آسيا

إقالة رئيس وزراء باكستان ومستقبل الموقف الروسي في الحرب ضد أوكرانيا

بعد أزمة استمرت لأيام، أقدم البرلمان الباكستاني يوم السبت 9 أبريل الجاري على التصويت لصالح حجب الثقة عن رئيس الوزراء عمران خان. حيث تمكنت أحزاب المعارضة في إسلام آباد من الحصول على 174 صوت في مجلس النواب داخل البرلمان من بين 342 عضو لدعم اقتراح سحب الثقة عن خان الذي كان قد تولى منصبه في 18 أغسطس 2018. 

وقد ألقى عمقُ الأزمة الجارية في باكستان بظله على جلسة التاسع من أبريل التي تم التصويت فيها على إزاحة خان، حيث استمر الجدال واحتدمت المواجهة في البرلمان لمدة 14 ساعة متواصلة. وقبل ذلك، تخللت هذه الأزمة تظاهراتٌ واسعة من جانب المؤيدين والمعارضين لرئيس الوزراء الذي انضم بذلك إلى طابور من رؤساء وزراء باكستان، يبلغ عددهم 19 شخص منذ الإعلان عن استقلال البلاد في عام 1947، لم يكمل أحدٌ منهم مدته البالغة 5 سنوات. 

فقد كان الشارع الباكستاني خلال الأيام الأخيرة بمثابة مسرح استعراض للمؤيدين والمعارضين لخان الذي شكّل فوزُه برئاسة الوزراء في البداية نهاية لهيمنة الحزبين الرئيسيين في باكستان (الرابطة الإسلامية وحزب الشعب الباكستاني)، حيث ينتمي خان لـ”حركة الإنصاف الباكستانية” التي شكلها منذ 26 عامًا في 25 أبريل 1996.

وجاءت هذه الإقالة أيضًا في ظل تحولات تشهدها العلاقات الدولية وتحالفات عززتها تطورات الأزمة الروسية الأوكرانية التي تحولت إلى حرب مباشرة في 24 فبراير الماضي مع بدء موسكو هجومها ضد أوكرانيا. وعلى الرغم من أن عمران خان قد حاول التزام الحياد في هذه الأزمة، إلا أن تصريحاته المتتالية قد تفهمتها الدول الغربية، ومن بينها الولايات المتحدة، على أن حكومته تقف إلى جانب روسيا في الحرب ضد أوكرانيا. وقاد هذا إلى أن يتهم عمران خان الولايات المتحدة بما اسماه “التآمر” ضده للإطاحة به، على حد تعبيره، أي أنه ربط ما بين موقف حكومته من الحرب الروسية الأوكرانية والضغط من أجل رحيله.  

وعلى أي حال، فإن رحيل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان سيلقي بظلاله على تعقيدات الحرب الروسية الأوكرانية الجارية من حيث حرمان الروس من حكومة حليفة تتمتع بلدُها بمزايا  “جيواقتصادية” و”جيوسياسية” مهمة. 

موقف حكومة عمران خان من الحرب الروسية الأوكرانية

لم يكن الموقف الباكستاني إزاء الحرب الروسية الأوكرانية غامضًا منذ البداية. ففي مطلع مارس الماضي، امتنعت باكستان عن التصويت بشأن قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة طالب موسكو بإيقاف عمليتها العسكرية في أوكرانيا. وكانت إسلام آباد من بين 35 دولة امتنعت عن التصويت وإلى جانبها أيضًا الصين والهند وإيران والعراق وكوبا. 

دول عربية تمتنع عن التصويت ضد روسيا في الأمم المتحدة | شايفك | جريدة الشاهد  الاسبوعية - الشاهد

ورأت الدول الغربية أن تصريحات عمران خان وتحركات حكومته تعني انحيازه لصالح روسيا في الحرب، خاصة وأنه كان في زيارة إلى موسكو في نفس اليوم الذي اندلعت فيه الحرب في 24 فبراير الماضي والتقى خلالها بالرئيس فلاديمير بوتين، ما اعتُبر مؤشرًا أوّليًا على دعم باكستاني لموسكو. فقد كانت هذه أول زيارة لرئيس وزراء باكستاني إلى موسكو منذ أكثر من 20 عامًا.

ولقد كان لهذه الزيارة أثرٌ كبير في إحداث المزيد من التدهور في علاقات باكستان والولايات المتحدة المتوترة بالأساس منذ أعوام. أما إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، فقد أبرزت استياءها من رغبة عمران خان زيارة موسكو وطالبت بإلغاء الزيارة. فحسب صحيفة “داون/ Dawn” الباكستانية، حاولت واشنطن منع هذه الزيارة والتقى مسؤولون أمريكيون بالسفير الباكستاني في واشنطن، أسد مجيد خان، آنذاك وأبلغوه استياءهم من هذه الخطوة.  

وزعمت وسائل إعلام محلية في باكستان أن عمران خان تلقى من مجيد خان رسالة وَرَدَ فيها أن “مسؤولًا أمريكيًا كبيرًا أخبره أنهم يشعرون بأن العلاقات ستكون أفضل إذا ترك (خان) منصب رئاسة الوزراء”. وقد نفت الولايات المتحدة من جانبها هذه المزاعم قائلة إنها “لا أساس لها من الصحة”. 

وعلى أي حال، قاد هذا عمران خان إلى اتهام الولايات المتحدة بـ”التآمر” ضد حكومته. ففي 27 مارس الماضي، لوّح رئيس الوزراء الباكستاني في خطاب له ممسكًا بورقة بيضاء قائلًا إنها “خطاب تهديد من جهات أجنبية تهدف إلى الإطاحة بالحكومة”، ما جعله يوجه اتهامًا للمعارضة المحلية بالتعاون مع الخارج للإطاحة به من خلال تصويت برلماني لسحب الثقة.  

واتهم عمران خان الولايات المتحدة بالوقوف وراء محاولات عزله من منصبه، إلا أن واشنطن نفت ذلك وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ند برايس، إنها لا أساس لها، مضيفًا أنه “نتابع عن قرب التطورات في باكستان، ونحترم دستور وسيادة القانون في باكستان وندعمه”.  

ولم تتوقف اتهامات خان عند الولايات المتحدة، بل إنه انتقد خلال شهر مارس الماضي سفراء دول غربية، من بينهم سفراء دول في الاتحاد الأوروبي، بعد دعوتهم له ولحكومته باتخاذ موقف مضاد لروسيا بعد الهجوم ضد أوكرانيا. ولكن خان انتقد بشدة هذه الدعوات، وردّ يوم الأحد 6 مارس عليها قائلًا “هل نحن عبيدٌ لكم؟! … نفعل أي شئ تقولونه؟”، في إشارة لرفضه حث إسلام آباد على اتخاذ موقف إزاء الحرب المُشار إليها. 

ووجه خان رسالة آنذاك جاء فيها “أريد أن أسأل سفراء الاتحاد الأوروبي: هل كتبتم مثل هذه الرسالة إلى الهند؟”، مضيفًا أن “باكستان عانت بسبب دعمها لحلف شمال الأطلنطي في أفغانستان، وقد واجهت انتقادات بدلًا من توجيه الشكر إليها”. 

الجيش وعمران خان والأزمة الروسية الأوكرانية

في نهاية أكتوبر الماضي، وافق رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، مضضًا على تعيين واحد من ثلاثة اسماء مقترحة رئيسًا لجهاز الاستخبارات العسكرية في البلاد المعروف اختصارًا باسم (ISI). كان هذا الاسم هو الرئيس الحالي للجهاز “نديم أحمد أنجم”. ولم يكن عمران خان مؤيدًا لتولي أنجم هذا المنصب، بل كان يفضل استمرار سلفه “حميد فيض” الذي يُعتقد أن له دورًا في تولي رئيس الوزراء الباكستاني الحالي منصبه في 2018. 

ومع اقتراب انتهاء مهمة القائد العام الحالي للجيش في باكستان الجنرال قمر جاويد باجوا، بعد ثمانية أشهر من الآن حيث عُيّن في 2016 لمدة 3 سنوات تم تمديدها مرة أخرى لنفس الفترة، تم تداول روايات حول عزم عمران خان تنصيب حميد فيض قائدًا عامًا جديدًا للجيش بدلًا من باجوا. ويعني هذا عودة فيض ولكن كقائد للجيش ورحيل باجوا الذي كان يختلف بشدة مع رئيس الوزراء بشأن الأزمة الأوكرانية.

قمر جاويد باجوا

 فقد كان الاختلاف بين “باجوا” وعمران خان واضحًا للغاية بشأن عدة قضايا من بينها الموقف إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، حيث انتقد الجنرال جاويد باجوا صراحة وعلنًا الهجومَ الروسي ضد أوكرانيا ودعا إلى الوقف الفوري لما اسماه “المأساة الكبرى”. 

علاوة على ذلك، لا تتقارب توجهات الجيش في باكستان مع وجهة نظر عمران خان إزاء العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة بشكل عام. وكان الأخير دائم الانتقاد للولايات المتحدة منذ توليه منصبه على الرغم من علاقة التعاون الوثيقة طويلة الأمد بين واشنطن وباكستان التي يؤيدها الجيش الباكستاني. 

كيف يمكن أن تؤثر إقالة عمران خان على مسار الأزمة الروسية الأوكرانية؟

لقد تعززت العلاقات الباكستانية الأمريكية مع دخول الجيش الأحمر السوفيتي أفغانستان عام 1979. فقد كانت باكستان وباعتراف مسئولين كبار بها معبرًا ومقرًا لتدريب المقاتلين المناهضين للوجود الروسي آنذاك في أفغانستان. وكانت الولايات المتحدة تعمل على تقديم الدعم اللوجيستي آنذاك في إطار صراعها مع الاتحاد السوفيتي في فترة الحرب الباردة. 

وبعد انتهاء الحرب عام 1989، بدأت العلاقات بين البلدين تتدهور بشكل نسبي خلال عهدي رئيسي الوزراء “بنظير بوتو” و”نواز شريف” حتى عام 1998. ولكن ومع وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، شهد التعاون بين البلدين مرحلة متقدمة للغاية وصارت إسلام آباد أحد أهم حلفاء واشنطن ليس فقط في الإقليم، بل وحول العالم. فقد كان اعتماد الولايات المتحدة على القوات الباكستانية كبيرًا في ظل الحرب ضد الإرهاب والجماعات الإرهابية في الإقليم. وقدمت الولايات المتحدة لإسلام آباد خلال العقدين الماضيين في إطار هذا التعاون حوالي 33 مليار دولار مساعدات. 

ولكن خلال السنوات القليلة الماضية، بدأت علاقات الجانبين تدخل دائرة التوتر. فقد اتهمت الولايات المتحدة الحكومة الباكستانية بدعم وإيواء إرهابيين، حيث وصفت تقارير صادرة عن واشنطن باكستان بأنها “ملاذ آمن للإرهابيين”. وفي إسلام آباد، تصاعدت حدة انتقاد واشنطن خاصة بعد مجئ رئيس الوزراء عمران خان. فلطالما أبرز خان عدم رضائه عن علاقات بلاده الوثيقة بالولايات المتحدة، بل وعن وجودها في أفغانستان. حيث شكك خان في أهمية الوجود الأمريكي بأفغانستان، كما عارض الغارات الجوية داخل الأراضي الباكستانية.  

وعلى أي حال، فإن العلاقات بين إسلام آباد وواشنطن وصلت في عهد عمران خان إلى أسوأ حالاتها منذ عام 2001. وانطلاقًا من هنا، توجه لاعب الكريكيت السابق إلى تعزيز تعاون بلاده مع روسيا (والصين أيضًا)، خصم الولايات المتحدة على الساحة السياسية والعسكرية الدولية. 

وأقلقت هذه الخطواتُ الولايات المتحدة بشدة وازداد القلق تفاقمًا مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية مؤخرًا، بينما على النقيض كان بقاء عمران خان في صالح موسكو، وكانت بحاجة إلى مواصلته أداء منصبه في إسلام آباد خاصة في الوقت الراهن. 

خليفة عمران خان قد يهدد مصالح روسيا

يُرجّح بشكل كبير أن يتولى شقيق رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق وزعيم المعارضة الحالي ورئيس حزب الرابطة الإسلامية أيضًا “شهباز شريف” رئاسة الوزراء خلفًا لعمران خان. ويُعرف عن شهباز قربه من الولايات المتحدة الأمريكية. 

باكستان: سجن شهباز شريف

ولذا، فإن رحيل عمران خان قد يعني مستقبلًا ما يلي: 

  1. إغلاق “منفذ نجاة” للاقتصاد الروسي داخل باكستان في ظل الحرب ضد أوكرانيا: 

إن أبرز المشاريع التي تنوي روسيا القيام بها داخل الأراضي الباكستانية هو المشروع المعروف باسم “السيل الباكستاني” أو ما كان يُطلق عليه سابقًا اسم “شمال-جنوب”، حيث وقعت موسكو وإسلام آباد عام 2015 اتفاقًا بشأن إنشاءه بطول 1.1 ألف كيلومتر وبطاقة تمرير تصل إلى 12.4 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا ليربط جنوب باكستان بشمالها.

وبرغم الحرب الروسية الأوكرانية، فإن المشروع كان من المقرر البدء به قريبًا جدًا طبقًا لاتفاقية وقعت في مايو 2021 بين البلدين. وقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية أيضًا أواخر شهر مارس الماضي عن أن مشروع بناء خط أنابيب غاز “السيل الباكستاني” سيكون من أولويات تطوير العلاقات بين روسيا وباكستان خلال الفترة المقبلة، بل إن بيانًا للخارجية الروسية صدر مؤخرًا قال إن زيادة التبادل التجاري بين روسيا وباكستان وتنفيذ عدد من مشاريع الطاقة صُنِّفا على أنهما “الهدفين ذوي الأولوية” للبلدين في الوقت الراهن. 

ويُعد هذا المشروع، الذي سيمتد لأكثر من ألف كليومتر من مدينة كراتشي جنوب باكستان وحتى شمال ذلك البلد، بمثابة إحدى “منافذ النجاة” للاقتصاد الروسي في ظل العقوبات الخارجية ضده في أعقاب الحرب مع أوكرانيا. ومثّل عمران خان داعمًا رئيسيًا له خلال توليه منصبه، في ظل مشكلات الطاقة المحلية في باكستان. 

ولعل هذا الأمر يشبه كثيرًا الاعتماد الروسي المستقبلي على إيران كإحدى منافذ الخروج من مأزق عقوبات ما بعد 24 فبراير 2022، حيث إن تكلفة بناءه ستتراوح ما بين 1.5 إلى 3.5 مليار دولار أمريكي وستتولى تنفيذه شركاتٌ روسية، بحيث تتولى الأخيرة 26% من تكلفته المالية وتدفع باكستان 74%.  

وعلى أي حال، فإذا ما قرر رئيس الوزراء التالي في باكستان (المحتمل أن يكون شهباز شريف) السير عكس اتجاه عمران خان فيما يتعلق بتنمية العلاقات مع روسيا، فإنه قد يتخلى عن مثل هذا المشروع. 

  1. توقف مشاريع تنمية التبادل التجاري: 

لم تكن زيارة عمران خان إلى روسيا أواخر فبراير الماضي ببعيدة عن التخطيط لتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا. فقد قال بيانٌ صادر عن مكتب رئاسة الوزراء الباكستني آنذاك إن عمران خان أكد على “التزام باكستان بإيجاد علاقات طويلة الأمد مع روسيا”. بل إن خان قد صرّح حين لقاءه بوتين بأن “القتال سيضر أكثر الدول النامية من الناحية الاقتصادية”. 

وكانت باكستان وروسيا تخططان قبل اندلاع الحرب إلى تعزيز التبادل التجاري بينهما عبر إطلاق مشاريع جديدة، كان يبدو أنها لن تتوقف برغم الحرب الروسية الأوكرانية، أما مع رحيل عمران خان فإنها سوف تظل رهينة توجهات رئيس الوزراء التالي.

ج- تشجيع الهند على اتخاذ موقف مضاد لموسكو في الحرب الأوكرانية: 

حيث إن قيام حكومة جديدة في إسلام آباد باتخاذ موقف مضاد لروسيا في الحرب ضد أوكرانيا وبالتقارب مع الولايات المتحدة وأوروبا سوف يدفع الحكومة الهندية بالتالي إلى اتخاذ موقف مماثل حتى لا يتحول الدعم الغربي عنها في ظل صراعها التاريخي مع باكستان. فإن اتخذت أية حكومة جديدة في باكستان موقفًا معارضًا بشكل صريح لموسكو في الحرب، فسيعني هذا تقاربها بشكل أكبر مع الغرب وبالتالي سوف تسلك الهند نهجًا مشابهًا.

الاستنتاج، انطلاقًا مما سبق، قد تصبح إقالة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إحدى عوامل خنق الاقتصاد الروسي خلال الفترة المقبلة، وسيتأكد هذا من طبيعة نهج وتوجهات رئيس الوزراء الجديد المحتمل (شهباز شريف) الذي يرجح ألا يسير على خطى عمران خان. وهذا الخنق لا يمكن فصله حتمًا عن أبعاد الحرب الروسية الأوكرانية، وإمكان مواصلة موسكو هذه الحرب بالأساس، أو على الأقل تحجيمها للخسائر الناتجة عنها. 

كما أن إقالة خان ومجئ رئيس وزراء جديد معارض لموقف موسكو إزاء الحرب قد يُفقِد روسيا حليفًا مهمًا ممثلًا في الهند التي وإن كانت لم تعلن رسميًا عن موقف محدد بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أنه من المفهوم أنها لا تعادي موسكو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى