الأكثر قراءةمصر

بين التخابر وتعذيب المواطنين .. من هو الإخواني “أحمد عبد العاطي”؟

أتقن الفنان هاني الطمباري دوره بشدة في مسلسل “الاختيار 3” الذي جسّد فيه شخصية المتهم الإخواني أحمد عبد العاطي الذي كان مديرًا لمكتب الرئيس المعزول محمد مرسي. وكان عامل الشبه بين الطمباري وعبد العاطي إحدى عوامل إتقانه للدور وترشيحه له من البداية.  كما مثّلت قراءة الطمباري الدقيقة للشخصية التي يجسدها قبل بدء تصوير المسلسل إحدى الأدوات الأخرى التي ساعدته على إتقان الأداء، حيث صرّح بعد بدء عرض المسلسل خلال شهر رمضان الجاري قائلًا “بدأت أدور وأشوف تاريخه (عبد العاطي)”، واصفًا إياه بأنه كان “حلقة الوصل بين مكتب الرئيس ومكتب إرشاد جماعة الإخوان”.   

فمن هو إذًا “أحمد عبد العاطي”؟ 

كان الظهور الأول لـ أحمد عبد العاطي داخل المشهد السياسي في مصر حينما أعلن في يونيو عام 2012 عن فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، حيث عمل منسقًا لحملته الانتخابية وتولى بعد ذلك بقليل منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية. ولكن على أرض الواقع، كان دور عبد العاطي التنظيمي داخل الجماعة أكثر تأثيرًا ويتخطى دور محمد مرسي حتى في فترة عمله مديرًا لمكتبه. فقد عمل عبد العاطي خلال الفترة المذكورة وسيطًا بين الجماعة وأجهزة استخبارات أجنبية نقل إليها ملفات مؤسسة الرئاسة المصرية، حتى أن وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء محمد إبراهيم، قد وصفه لاحقًا بأنه “أخطر الرجال الذين كانوا يحيطون به”، أي بمحمد مرسي. 

كيف انضم عبد العاطي لجماعة الإخوان؟ 

وُلد أحمد محمد محمد عبد العاطي في 13 أكتوبر عام 1970، في مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية وهي نفس البلدة التي انتمى إليها المعزول محمد مرسي. وكان والده يعمل مهندسًا زراعيًا من الإسكندرية وعمل أيضًا كداعية إسلامي. والتحق عبد العاطي بكلية الصيدلة في جامعة الزقازيق وانضم لجماعة “الإخوان” عام 1988 في بدايات دراسته الجامعية بعدما تعرّف على عناصر الجماعة هناك وتأثر بهم.  

وكان لدى أحمد استعداد مسبق لتقبل مثل هذه التوجهات الإخوانية حيث تأثر مسبقًا بأفكار الجماعة الإرهابية، من خلال جده لوالدته الذي كان أحد أعضاءها الذين اعتقلوا في يناير عام 1954 بعد صدور قرار حلها من مجلس قيادة الثورة. كما شهد شهر أكتوبر عام 1954 أيضًا محاولة الإخوان اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الحادثة الشهيرة بميدان المنشية في محافظة الإسكندرية أثناء إلقائه خطابًا جماهيريًا.  

ونشأ عبد العاطي على يد قيادات جيل الوسط بجماعة الإخوان، ثم أصبح فيما بعد أحد المسؤولين الرئيسيين في الجماعة عن ملف النقابات ومشرف العمل الطلابي في الجماعة. وعُرف عن عبد العاطي نشاطُه بين الطلاب، ويقول هو نفسُه عن تلك الفترة أن بعض أصدقائه آنذاك حاولوا إقناعه بالشيوعية عندما كانت تحاول العودة لصدارة المشهد مرة أخري كفكرة سياسية. وعمل أحمد عبد العاطي لاحقًا خطيبًا في بعض مساجد الزقازيق ومشرفًا على العمل الطلابي الدعوي في الجامعة نفسها وعدد آخر من جامعات جنوب الصعيد وبعض جامعات القاهرة الكبرى. وفي عام 2005، حصل على دبلوم إدارة المنظمات غير الحكومية من جامعة القاهرة.  

اعتقال عبد العاطي وتورطه في قضية “ميليشيات الأزهر”

مرشد الاخوان بمصر يخرج عن صمته ويكشف حقيقة الـميليشيات بالأزهر

اعتُقل عبد العاطي لأول مرة عام 1998 لمدة 6 أشهر، حينما كان يبلغ من العمر آنذاك حوالي 28 عامًا.  في عام 2006، فقد اعتقل مرة أخرى، إلى جانب العشرات من القياديين والنشطين في جماعة الإخوان من بينهم خيرت الشاطر، وذلك بصفته أحد المتهمين الرئيسيين في القضية الشهيرة المعروفة باسم “ميليشيات الأزهر”. وحُكم على عبد العاطي في هذه القضية بالسجن 5 سنوات. 


وترجع تفاصيل قضية “ميليشيات الأزهر” إلى شهر ديسمبر 2006 حين ألقت قوات الشرطة المصرية القبض على خيرت الشاطر و139 قيادي وناشط في جماعة الإخوان بعد تقديمهم استعراضًا شبه عسكريًا قامت به عناصر من طلاب الجماعة في جامعة الأزهر احتجاجًا على ما زعموا وقتها أنه تزوير لانتخابات اتحاد طلاب الجامعة.

ماذا كان يفعل عبد العاطي في تركيا؟  

خلال تواجده في تركيا قبل عام 2011، كان عبد العاطي مكلفًا بدور محدد في التنظيم الدولي للجماعة من خلال ما يُسمّى بـ “الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية (إفسو)”، حيث تركز نشاطه في خدمة مآرب الإخوان عبر تنسيق أنشطتها دوليًا بغية تحقيق ما تطلق عليه “مشروع الخلافة”. وفي هذا الإطار، وجّه عبد العاطي آنذاك رسالة إلى عناصر الإخوان وصف فيها مدينة “إسطنبول” التركية بأنها “عاصمة الخلافة”، حيث دعاهم قائلًا “ننتظر الكثير والكثير منكم.. هيا بنا لنتواصل”. وأضافت الرسالة على لسان عبد العاطي “هذه تحياتنا نرسلها لكم من عاصمة الخلافة التي نأمل أن تعود في القريب، من إسطنبول”.  وتُعد “إفسو” إحدى المنظمات التابعة للتنظيم الدولي للإخوان حيث تتخذ من تركيا مقرًا لها. 

وفي العام ذاته 2011، نظّم عبد العاطي اجتماعًا مع قيادات الإخوان لمدة 3 أيام تناولت كيفية توظيف الحركات الشبابية الإخوانية. وطار عبد العاطي بعد ذلك إلى قطر كي يشارك في جلسة أخرى عُقدت تحت اسم “مؤتمر الشباب الإعلامي” استمرت لـ 4 أيام وتطرقت إلى سبل الدعاية الإعلامية لمخرجات اجتماع تركيا. 

وأوضحت محكمة جنايات القاهرة عام 2019 المزيد من التفاصيل بشأن علاقة عبد العاطي بالتنظيم الدولي للإخوان أثناء تواجده في تركيا آنذاك، وذلك في إعلانها حيثيات إحدى أحكامها المعنية بقضية التخابر مع حركة “حماس”، حيث قالت إن المتهم أحمد عبد العاطي شارك عن طريق الاتفاق والمساعدة في ارتكاب جريمة التخابر سالفة الذكر بعد أن كلفه محمد مرسي بالبقاء في تركيا للاجتماع بعناصر التنظيم الدولي للإخوان في شهر يناير 2011 وقبيل أيام فقط من أحداث ذلك الشهر، وذلك من أجل التخطيط لتنفيذ مخطط إرهابي كان يهدف لإسقاط حكومة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. 

وخططت هذه العناصر إلى تحقيق ذلك من خلال الاستيلاء على الحكم بالعنف وإحداث الفوضى بالتنسيق مع “حماس” التي تربطها صلات بـ”حزب الله”. وجاء ذلك ضمن خطة أكبر لتغيير الأنظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط آنذاك. 

العودة لمصر وتنصيبه مديرًا لمكتب الرئيس المعزول مرسي

الاختيار 3.. محمد مرسي: ماكنتش موافق على إقالة النائب العام.. ومكتب الإرشاد  بياخد قرارات متهورة

 

مع اندلاع أحداث عام 2011، عاد عبد العاطي في فبراير من ذلك العام إلى مصر، وحدث لاحقًا أن تم إلغاء الحكم على عبد العاطي وبقية المتهمين في “ميليشيات الأزهر”، ومن بينهم الشاطر قبل وصول الجماعة للحكم. وشارك عبد العاطي في البداية ضمن الحملة الانتخابية الرئاسية للمرشح آنذاك خيرت الشاطر عام 2012 ثم لمحمد مرسي، بعد أن رُفضت أوراق ترشح الأول لإدانته في إحدى القضايا. وعمل عبد العاطي كمنسق لحملة محمد مرسي الانتخابية، ثم تولى إدارة مكتبه بعد الإعلان عن فوزه في يونيو 2012. 

وكان الظهور الأبرز لعبد العاطي بعد توليه هذا المنصب قد جاء يوم 11 أكتوبر 2012 حينما أعلن عن إقالة النائب العام آنذاك عبد المجيد محمود وتعيينه سفيرًا لمصر في دولة الفاتيكان. ولم يكن منوطًا بعبد العاطي الإعلان عن مثل هذه القرارات، لأنه لم يكن متحدثًا باسم رئاسة الجمهورية، مما أثار انتقادات كبيرة. 

وسيط بين مرسي ومكتب الإرشاد وأجهزة استخبارات أجنبية  

وخلال فترة عمله تلك، لعب عبد العاطي دورًا خطيرًا حينما كان حلقة الوصل بين مكتب إرشاد جماعة الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي ولعب أيضًا دورًا كحلقة وصل بين أجهزة مخابرات وتنظيمات لها صلاتٌ ومآرب مع الجماعة الإرهابية. ونقل عبد العاطي ملفات تتبع مؤسسة الرئاسة، في تحركات خطيرة للغاية تضر بالأمن القومي المصري، حيث مثّل هذا عملية اختراق كبرى لمنظومة الأمن في مصر.  

من التخابر مع قطر إلى تعذيب المواطنين أمام قصر الاتحادية: الاتهامات تلاحق عبد العاطي 

ونتيجة لما سبق، فإن النيابة العامة المصرية اتهمت لاحقًا الرئيس المعزول مرسي بنقل أسرار الأمن القومي المصري إلى المخابرات القطرية ومسؤولي قناة “الجزيرة” القطرية بمساعدة أحمد عبد العاطي مدير مكتبه، علاوة على سكرتيره الخاص أمين الصيرفي و8 جواسيس آخرين مقابل الحصول على مليون دولار أمريكي.
وقاد هذا إلى اتهام عبد العاطي إلى جانب محمد مرسي و10 آخرين في القضية رقم 315 لسنة 2014 حصر أمن الدولة العليا المعروفة باسم قضية “التخابر مع قطر”، حيث كان عبد العاطي يمثل أمام المحاكمة بصفته المتهم الثاني قبل وفاة مرسي عام 2019. 

https://www.youtube.com/watch?v=_uadepzEItA

وحول هذه القضية، يقول أحد الشهود أن أحمد عبد العاطي ومنذ تسلمه عمله في 13 يوليو 2012 كان منوطًا به تسلم جميع المستندات الواردة إليه مؤسسة الرئاسة من جانب الوزارات والجهات الأمنية السيادية في البلاد مثل القوات المسلحة والمخابرات العامة والمخابرات الحربية ووزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني وهيئة الرقابة الإدارية إما عن طريق:

  • إرسال هذه المستندات من الجهات المذكورة إلى الفاكس المشفر التابع لرئاسة الجمهورية الموجود في مكتب المتهم الثاني (عبد العاطي).
  • أو تسليم هذه الملفات إلى أحمد عبد العاطي شخصيًا عن طريق مندوبي الجهات المعنية، حيث يقوم المتهم الثاني بعرضها على رئيس الجمهورية واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها وحفظها في صناديق حديدية مؤمنة في مكتبه.

وليس من الجائز تحت أي ظرف استخراج هذه الوثائق أو حتى القيام بنقلها خارج مؤسسة الرئاسة من دون معرفة رئيس الجمهورية وموافقة مدير مكتبه شخصيًا.

وأضاف الشاهد أن هذه الملفات والمستندات التي تشمل معلومات حساسة مثل تلك المتعلقة بتسليح القوات المسلحة المصرية وخطط تطويرها، ومعلومات أخرى حول قدرات الجيش الإسرائيلي والقوات الدولية بشبه جزيرة سيناء، لم تكن تعرض إلا على الرئيس المعزول محمد مرسي خلال فترة حكمه والذي كان من المفترض أيضًا توليه مهمة الحفاظ عليها داخل خزينة بمكتبه، أو أن يقوم بفرمها والتخلص منها بمعرفة الأدوات المخصصة لذلك.

ومن الجدير بالذكر التأكيد على أن مثل هذه المستندات لم يكن من المسموح لأي شخص الاطلاع عليها داخل مؤسسة الرئاسة إلا الرئيس نفسه فقط، ولم يكن جائزًا أبدًا نقلها إلى خارج المؤسسة. وأكد الشاهد على أن أحمد عبد العاطي حين دخوله وخروجه من قصر الاتحادية، حيث مقر الرئاسة، لم يكن يخضع آنذاك لأية إجراءات تفتيش.
وشارك عبد العاطي أيضًا في جريمة أخرى تمثلت في المشاركة عمدًا في تعذيب المتظاهرين أمام قصر الاتحادية عام 2012 والذين كانوا يعارضون الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره مرسي في 22 نوفمبر 2012. ففي 2016، أيدت محكمة النقض المصرية الحكم التاريخي الذي أصدره رئيس الدائرة 23 بمحكمة الجنايات، المستشار أحمد يوسف، والذي نص على معاقبة مرسي و8 آخرين في قضية “أحداث قصر الاتحادية” بالسجن المشدد لمدة 20 عامًا لسبعة متهمين والمشدد 10 سنوات لمتهمين اثنين آخرين. 

وكان الحكم بالسجن لمدة 20 عامًا أيضًا قد صدر ضد أحمد عبد العاطي حينما أيدته محكمة النقض في العام ذاته 2016. وبينما اتهمت النيابة العامة الرئيس المعزول بتحريض مؤيديه على ارتكاب جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار، أسندت النيابة لمتهمين آخرين تهم التحريض العلني على ارتكاب ذات الجرائم. 

وجدير بالذكر أن محكمة جنايات القاهرة قد أصدرت قبل ذلك في 16 يونيو 2015 أحكامًا بالإعدام ضد كلٍ من أحمد عبد العاطي، ومحمد البلتاجي، وخيرت الشاطر لتورطهم في التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية داخل مصر وتسريب معلومات تتعلق بالأمن القومي للبلاد والتخابر لصالح منظمات وجهات أجنبية يجئ من بينها الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” اللبناني وحركة “حماس” وذلك خلال الفترة (2005-2013). لكن محكمة النقض ألغت أحكام الإعدام لاحقًا وصدرت أحكام بالسجن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى