إيرانروسيا

تدشين عهد جديد في العلاقات الثنائية: لماذا سيزور الرئيس الإيراني روسيا غدًا؟

على الرغم من بعض الفتور الذي شهدته العلاقات الإيرانية الروسية على بعض أصعدة التنسيق الإقليمي المشترك خلال السنوات الأخيرة، مثل النموذج السوري أو حتى الليبي، إلا أن التعاون الاستراتيجي على المستوى السياسي الدولي وحتى فيما يتعلق بملفات أخرى داخل إقليم الشرق الأوسط أو القوقاز لم يتوقف أبدًا. بل إن علاقات التعاون العسكري والاقتصادي بين الجانبين قد شهدت نموًا ملحوظًا خلال تلك السنوات. 

ولم تؤدِ خلافات وجهات النظر بشأن بعض قضايا إقليم الشرق الأوسط إلى صدام حقيقي؛ إذ إن البلدين تربطهما علاقات إستراتيجية أكثر متانة من أن تؤثر عليها مثل هذه الشوائب. فروسيا داعم قوي لإيران على المستوى السياسي الدولي وليست في حالة صراع معها على مستوى الشرق الأوسط. وهي كذلك حليف لطهران داخل منطقة القوقاز المشتركة جغرافيًا بينهما والتي باتت في الآونة الأخيرة نقطة محورية في الصراع الإيراني مع بعض القوى الأخرى. 

أما اقتصاديًا، فإن علاقات موسكو وطهران تنمو باستمرار، وهذا ما أكدته السلطات الفيدرالية الروسية. فقد قالت وكالة مصلحة الجمارك الفيدرالية الروسية منتصف العام الماضي إن حجم التبادل التجاري مع إيران خلال الفترة الممتدة من يناير 2021 إلى مايو من العام نفسه قد بلغ 1.371 مليار دولار بزيادة قدرها 27.7% من حيث القيمة السنوية. وأوضحت مصلحة الجمارك الروسية أن حجم الصادرات الروسية إلى إيران وصل إلى 900.6 مليون دولار، وحجم الواردات من إيران ارتفع إلى 469.9 مليون دولار بزيادة في النسبتين مقارنة بالفترت السابقة.

أما علاقات الطرفين خلال الفترة المقبلة فيبدو أنها سوف تشهد عهدًا جديدًا من التعاون والتنسيق أقوى وأكثر قربًا على مستويات عدة في ظل عهد المحافظين الإيرانيين وفي إطار استراتيجية الرئيس إبراهيم رئيسي الرامية إلى “التوجه نحو الشرق”. وهذا ما يمكن أن نستنتجه من مقاصد وأهداف الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي من زيارة الاتحاد الروسي ولقائه المرتقب بنظيره فلاديمير بوتين في موسكو غدًا الأربعاء 19 يناير.

أهم الملفات المطروحة للنقاش بين “رئيسي” وبوتين

تتعدد الملفات التي من المُرجَّح أن يتناولها الرئيسان الإيراني والروسي حين لقائهما غدًا الأربعاء في العاصمة موسكو برفقة مسؤولي بلديهما. وستركز هذه النقاشات بشكل رئيس على أمرين هما تعزيز أفق التعاون الاقتصادي على وجه الخصوص، والحوار بشأن المفاوضات النووية الجارية في العاصمة النمساوية فيينا والتي تُظهر موسكو دعمًا واضحًا وقويًا لإيران خلالها. وعلى أي حال، يُتوقع أن يتطرق الجانبان إلى الملفات التالية:

  1. اتفاقية تعاون استراتيجي طويلة المدى لمدة 20 عامًا:
روسيا تتعهد بتزويد إيران بالسلاح، ولكن بأي ثمن؟

تطمح روسيا وإيران منذ سنوات إلى فتح مجالات جديدة للتعاون المشترك بينهما وتعزيز القائم منه بالفعل، علاوة على جعل ذلك التعاون استراتيجيًا طويل المدى بالدرجة الأولى. ومن أجل هذا، تخطط موسكو وطهران منذ أشهر للتوقيع على اتفاق من ذلك النوع الاستراتيجي ولمدة 20 عامًا، على غرار الاتفاق الإيراني الصيني الذي تبلغ مدته 25 عامًا وتم الإعلان عنه عام 2021. 

وكانت موسكو وطهران تتأهبان خلال الفترة السابقة للتوصل والتوقيع على هذه الاتفاق. فقد أعلن السفير الإيراني في موسكو، كاظم جلالي، في شهر يوليو الماضي عن إعداد مسودة اتفاقية لتحويل “اتفاق العلاقات المتبادلة ومبادئ التعاون بين إيران وروسيا” إلى اتفاق اقتصادي وسياسي وعسكري دفاعي وأمني مدته 20 عامًا. وأوضح جلالي آنذاك أن هذا الأمر يلقى الدعم بشدة من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، وأن الاتفاقية صيغت وتم إرسالها من جانب السفارة الإيرانية في روسيا إلى وزارة الخارجية في طهران للمراجعة النهائية. 

ويشير جلالي هنا إلى “معاهدة العلاقات المتبادلة ومبادئ التعاون” التي وقعتها بلاده مع روسيا في مارس 2000 لمدة 5 سنوات وتم تجديدها لاحقًا. ولذا، فإن اتفاقية الـ 20 عامًا المتوقع الإعلان عنها خلال هذه الزيارة أو على الأقل التمهيد لذلك خلالها تُعد تطويرًا شاملًا لتلك المعاهدة ذات الخمس سنوات. ولعل سفر وزراء النفط والاقتصاد والخارجية الإيرانيين برفقة إبراهيم رئيسي خلال زيارته المرتقبة غدًا، علاوة على استقبال روسيا خلال الأيام القليلة الماضية للعديد من رجال الأعمال والمسؤولين الإيرانيين يُعد مؤشرًا قويًا لاحتمال الإعلان عن مثل هذه الاتفاقية أو التمهيد لها من خلال اتفاقات تجارية واسعة النطاق.

فقد أعلنت الحكومتان الإيرانية والروسية أن أجندة اللقاءات تتمحور حول عزم الطرفين تنمية الصادرات وتعزيز التبادل التجاري بينهما. وأشار عددٌ من المسؤولين الإيرانيين إلى أن الزيارة ستكون “منعطفًا” في تاريخ العلاقات مع موسكو. وهذا ما ذهب إليه، على سبيل المثال، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، حين قال في وقت سابق اليوم الثلاثاء إن زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي ستكون منعطفًا في تاريخ الدبلوماسية الإيرانية بشأن “ملف رفع العقوبات عنها وإفشالها”.

مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي

ونستطيع هنا تفسير قول ولايتي على أنه إشارة واضحة إلى عزم الجانبين التوقيع على “اتفاقية” كبرى أو اتفاقياتٍ تُحدث نقلة نوعية في مختلف أوجه التعاون بين الطرفين. فمنذ فترة طويلة، أظهر الرئيس الروسي بوتين دعمًا قويًا للتوصل إلى هذا الاتفاق طويل المدى، وقد يشرح لنا هذا “لماذا جاءت زيارة إبراهيم رئيسي بدعوة شخصية من فلاديمير بوتين؟”. 

وسواء تم الإعلان عن الاتفاقية محل النقاش أو التوقيع على اتفاقيات اقتصادية كبيرة خلال زيارة “رئيسي”، فإن ما بعد هذه الزيارة يعني أن الباب سيكون مفتوحًا على مصراعيه أمام مختلف الشركات الروسية للاستثمار في السوق الإيرانية التي يمكنها استعياب أموالٍ هائلة خلال الفترة المقبلة؛ نظرًا إلى افتقادها للعديد من السلع والبضائع نتيجة للعقوبات الخارجية منذ سنوات طوال.

أما اتفاقية الـ 20 عامًا، فإنها سوف ترفع أيضًا من مستوى التعاون العسكري وتبادل الخبرات الأمنية بين موسكو وطهران، ما قد يشكل تنسيقًا عسكريًا دفاعيًا في مواجهة الولايات المتحدة، إضافة إلى إبطالها إلى حدٍ ما مفعول العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران.  

ولا ينبغي في هذا الصدد تجاهل النبأ الذي أعلنت عنه اليوم الثلاثاء 18 يناير وكالة أنباء “فارس” الإيرانية التابعة للحرس الثوري حين قالت إن الصين وروسيا وإيران تعتزم إقامة مناورات عسكرية في مياه الخليج العربي، على الأرجح في وقت لاحق شهر يناير الجاري؛ إذ إنه يشير إلى تصاعد التعاون بين هذه الدول الثلاث في إطار شامل اقتصادي (تمثله الاتفاقيات طويلة المدى) وسياسي (دعم متبادل على المستوى الدولي) وعسكري (من خلال التنسيق وتبادل الخبراء والتصدير وعقد المناورات).

  1. ماذا عن مستقبل التنسيق الإقليمي الإيراني الروسي؟

كانت الزيارة الأخيرة لرئيس إيراني إلى موسكو في عام 2017، بينما زار فلاديمير بوتين إيران قبل هذا التاريخ بعامين في 2015. وآنذاك، كانت الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وبعض الأقاليم الأخرى التي تنطوي على تعاون أو مصالح مشتركة بين إيران وروسيا مختلفة بعض الشئ عما هي عليه الآن. 

ففي ذلك الوقت، كان نتظيم “داعش” الإرهابي لا يزال مسيطرًا على مساحات واسعة في دول العراق وسوريا، إلا أن حدة هذا الانتشار قد تراجعت بشكل كبير خلال الفترة الماضية. وقد جاءت إدارة أمريكية جديدة إلى البيت الأبيض بزعامة الرئيس جو بايدن في يناير 2021 بخططٍ للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط. وقد نفّدت إدارة بايدن بالفعل جزءًا كبيرًا من هذا بانسحابها من أفغانستان العام الماضي وانسحاب وشيك لها من العراق.

وفي إطار ما أعلن عنه الإيرانيون والروس مؤخرًا بشأن عزمهما طرحَ ملفات إقليمية “حيوية” على طاولة النقاش خلال زيارة إبراهيم رئيسي المرتقبة، فإن أبرز ما يمكن التطرق إليه في هذا الصدد هو:

  • التنسيق المشترك لمرحلة ما بعد انسحاب الأمريكيين من الشرق الأوسط
ماذا لو انسحبت الولايات المتحدة عسكرياً من الشرق الأوسط

إذ إن البلدين من أبرز القوى المعنية بشؤون الشرق الأوسط واللتين يمكنهما استغلال الفراغ الذي ستتركه القوات الأمريكية في الإقليم. وقد بدأت إرهاصات هذا التوجه جلية في أفغانستان خاصة بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير خارجية حكومة تصريف الأعمال الخاضعة لـ”طالبان” في كابول، أمير خان متقي، إلى إيران في 8 يناير الجاري، ومحاولة روسيا أن تكون منصة للحوار الأفغاني الأفغاني.

  • سوريا
إيران تسعى لإفشال اتفاق التسوية الروسي جنوبي سوريا

خلال السنوات القليلة الماضية، قاد تراجع حدة انتشار التنظيمات الإرهابية وبدء التخطيط إلى مرحلة ما بعد هزيمتها إلى تنافس إيراني روسي داخل سوريا بشأن أسهم وحصص كل منهما في عملية إعادة إعمار ذلك البلد. وهو تنافس أدى إلى وقوع صدامات بين القوات الروسية والأخرى الموالية لإيران في بعض الأحيان، علاوة على بعض الخلافات السياسية فيما يتعلق بالملف المُشار إليه.

وفي ضوء الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط ورغبة الإيرانيين والروس في تعزيز التفاهم المشترك على مختلف الأصعدة خلال الفترة المقبلة، يصبح من المرجح بشدة أن يشغل الملف السوري حيّزًا مهمًا على طاولة حوار بوتين ورئيسي، إذ يُتوقع أن يحاول الجانبان التوصل إلى تفاهمات بشأن عملية إعادة إعمار سوريا.

  • أفغانستان 

والتي كما سبق القول سيحاول الجانبان بشأنها ملء بعض من الفراغ الأمريكي هناك. ولكن إلى جانب هذا، يحتاج الطرفان إلى استراتيجية تعاونية (قد تكون مشتركة) للتعامل مع أفغانستان ما بعد سقوط كابول في أغسطس الماضي، أي مع حركة “طالبان”. وهنا، وبحكم التقارب الجغرافي والنفوذ الإيراني داخل أفغانستان قد تلعب طهران دورًا بارزًا في صياغة مثل هذه الاستراتيجية. بل إن روسيا تحتاج إلى الدور الإيراني في الملف الأفغاني بمجمله. وإلى جانب ذلك، سيكون من مصلحة الطرفين عدم تحول أفغانستان إلى بؤرة عالمية للإرهاب؛ لأنها سوف تهددهما بشكل رئيس حال تحقق مثل هذا السيناريو.

  • جنوب القوقاز 

تحتاج إيران وروسيا إلى تعزيز الحوار وتنسيق التعاون المشترك بينهما فيما يتعلق بالأحداث المتلاحقة في منطقة القوقاز خاصة منذ عام 2020 مع انطلاق الصراع المسلح مرة أخرى بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناجورني قرة باخ. فقد أخذ الصراع الإقليمي توجهًا دوليًا بشكل أكبر انخرطت فيه بشكل مباشر أو غير مباشر تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد شعرت روسيا وإيران بالقلق من هذا الانخراط الأجنبي أو تحول الإقليم لمركز صراع دولي. ويدفعهما هذا إلى الجلوس سويًا لتعزيز الحوار المشترك من أجل السيطرة على الأمن في هذا الإقليم ومواجهة نفوذ قوى إقليمية أخرى به، خاصة أن إيران تتوجس من التدخل الإسرائيلي في الإقليم والعلاقات بين إسرائيل وأذربيجان.

  1. مواصلة دعم روسيا لإيران في محادثات فيينا النووية:
إيران تبدي "استعدادها للتفاوض" بعد فشل محادثات فيينا | سكاي نيوز عربية

يُعد هذا الملف محورًا رئيسيًا من محاور الزيارة المرتقبة للرئيس الإيراني إلى روسيا. إذ إن موسكو داعمٌ قوي للطرف الإيراني في المحادثات النووية المعنية في فيينا، فهي تؤيد وتدعو إلى رفع العقوبات عن إيران، الذي تؤكد إيران مرارًا أنه المطلب الرئيسي لها قبل عودة التزامها بكامل بنود الاتفاق النووي لعام 2015.

وبعد إعلان الأطراف المتفاوضة في النمسا عن إزالة بعض العثرات وتحقيق تقدم، يجري الآن وطبق إعلانهم أيضًا النظر في المطالب المختلف عليها والبنود الرئيسية لدى إيران والدول الغربية المشاركة في المحادثات. وفي مثل هذا التوقيت، تبرز الحاجة لدى إيران من أجل التنسيق مع روسيا لدعمها من جانب وللتوصل من ناحية أخرى إلى اتفاق يُرضي جميع الأطراف. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى