إيران

الأمن القومي الإيراني وأزمة “ناغورني قره باغ” ..لماذا تخشى إيران من توسع دور أذربيجانَ؟

في مقالٍ نشرته صحيفةُ “مردم سالاري (الديمقراطية)” الإيرانية الناطقة بالفارسية يوم الأحد الموافق 4 أكتوبر 2020 تحت عنوان “أزمة القوقاز لا تزال مستمرة، تهديدات نزاع “ناغورني قاره باغ” تجاه إيران“، أثيرت تساؤلاتٌ تتعلق بمستقبل النزاع الدائر ما بين أرمينيا وأذربيجان، وذلك في حالة تحقيق الثانية انتصار وتوسع حدودها، ونتائج ذلك على الأمن القومي الإيراني.

تقول الصحيفة إن “انتصار جمهورية أذربيجان في المعركة الحالية يمكن أن ينتهي بتوسع حدود إيران مع هذه الدولة بحوالي 130 كيلومتراً”، في الوقت الذي يبلغ فيه طول الحدود الحالي حوالي 430 كيلومتراً. وتفسر الصحيفة القلقَ الإيراني من منطلق تهديد الأمن القومي لطهران في حالة تحوّل أذربيجان لمنافسٍ قوي على الحدود.

 وفي ضوء هذه المقالة، نتطرق فيما يلي إلى المخاوف الإيرانية تجاه هذه الأزمة من منطلق  توسع نفوذ أذربيجان وسيناريو تحولها لقوة إقليمية حال انتصارها في صراعها مع أرمينيا وكذلك أخذاً في الحسبان علاقاتها غير العادية مع بعض الفاعلين في الإقليم.

طبيعة العلاقات الإيرانية الأذربيجانية

  رغم العلاقات طويلة الأمد بين إيران وأذربيجان، اللتان كانتا في يوم من الأيام ضمن إمبراطورية واحدة، ومع أن أذربيجان كانت الأساس الذي انطلقت منه الديانة الزرادشتية إلى باقي مناطق إيران الحالية، إلا أنها تتسم في الوقت الحاضر بالتوتر والشكوك المتبادلة، ليس فقط منذ مجئ النظام الجديد الذي يحمل الصبغة المذهبية عام 1979، ولكنها تعود إلى القرن التاسع عشر حينما انفصلت أذربيجان عن إيران القاجارية.  

 ومنذ هذا الوقت على وجه التحديد، بدأت العلاقات تسوء تدريجياً؛ بسبب الحساسية الشديدة في الأطر والأنظمة التي تحكم البلدين، إضافة إلى عددٍ آخرَ من العوامل الجغرافية، القومية، الاجتماعية، الإقليمية، والدولية. فإيران تولّى مقاليدَ السلطة فيها رجالُ الدين في حين كانت أذربيجان تحت الحكم السوفيتي منذ عام 1920، ما يعني أن نظاميّ الحكم مختلفين تماماً.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر عام 1991، بدا أن أذربيجان باتت في مواجهة مباشرة غير معلنة وكامنة لم تتبلور مع نظام طهران؛ الذي لم ينس يوماً أن أذربيجان كانت جزءاً من إيران، وأن عدد الآذريين داخل “إيران اليوم” أكبر من المقيمين في الوطن الأم.  

  إن محفزات التوتر في العلاقات الأذربيجانية الإيرانية تظهر جلية وتلقي بظلالها عند الحديث عن القضايا المشتركة التي تربط الطرفين، ومن أبرزها قضية النزاع ما بين أذربيجان وأرمينيا بشأن إقليم  ناغورني قاره باغ”. فالنظام الإيراني الثيوقراطي شيعي المذهب لا يبدي دعماً لأذربيجان التي تقطنها أغلبية شيعية هي الأخرى في نزاعها مع أرمينيا التي يدين شعبُها بالديانة المسيحية. ووراء ذلك تكمن مخاوفُ يراها النظام في طهران مهدداً له وللأمن القومي الإيراني بشكل عام، وهو ما سنتناوله فيما يلي.

قلق النظام الإيراني من نجاح نموذج شيعي عِلماني مجاور

 في ظل الفشل الداخلي الذي يواجهه النظامُ الإيراني على الناحية الاقتصادية، الاجتماعية، والمعيشية، خاصة منذ نهاية حربه مع العراق (1980-1988) والتي لم تعد تعطيه مبرراً للانتظار، ومع الاحتجاجات المستمرة من قِبل الإيرانيين، يستحوذ على النظام الإيراني قلقٌ من ميل الإيرانيين إلى تكرار التجربة الأذربيجانية محلياً، حتى وإن اختلفت في تفاصيلها.

التجربة الاقتصادية والسياسية لباكو

 فالشيعة في أذربيجان تبلغ نسبتهم حوالي 70-90% بحسب معظم التقارير، وذلك من بين عدد سكانٍ يبلغ حوالي 10 ملايين و205 آلاف شخص. وتأخذ أذربيجان شكلَ نظام الحكم الرئاسي بقيادة الزعيم إلهام علييف الذي خلف أباه حيدر علييف منذ 2003.   

 ما سبب قلقاً لدى نظام طهران من ميل الإيرانيين إلى نظام حكم مماثل لباكو هو ما استطاعت أذربيجان تحقيقه من معدلات نمو محلي مرتفعة منذ استقلالها عام 1991 ومواجهة معدلات الفقر والبطالة وتوجيه إيرادات النفط والغاز لتطوير البنى التحتية بدلاً من إرسالها لدعم الميليشيات المسلحة في الخارج.

 فقد تطورت أذربيجان بشكل واضح منذ عام 1995 لتتحول من النمو السلبي في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى نسبة تقترب من 10% خلال السنوات العشر التالية لانهيار الاتحاد السوفيتي، بل إن النمو ما بين عاميّ 2004 و2008 بلغ تقدماً بأكثر من 30%.واستطاعت أذربيجان خفض معدل البطالة خلال السنوات العشر الماضية من 5.6% عام 2010 إلى حوالي 4.8% عام 2020.

  أما إيران، فإن معدل البطالة بها خلال السنوات العشر الماضية قد تراوح، حسب الإحصاءات الرسمية، بين حوالي 12-13% ولم يشهد انخفاضاً إلا بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع القوى الكبرى عام 2015، ثم عاد في الارتفاع مجدداً عام 2018 بعد إعادة فرض العقوبات الخارجية عليها ليصل إلى المعدل نفسه. ويجب الأخذ في الحسبان عند النظر إلى هذه البيانات أنها صادرة عن الحكومة في طهران، في الوقت الذي تشكك فيه العديد من التقارير في صحتها. وعلى الجانب الآخر، تبلغ نسبة السكان الذين يقعون تحت خط الفقر في أذربيجان حوالي 5%، بينما تقول الإحصائياتُ الرسمية في طهران إنها بلغت في جميع أنحاء إيران حوالي 30-40%.     

 وعلاوة على ما سبق، يعاني الإيرانيون من سطوة النظام الديني الذي يفرض عليهم إجراءات لا يتقبلها الكثيرون، خاصة في الوقت الحالي وظهور جيل جديد من الشباب. وما يؤكد ذلك هي الاحتجاجات المتكررة للإيرانيين ضد قوانين كفرض الحجاب أو استغلال العامل الديني في الحصول على الأموال. وفي استطلاع للرأي بعنوان “نظرة الإيرانيين تجاه الدين” أجرته منذ أسابيع مؤسسة “جمان” الإيرانية ومقرها في هولندا، تبين أن أكثر من 50% من المواطنين في إيران تحولوا بشكل أو بآخر خلال السنوات الماضية إلى رفض الدين بشكل عام، وذلك كردة فعل ونتيجة غير مباشرة لما يعانونه.

إن توسّع أذربيجان وتحقيقها انتصاراً على أرمينيا في قضية قرة باخ سوف يعزز من النموذج العلماني الأذربيجاني في أذهان الإيرانيين وأمام أعينهم وسيكون دافعاً إضافياً لهم على معارضة النظام الحالي.  

مطالبة الأذريون في إيران بالانفصال

 يمثل الأذريون أكبر أقلية قومية في إيران بحوالي 16% بعد الفرس الذين يمثلون حوالي 61% من العدد الإجمالي للسكان في إيران. ولا يرى الأذربيجانيون في إيران، الذي يتمركزون في الشمال الغربي المجاور للبلد الأم، أنفسهم كإيرانيين بل كعرقية تركية يربطها فقط بإيران المذهب. وإن كان مشروع الانفصال الآذري عن إيران لا يتردد كثيراً على الألسنة أو وسائل الإعلام كالمشروع الكردي أو العربي، إلا أن هذا السيناريو لا يزال مطروحاً وله خلفيته التاريخية.

فقد ظهرت عام 1946 “جمهورية أذربيجان الشعبية” تحت الرعاية السوفيتية آنذاك، إلا أن المفاوضات التي قادها رئيس الوزراء الإيراني في ذلك الوقت “أحمد قوام” والمباحثات بين الولايات المتحدة وموسكو قادت إلى إعادة الوضع كما كان عليه. وعلى أي حال، فإن ملف الانفصال الأذربيجاني يظل قضية تؤرق إيران بشكل عام، وإيران في العقل الأذربيجاني “تضم أجزاءً من الوطن الأذربيجاني الأكبر”. وعليه، فإن تحول أذربيجان إلى قوة إقليمية سوف يعزز من الشعور القومي لدى الأذربيجانيين داخل إيران ومطالبتهم بالانضمام للوطن الأم.

التحالف التركي الأذربيجاني في مواجهة إيران وروسيا

 تدعم تركيا في الوقت الحالي الجانب الأذربيجاني في صراعه مع أرمينيا بشأن إقليم “ناغورني قاره باغ” ذلك لأن تركيا، إلى جانب خلافاتها مع أرمينيا، تعتبر الأذربيجانيين أتراكاً، كما يصف الأذربيجانيون هم كذلك أنفسهم. وتربط تركيا بأذربيجان علاقاتٌ اقتصادية كبيرة إلى جانب دعم أنقرة لباكو عسكرياً. فعلى سبيل المثال، أعلنت تركيا عقب الاشتباكات التي اندلعت بين أذربيجان وأرمينيا عام 2017 أنها ستدعم باكو “حتى النهاية” في صراعها مع أرمينيا.

 وعلى الجانب المقابل، تدعم طهران أرمينيا حتى ولو لم يظهر ذلك علناً؛ خشية قلاقل الداخل من احتجاج الأذربيجانيين الإيرانيين. وتتعدد أسباب الدعم الإيراني لأرمينيا من بينها علاقة باكو بإسرائيل والغرب، ومحاولة طهران إضعاف أذربيجان خشية تنامي الشعور القومي للأذربيجانيين في إيران أو لعب أذربيجان أي دور إقليمي مؤثر. ومن ناحية أخرى، تتفق روسيا مع إيران في دعم أرمينيا التي تُعد حليفاً إستراتيجياً قوياً لموسكو، كما أن روسيا لديها قاعدة عسكرية في أرمينيا.

 وعلى ذلك، تخشى إيران من تحقيق أذربيجان أي انتصار واسع  أو تمددها جغرافياً؛ كي لا يتوسع العدو والخصم التاريخي وهو تركيا، ذلك لأن توسعاً أذربيجانيّاً يعني في النهاية تمدد النشاط التركي ومحاصرته لإيران، حتى ولو حققت أنقرة وطهران انفراجة مؤقتة في العلاقات الثنائية في الوقت الحالي. ويتشابه الأمر مع روسيا التي تنظر إلى تمدد الدور التركي في منطقة القوقاز كخطر عليها.

العلاقات الإسرائيلية الأذربيجانية

تمثل العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية أحد أهم وأبرز أسباب الرفض الإيراني لتعزيز الدور الإقليمي لأذربيجان. فالعلاقات بين الجانبين تتسم بالقوة، حيث اعترفت إسرائيل باستقلال أذريجان عام 1991 وفتحت سفارة لها في باكو بعدها بعامين.

وتُعد إسرائيل من بين أكبر 5 شركاء تجاريين لأذربيجان والأخيرة أكبر مورد للنفط لها بحوالي 40% من استهلاك إسرائيل السنوي، والذي يصل إليها عبر تركيا. وتُعد أذربيجان أحد المستوردين الرئيسيين للأسلحة العسكرية الإسرائيلية. وعلاوة على ذلك، يرتبط الجانبان بعلاقات استخباراتية قوية.

 عزز كل ذلك مخاوف الجانب الإيراني من اقتراب إسرائيل من حدودها أو التجسس عليها وتعزيز النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي داخل إيران. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن العديد من التقارير قالت إن حصول عملاء الاستخبارات الإسرائيلية على 55 ألف وثيقة سرية وقرص مدمج متعلقين بالبرنامج النووي الإيراني من داخل منشأة سرية في طهران عام 2018 جاء من خلال عبورهم الأراضي الأذربيجانية، مما ساهم في ازدياد المخاوف الإيرانية من علاقات أذربيجان مع إسرائيل.

الخلافات حول بحر قزوين

إلى جانب ما تم ذكره، تختلف إيران وأذربيجان حول تقسيم ثروات بحر قزوين خاصة إثر ظهور دولٍ جديدة مطلة عليه بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي. وتتمحور المشكلات حول تحديد الوضع القانوني للبحر، هل هو خاضع للقانون البحري الدولي وبالتالي يُقسم حسب طول سواحل كل دولة عليه، أم أنه يجب أن يُعامل معاملة البحيرة المغلقة وتقسم ثرواتُه بالتساوي بين إيران وأذربيجان إلى جانب (روسيا، كازاخستان، وتركمنستان). وترى إيران أن يتم تنفيذ الحل الثاني أفضل لأن سواحلها على البحر لا تزيد عن 11%.

 وهنا، فإن تحول أذربيجان إلى دولة إقليمية أقوى سيعزز من فرض سيطرتها على البحر أو على الأقل تطور منافسة أشرس مع إيران في هذا الصدد.

ختاما

إن النظام الإيراني لن يسعى أبداً إلى تبدل أذربيجان إلى قوة إقليمية قوية؛ حتى لا يفقد جزءاً من دوره إقليمياً، أو على الأقل كي لا يتم تهديد هذا الدور بشكل جدي، أو أن يتم تهديد بقاء النظام نفسه داخلياً، خاصة وأن شيعة أذربيجان يتبعون مرجعية النجف الممثلة في رجل الدين العراقي علي السيستاني، مما فاقم من الخلافات بين الطرفين.

وبالنظر إلى أزمة “ناغورني قاره باغ”، يمكن القول إنه بالنظر إلى العوامل التي سبق التطرق إليها، فإن إيران ستسعى إلى إطالة أمد النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، وعدم حل مشكلة قرة باخ، لأنها في الوقت نفسه لا تستطيع دعم يريفان إلا سراً؛ خوفاً من إحداث أذربيجانيي الداخل الإيراني قلاقل لا تحتملها طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى