العراقإيران

” كوملة” والهجمات الإيرانية الأخيرة على كردستان العراق

في إيران، تتعدد القوميات والأعراق من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها؛ فبينما تتركز أكثرية القومية الفارسية وسط البلاد، تنتشر قبائل وقوميات أخرى في إيران أبرزها البلوش في إقليم سيستان وبلوشستان شرق إيران على الحدود مع باكستان، والأكراد في شمال غرب إيران بمحاذاة إقليم كردستان الآخر الواقع شمال العراق، وإلى الجنوب من كردستان إيران ينتشر العرب في غرب إيران، وإلى الشمال يجاورُ الآذريون الإيرانيون جغرافيًا أشقاءهم في الشمال بدولة أذربيجان. 

وتسعى هذه الأعراق إما إلى “الانفصال” عن الدولة الإيرانية أو الحصول على “حكم ذاتي داخل دولة فيدرالية” في إيران، حسب تصريحات وتعبير أعضاء هذه الجماعات وقادتها، وذلك على غرار النموذج العراقي. ولأغلب هذه القوميات العرقية في إيران جماعات سياسية أو مسلحة تحاول تطبيق ما أشير إليه، وتعود هذه المحاولات إلى النصف الأول من القرن الماضي على الأقل.

ومن بين هذه المحاولات تأتي محاولة الأكراد في “الحصول على حكم ذاتي داخل دولة فيدرالية في إيران”. وهي أهداف كردية قديمة تعود لعقود مضت. وفي ضوء ذلك، تتهم إيران جماعاتٍ كردية تقيم في الخارج، خاصة في العراق، بمحاولة توظيف الأوضاع الحالية التي تشهدها البلاد منذ منتصف سبتمبر الماضي من أجل تحقيق أهدافها، حيث تشهد إيران احتجاجات واسعة ترافقها توترات أمنية يرى مسؤولون تابعون للحرس الثوري والجيش الإيراني أن هذه الأخيرة حفزّت جماعاتٍ كردية مسلحة على تكثيف تحركاتها من أجل تنفيذ أهدافها الممثلة في الحصول على “حكم ذاتي” في إيران. 

وهو ما يفسر لنا بدقة أسباب تكثيف الجيش والحرس الثوري الإيرانيين الهجمات الصاروخية مؤخرًا على إقليم كردستان العراق، مقر الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة. وقد استهدفت هذه الهجمات على وجه الخصوص مقرات أبرز الأحزاب الكردية المسلحة في العراق والتي يأتي على رأسها “كوملة” و”حدكا”، وهي اختصارات لأسماء هذه الأحزاب باللغة الكردية.

“كوملة” و”حدكا” أبرز الأحزاب الكردية النشطة ضد الحكومة الإيرانية

تتعدد الجماعات والطوائف الكردية المعارضة للنظام الإيراني، مثلما تختلف أهدافها. فقد تسبب انقسام الأكراد الإيرانيين إلى شيعة، في مدن مثل كرمانشاه وسنندج، وسنة (وهم الأكثرية) في إيجاد اختلافات عامة بينهم، سواء بين المواطنين العاديين أو أعضاء الأحزاب المسلحة أو السياسية المختلفة، بحيث يرفض أغلب الشيعة الأكراد في إيران فكرة “الانفصال” عن الدولة ويكتفون بالسعي إلى الحصول على “حكم ذاتي” في إطار “دولة فيدرالية”، بينما تهدف معارضة بعض الجماعات السنية الكردية الإيرانية إلى “الانفصال” عن الدولة في إطار مسعى أكبر يتبناه الأكراد في إقليم الشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، فإن أغلب الأحزاب الكردية الآن ترفض هي نفسها فكرة “الانفصال” وتفضل “الحكم الذاتي”. وتتسم أغلب الأحزاب الكردية الإيرانية بأنها أحزاب يسارية وبعضها شيوعية.

وعلى أي حال، ترفض الحكومات الإيرانية المتعاقبة هذه المحاولات، وتسعى وتؤكد على ضرورة الحفاظ على إيران دولة موحدة غير مقسمة، وتشدد على أن فكرة “الانفصال” سوف تتسبب في “انهيار الدولة”.  وعند النظر في تشكيلة الأحزاب الكردية الإيرانية، سنجد أن أبرز حزبين هما “حزب كوملة الكردستاني الإيراني” ويُعرف اختصارًا بـ “كوملة”، و”الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني” ويُعرف اختصارًا باسم “حدكا وهما اللذان استهدف الحرس الثوري مقارهما في هجماتٍ متعددة داخل إقليم كردستان العراق خلال الأشهر القليلة الماضية كان آخرها ما جرى يوم الثلاثاء 22 نوفمبر 2022.

  • “كوملة”

نشأت هذه المجموعة عام 1967 أيام حكم الشاه الإيراني الأخير محمد رضا بهلوي، وكانت ضمن الحزب الشيوعي الإيراني في البداية، إلا أنها انفصلت عنه لاحقًا عام 2000 ميلاديًا. ويتبنى هذا الحزب “الاشتراكية الديمقراطية” نهجًا له، ويهدف إلى حصول إقليم كردستان إيران على “الحكم الذاتي” وأن تنشأ هناك حكومة “ديمقراطية علمانية”، حسبما يقول على موقعه الإلكتروني. 

يقود هذا الحزبَ في الوقت الراهن “عبد الله مهتدي”، عمره 73 عامًا، وهو الرئيس السابق للحزب الشيوعي الإيراني. ويتزعم “كومله” أيضًا الآن يساريون إيرانيون آخرون مثل “فاروق باباميري” و”أبو بكر مدرسي” و”صالح شريفي”. واعتمد هذا الحزب اسم “كومله” بشكل رسمي في 31 أكتوبر 2006. وتصنف إيران هذه المجموعة تنظيمًا إرهابيًا وترفض أنشطته الرامية إلى تحويل الدولة إلى الفيدرالية، وتتهمه بالقيام بأنشطة إرهابية في الداخل.

  • “حدكا”

يُعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني أبرز الأحزاب الإيرانية الكردية التي تطالب بـ”الحكم الذاتي في إطار “دولة فيدرالية” في إيران، حسب تعبير أعضائه. تأسس هذا الحزب في 16 أغسطس 1945 ميلاديًا في مدينة “مهاباد” بمحافظة أذربيجان الغربية شمال غربي إيران على يد “القاضي محمد” وهو أحد قضاة مهاباد السابقين وتزعم حركة الكرد في أربعينيات القرن الماضي.

كان الهدف الرئيس لذلك الحزب حين نشأته “الانفصال” عن إيران، إلا أنه أقلع عن هذا التوجه لاحقًا وتبنى توجه “الحكم الذاتي”. ويسلك “حدكا” اليسارية في أفكاره، وقد شهد انقسامات خلال النصف الأول من العقد الماضي. وتتركز مقار هذا الحزب في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق على بُعد 100 كيلومتر من الحدود الإيرانية، وتصنفه إيران تنظيمًا إرهابيًا.

لماذا تتزامن الهجمات ضد “كوملة” و”حدكا” في العراق مع الاحتجاجات في إيران؟

منذ أن اندلعت الاحتجاجات في إيران منتصف سبتمبر 2022، نشرت وسائل إعلام رسمية في إيران تقول إن أعمال العنف وتهريب الأسلحة عبر الحدود الإيرانية العراقية قد ارتفعت بشكل كبير عما سبق. وحسب هذه الوسائل، فإن هذا يتم عبر نقل “كوملة” و”حدكا”، خاصة الأول، لهذه الأسلحة، التي يصفها المسؤولون في إيران بـ “الحربية”، من إقليم كردستان العراق إلى داخل الأراضي الإيرانية، ومن أجل “تسليح الاحتجاجات” في إيران، حسب تصريحات مسؤولين إيرانيين أيضًا.

وفي هذا الصدد، حذّر المسؤول عن قيادة الشرطة في عموم إيران، أحمد علي جودرزي، يوم 7 نوفمبر الجاري من أن “معدل تهريب الأسلحة الحربية إلى إيران خلال الـ 45 يومًا الماضية قد ارتفع بنسبة 26% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي”. وصرّح جودرزي بأن “الأعداء وعن طريق توظيف أشخاص مرتزقة ومخدوعين في داخل البلاد وخلال الاضطرابات المحلية الأخيرة، قد أوجد معضلاتٍ أمنية أمام المواطنين”.

وسرد جودرزي عددًا من العمليات التي قامت بها أجهزة الأمن الإيرانية لضبط شحنات “أسلحة حربية” على الحدود الإيرانية تتهم فيها إيران حزب “كوملة” على وجه الخصوص بتهريبها من غربي البلاد. وعاد جودرزي للتحذير وبشدة من تفاقم هذه الأزمة مجددًا حينما أكد في 17 نوفمبر الجاري على أن “معدل تهريب الأسلحة عبر الحدود في إيران خلال الـ 55 يومًا الماضية قد ارتفع بنسبة 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي”. 

ولهذه الأسباب، شن الحرس الثوري في بداية الاحتجاجات بإيران منتصف سبتمبر 2022 –ولا يزال- مداهمات أمنية واسعة النطاق في محافظة كردستان إيران لضبط شحنات الأسلحة المعلن عنها، وذلك قبل أن يتوجه إلى إقليم كردستان العراق حيث يرغب الحرس الثوري والجيش الإيراني من وراء ذلك في استهداف معاقل حزب “كوملة” و”حدكا” في ذلك الإقليم العراقي المحاذي لنظيره في إيران والذي تتركز فيه هذه الضربات وخاصة في مدينة أربيل لتواجد مقرات هذه الأحزاب المسلحة هناك. 

وفي إطار ذلك، يتهم القادة العسكريون في إيران هذه الأحزاب الكردية بمحاولة “تسليح” الاحتجاجات في الشارع الإيراني عبر نقل هذه الأسلحة من إقليم كردستان العراق ومن أجل الوصول إلى أهدافها في النهاية، وهو ما دفع القوات المسلحة والحرس الثوري الإيرانيين مؤخرًا إلى تكثيف الضربات الجوية ضد قواعد “كوملة” و”حدكا” في شمال العراق سواء باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيرة.

وختامًا، في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية في إيران والاتهامات المُشار إليها آنفًا للمجموعات الكردية الإيرانية النشطة على الأراضي العراقية، يُتوقع أن تواصل إيران خلال الأيام المقبلة عملياتها العسكرية ضد “كوملة” و”حدكا” في العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى