مكافحة الإرهاب

من كابول إلى النفط الأمريكي: تبعات مقتل زعيم تنظيم “القاعدة” في أفغانستان

صباح يوم الثاني من أغسطس الجاري، أعلن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في كلمة له بالبيت الأبيض مقتل زعيم تنظيم “القاعدة” الإرهابي أيمن الظواهري في غارة جوية عن طريق طائرة مسيّرة من دون طيّار (درون) استهدفت محل إقامته يوم 31 يوليو 2022 في منطقة “شيربور” الواقعة بقلب العاصمة الأفغانية كابول والمطلة على حي السفارات. وأكد الرئيس الأمريكي أن “العدالة قد تحققت” بمقتل الظواهري “ولم يعد الناس في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى الخوف من القاتل الشرير”. 

وأوضح بايدن أن زعيم التنظيم السابق قد “قام خلال الأسابيع الأخيرة بصناعة مقاطع فيديو تدعو أتباعه إلى مهاجمة الولايات المتحدة وحلفائنا”، محذرًا الأشخاص الذين يخططون للإضرار بمواطني أو مصالح الولايات المتحدة من أنه “بغض النظر عن المدة التي يتم استغراقها وبغض النظر عن المكان الذي تختبئ به، إذا كنت تمثل تهديدًا لشعبنا، فالولايات المتحدة سوف تعثر عليك”. 

وقد جاءت كلمات بايدن لتؤكد بالدليل القاطع أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تحذف أفغانستان من قائمة اهتماماتها، بل إن ما حدث كان إعادة بلورة لآليات التعامل الأمريكي مع المنطقة، سواء في أفغانستان أو غيرها. أما من جانب آخر، فإن مقتل زعيم التنظيم الإرهابي في هذا التوقيت الذي تمر به أفغانستان، التي تسيطر عليها حركة “طالبان” منذ عام واحد تقريبًا، قد يُحدث تبعاتٍ محلية من الممكن أن تمتد آثارُها خارج الحدود الأفغانية. وعلى ذلك، نتناول فيما يلي أبرز التحولات المتوقعة داخل المشهد الأفغاني والإقليمي ذي الصلة بعد مقتل أيمن الظواهري.

أولًا: قراءة في العملية الأمريكية التي استهدفت الظواهري

يوضح لنا محل اختفاء، إنْ صحت بالأساس كلمة “اختفاء”، أيمن الظواهري في حي “شيربور” الواقع بوسط العاصمة الأفغانية كابول جانبًا من كيفية إدراك حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” لمشهد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021؛ فعلى الرغم من قيادته أحدَ أخطر التنظيمات الإرهابية حول العالم، وسعي الولايات المتحدة إلى القبض أو القضاء عليه، وهو ما جعلها ترصد مكافأة بقيمة 25 مليون دولار لمن يساعد في العثور عليه، إلا أن الظواهري كان يقيم لفترة غير وجيزة في منطقة “شيربور” بقلب العاصمة الأفغانية.

إن موقع الحي السكني ذاته بالنسبة للتقسيم الجغرافي للعاصمة لا يُعد فقط أهم ما يمكن الحديث عنه بالنسبة للموقع الذي اختاره زعيم التنظيم الإرهابي للعيش فيه، بل إن المؤسسات والمنشآت ذات الأهمية الحيوية على المستوى الدولي التي تجاوره تثير تساؤلًا بشأن اختياره لذلك المكان. 

يطل حي “شيربور” على منطقة سفارات أجنبية وفنادق فخمة يُرجح أن إقامة الظواهري على مقربة منها قد أسهمت في النهاية في كشفه وتحديد موقعه بعد انتقاله إلى ذلك الحي، خاصة وأن الرئيس بايدن قد أعلن في كلمته يوم 2 أغسطس 2022 أن “الاستخبارات الأمريكية حددت موقع الظواهري في وقتٍ سابق من هذا العام، حيث انتقل إلى وسط مدينة كابول ولم شمل أفراد عائلته”، ويقصد بايدن حتمًا بوسط المدينة حي “شيربور”. 

وعلى سبيل المثال، فإن أقرب السفارات إلى تلك المنطقة هي السفارة الإيرانية التي تبعد مسافة قصيرة للغاية عن أبرز شواع “شيربور” وهو شارع “صلح-السلام”، حيث تقع السفارة في شارع “شير علي خان” الذي يتقاطع مع شارع السلام. وتتركز سفارات أخرى في المنطقة من بينها السفارات التركية والبريطانية والكندية والأمريكية وبعض سفارات تابعة لدول في آسيا الوسطى. 

وإذا كان الظواهري قد انتقل للعيش هناك منذ أشهر قليلة، فذلك التوقيت يعقب التاريخَ الذي سيطرت فيه حركة “طالبان” على الحكم في أفغانستان، أي أنه قد أطمأن آنذاك للانتقال إلى قلب العاصمة بعد أن قضي فترة غير قصيرة في المناطق الجبلية الحدودية مع أفغانستان، خاصة في وزيرستان شمال غرب باكستان. 

وينم هذا أيضًا عن سوء إدراك من جانب الحركة والتنظيم بشأن الدور المستقبلي للولايات المتحدة تجاه أفغانستان، حيث أطمأنتا وشرعتا في أنشطتهما ظنًا منهما أنهما يمكنهما ممارسة أنشطة العنف والإرهاب بحرية من دون حساب. وهذا ما جعل، على سبيل المثال، الظواهري ينتقل للعيش في منطقة حيوية ومهمة من العاصمة من دون أن يتوقع إمكانية رصده. 

ويبدو أن هاتين الجماعتين قرأتا الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على أنه “حذف” لكابول من قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية، في حين أن الأمر لم يكن كذلك ولا يمكن أن يكون انسحابُ واشنطن على ذلك النحو؛ إذ لا تزال كابول تشكل تهديدًا أمنيًا للخارج، ولا يُستبعد انفجار الأوضاع بها إلى حد كارثي يؤثر بشدة على الأمن الإقليمي أو الدولي، ما يستدعي مواصلة عمل المجتمع الدولي لمنع ذلك.

وعلى أي حال، فقد أشار كثيرٌ من المواطنين الأفغان خلال الأشهر الماضية إلى ما أسموه “غرور” الحركة، ويقصدون بذلك اطمئنانها الواسع لمدى سيطرتها في الداخل ما دفعها إلى لتصرف بشكل أكثر عشوائية وأقل حيطة. وهنا، نشير إلى أن حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” تربطهما صلات تنسيق قديمة، وتحتضن الحركة التنظيم داخل أفغانستان منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي. ويبدو أيضًا أن الظواهري كان يتحرك بحرية في منطقته؛ إذ قالت تقارير محلية أفغانية إنه قُتل بينما كان في شرفة منزله الذي كان يقطنه مع زوجته وابنته وحفيده. 

ثانيًا: تبعات محتملة لمقتل زعيم تنظيم “القاعدة”

في ضوء التطورات الإقليمية التي وقعت في إطارها عملية مقتل زعيم تنظيم “القاعدة”، يمكن الإشارة إلى أبرز التبعات المحتملة لذلك على النحو التالي: 

  1. “سيف العدل” وتزايد محتمل لعمليات تنظيم “القاعدة”: 

لم تكن قيادة أيمن الظواهري لتنظيم “القاعدة” مماثلة لسلفه بن لادن؛ إذ لم يتمكن الظواهري من السيطرة على مفاصل التنظيم الذي توسّعت أذرعُه في العديد من البلدان. وكانت هنالك خلافات بين قادة التنظيم بشأن قيادة الظواهري، فرفض البعض هذه القيادة، وكان البعض من عناصر التنظيم ينتظرون عودته إلى أيامه الأولى مرة أخرى، بعدما تراجعت قوته خلال السنوات الماضية؛ وتمثل أحد الأسباب في تلك الخلافات البينية.  

ومع مقتل الظواهري تنتهي الخلافات على هذا النحو، ولكن تبدأ على الناحية الأخرى آمال قادة في التنظيم بإحيائه مرة أخرى في البروز على السطح من جديد والتسلط على الآخرين. فتريد هذه المجموعات الداخلية أن يعود مثلما كان عليه خلال السنوات الأولى قبل مقتل بن لادن، أي اتساع في مساحة الانتشار وتزايد في عدد عمليات التنظيم الإرهابية في مختلف البلدان.

ولعل أبرز مرشح محتمل لخلافة الظواهري وهو الملقب بـ “سيف العدل المصري” ينظر إليه كثيرون على أنه “الفرصة الأخيرة” لإعادة إحياء “القاعدة” مرة أخرى على النحو المُشار إليه، حيث يُعد “سيف العدل” واحدًا من القادة الأوائل المؤسسين للتنظيم، علاوة على أنه أحد أكثر عناصره فاعلية، ما يطرح إمكانية سيطرته على التنظيم الجامح الذي يريد العودة إلى تصدر المشهد مرة أخرى؛ خاصة في ظل بعض التحولات الأخيرة التي قد تساعده على ذلك، ومن بينها الوضع الأمني في أفغانستان وإلحاق هزائم كبرى بتنظيم “داعش” خلال السنوات الأخيرة. 

  1. تقوية تحالف “القاعدة” مع “طالبان” ضد “الأعداء” المشتركين:

منذ تأسيسهما في أواخر القرن الماضي، يرتبط التنظيم والحركة بعلاقات وثيقة يمكن اختصار مدى عمقها في رفض “طالبان” تسليم زعيم التنظيم السابق ابن لادن إلى الولايات المتحدة بعد قيامه بهجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، ما أدى إلى إزاحتها من الحكم. وبرغم تمدد الحركة في عدد غير قليل من الدول، خاصة في إقليم الشرق الأوسط، إلا أن أفغانستان بقيت مركز التنظيم الدولي.

وحتى بعد وصول “طالبان” إلى الحكم مرة أخرى في أغسطس الماضي وتعهدها للخارج بألا تصبح مركزًا لانطلاق هجمات إرهابية في ظل تطلعها إلى اعتراف مختلف دول العالم بها وبسيطرتها على الأراضي الأفغانية، إلا أنها أبقت على التنظيم وعلى صلاتها به. ويبدو أن هذا التعاون قد يتطور خلال الأيام المقبلة مع مقتل الظواهري.

فانتقدت الحركة مقتل الأخير، وقال المتحدث باسمها ذبيح الله مجاهد إنها “تدين هذا الهجوم مهما كان السبب”، واصفًا إياه بأنه “انتهاك واضح لاتفاق الدوحة”، في إشارة إلى اتفاق العاصمة القطرية في فبراير 2020. وقد يقود الهجوم في الوقت نفسه إلى مزيد من الخلافات بين إدارة الرئيس جو بايدن والحركة؛ لأن الأخيرة تصف الهجوم بـ”الانتهاك” وسوف تقرأه بالتالي على أنه مؤشر لعدم ثقة الولايات المتحدة بها وبالتعهد الذي تحدثت عنه، ولا تزال، بشأن عدم تحول أفغانستان لبؤرة دولية للإرهاب أو انطلاق هجمات خارجية من داخلها. 

لذا، فإن الهجوم قد تتبعه عودة قوية لعنف “القاعدة”، وطرح احتمالية لقيام التنظيم بهجمات إرهابية ضد مصالح أمريكية، خاصة وأن عنصرين اثنين من شبكة “حقاني” الإرهابية التي تُصنّف على أنها أكثر خطورة من “القاعدة” و”طالبان” قد قُتلا في العملية إلى جانب أيمن الظواهري. 

وعلاوة على ذلك، قد تتزايد خلافات إدارة بايدن والحركة التي تسيطر على أفغانستان بعد الهجوم، ما يعني من زاوية أخرى تقوية الروابط بشكل أكبر ما بين الحركة والتنظيم، وهو ما قد يتحول لاحقًا ليصبح ثنائيًا مناوئًا لمصالح الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا السيناريو يستند إلى احتمالية عدم تقديم عناصر من “طالبان” معلومات بشأن مكان اختباء الظواهري؛ فقيامهم بذلك يعني تحولًا جذريًا في علاقات الطرفين.

  1. تعزيز فرص الديمقراطيين الأمريكيين في الانتخابات المقبلة: 

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، مشكلات محلية يتمثل أكثرها بروزًا في الوقود والتضخم، والتي ازدادت مع استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية. وعلى إثر ذلك، انخفضت شعبية الرئيس بايدن إلى مستوى جديد مؤخرًا أظهرتها استطلاعات الرأي. فقد ذكر أحدث استطلاع لمؤسسة “جالوب” حول شهر يوليو 2022 تراجع شعبية الرئيس الأمريكي بحيث بات 38% فقط من الناخبين الأمريكيين موافقين على أدائه وذلك بانخفاض 41% عن شهر يونيو. وعلى أساس حزبي، أظهر الاستطلاع تأييد 78% من الديمقراطيين لبايدن و31% من المستقلين، مقابل 5% من الجمهوريين.   

لقد جعل ذلك الرئيس الأمريكي بايدن في حاجة إلى انتصار جديد؛ خاصة وأن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي باتت على الأبواب في شهر نوفمبر المقبل. فقد ذكر بايدن في كلمته يوم الثاني من أغسطس أنه قدّم “وعدًا” قبل فوزه بالرئاسة بالاستمرار في مكافحة الإرهاب، ما يعني أنه أراد على الأقل تنفيذ وعدٍ آخر من هذه الوعود في ظل التطورات الاقتصادية الأخيرة المُشار إليها.

وختامًا، ندرك من العملية التي قُتل فيها الظواهري أن الولايات المتحدة لم تنسحب من أفغانستان، بل ما حدث هو أنها أرادت تطوير وسائل تعاملها مع الأوضاع في كابول والحفاظ على أرواح الجنود الأمريكيين وتجنب إنفاق ميزانيات ضخمة مرة أخرى هناك. ولعل التطوير الذي شهده سلاحُ الطائرات المسيّرة (الدرونز) خلال الفترة الماضية قد كان له نصيب كبير في إعادة بلورة السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى