات بالجانب الإيراني. وإلى جانب هذا، يدفع تخطيط طهران والدوحة لتعزيز التعاون في العديد من المجالات الاقتصادية والتجارية الجانبين إلى تعزيز التواصل المشترك بينهما، خاصة في مجال نقل الطاقة والكهرباء. بجانب أن المكاسب التي قد تجنيها إيران من وراء الانخراط في الترتيب لفعاليات كأس العالم 2022 في قطر تكثف من هذه اللقاءات المشتركة بين مسئولي البلدين في الوقت الراهن.  ومن هنا، نستطيع تفهم دوافع زيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الأخيرة إلى العاصمة طهران. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى