دول الخليج العربيإيران

الترميم الشامل: متى تعيد الرياض وطهران فتح سفارتيهما؟

في إطار تحولات جادة، توصل مستشار الأمن الوطني السعودي، الدكتور مساعد بن محمد العيبان مع نظيره الإيراني، الأدميرال علي شمخاني، في 10 مارس الماضي إلى اتفاقية سياسية تقضي باستعادة البلدين علاقاتهما الدبلوماسية في غضون شهرين اثنين من ذلك التاريخ، أي في مدة أقصاها 10 مايو الجاري. ونصت الاتفاقية كذلك على أن يعيد البلدان تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما التي كان قد تم عقدها في 17 أبريل 2001، إلى جانب تفعيل الاتفاقية العامة للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب المبرمة في 27 مايو 1998.

ويبدو أن الدولتين عازمتان حقًا على إحداث تطورات إيجابية مهمة في علاقاتهما الثنائية بعد مضي أكثر من 7 سنوات على انقطاعها في يناير 2016. حيث أعقب هذه الخطوةَ التي جرت في بكين خلال مارس 2023 عدةُ لقاءاتٍ أخرى بعضها على مستوى وزاري أظهر خلالها المسؤولون من الرياض وطهران إرادة قوية واضحة على استئناف العلاقات وتقويتها في مختلف المجالات. وعلى الرغم من هذه الخطوات الجادة ومضي يوم 10 مايو 2023، لم يتم حتى الآن إعادة افتتاح السفارتين السعودية والإيرانية في طهران والرياض. فماذا يحدث إذًا؟، وكيف يسعى البلدان إلى افتتاح سفارتيهما ومتى؟

الترميم التدريجي والشامل للعلاقات: مرحلة ما بعد 10 مارس 2023

بعد انقطاع العلاقات بين السعودية وإيران في 2016، تراجعت إلى حدٍ كبير مستويات التعاون على مختلف الأصعدة بين البلدين، مثل: التبادل التجاري، أو الأمني، والرحلات الجوية السياحية، وأحيانًا أيضًا تلك الرحلات المتعلقة بالحج والعمرة، علاوة على التبادل الثقافي وغيره. أي، لم يكن انقطاع العلاقات سياسيًا فقط، بل كان شبه شامل، على النقيض من انقطاع العلاقات السياسية بين إيران وبعض الدول الأخرى وبقائها قائمة في مجالات تعاون أخرى بارزة. 

ويبدو أن البلدين يرغبان في البداية، أو حتى بالتزامن مع مرحلة استعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية، في السير معًا على طريق تعزيز مجالات التعاون الأخرى غير السياسية، كالاقتصادية والتجارية والأمنية والسياحية، والتي تُعد بالأساس جزءًا لا يتجزأ من أي عملية ترميم شاملة للعلاقات بين أي دولتين حول العالم، وهي العملية التي يُرجح أن الرياض وطهران ترغبان في القيام بها أولًا. 

ويؤكد هذا من ناحية أخرى على عزم وتصميم الدولتين بشكل وثيق على تقوية العلاقات بينهما وألا تقتصر فقط على الجوانب السياسية وافتتاح السفارات. وهو ما يعني كذلك أن العلاقات السعودية الإيرانية في المستقبل القريب ستسير في مسار يختلف بشكل ملحوظ عما كانت عليه حتى قبل 2016. وقد يفسر لنا هذا بشكل رئيس أحد الأسباب التي يرجّح أنها أجلت حتى الآن افتتاح السفارتين السعودية والإيرانية في طهران والرياض.

مؤشرات الترميم الشامل: ماذا جرى منذ 10 مارس الماضي وحتى اليوم؟

لا تتناقض هذه الخطوات التدريجية في قطاعات التعاون الأخرى المرجح تكثيفها بين البلدين خلال الفترة المقبلة مع رؤى وتخطيط البلدين لاستعادة السفارتين والقنصليات خلال المرحلة المقبلة برغم تخطي تاريخ العاشر من مايو كموعد لافتتاح هذه الممثليات الدبلوماسية. إذ، كما سبق القول ترغب الدولتان فيما يبدو في تأسيس علاقات أكثر تقدمًا لا يمكن لها أن تقتصر فقط على جانب واحد وهي الجانب السياسي وزاوية فرعية من ذلك الجانب ممثلة في استعادة العلاقات الدبلوماسية عبر افتتاح السفارات. وترتب على هذه الرؤى الشاملة تكثيف مسؤولي البلدين الزيارات واللقاءات المتبادلة بينهما؛ من أجل تعميق التعاون على أصعدة متنوعة وليس فقط من الناحية السياسية. 

وعلى سبيل المثال، وفي تطور ملموس، أعلن محمد مخبر، نائب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، يوم 3 أبريل الماضي أن الأخير سوف يزور السعودية بدعوة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. وأوضح المسؤول الإيراني، في إطار تفسيره للتطورات بين بلاده والسعودية قائلًا إن “تلك التطورات ليست محض صدفة، بل تم التخطيط لها من قبل ويجب أن تصل إلى هذه المرحلة”، مشيرًا إلى أن “إيجاد علاقات جيدة مع الدول المجاورة سياسة أساسية بالنسبة للحكومة الإيرانية، وإنها تسير على هذا المسار”. وقال مخبر إن “الملك سلمان دعا رئيس الجمهورية (الإيرانية) لزيارة السعودية، وقد لبينا الدعوة وستحدث تطورات جيدة إن شاء الله”. 

وقد التقى وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان يوم 6 أبريل الماضي في العاصمة الصينية بكين، ما مثّل أعلى اجتماع ثنائي رفيع المستوى بين وزيري خارجية البلدين منذ أكثر من 7 سنوات. وقد جاء هذا اللقاء لمناقشة تفعيل اتفاقية العاشر من مارس التي تنص على استعادة البلدين علاقاتهما الدبلوماسية. وقد سبق هذا اللقاء 3 اتصالات بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني تطرقت إلى الهدف نفسه.

وفي 9 أبريل 2023، وصل وفد فني سعودي إلى إيران للاطلاع على آلية إعادة افتتاح السفارة السعودية في طهران والتي زاروها في شارع نيلوفر بحی كاشانك بالمنطقة الأولى (1) الراقية في شمال العاصمة طهران. وقد سبقت هذه الزيارة السعودية زيارة إيرانية أخرى من جانب وفد فني إيران إلى المملكة العربية السعودية لمناقشة افتتاح السفارة والقنصليات الإيرانية في السعودية. 

وقد زار الوفد الإيراني المقار الدبلوماسية الإيرانية المغلقة في السعودية من أجل “تقدير أعمال الصيانة واللوجستيات اللازمة قبل استنئاف العمل فيها بشكل رسمي”. ويُشار إلى أنه في الشهر نفسه، قد قال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، إنه تلقى دعوة رسمية من وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، لزيارة السعودية، موضحًا أنه سيقوم بتلبيتها.

وفي زيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول إيراني إلى الرياض منذ أن تم التوصل إلى اتفاقية استعادة العلاقات الدبلوماسية شهر مارس الماضي، زار وزير الاقتصاد الإيراني، إحسان خاندوزي، الرياض يوم 11 مايو الجاري يترأّس وفدًا اقتصاديًا، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الإسلامي للتنمية 2023. 

والتقى “خاندوزي” وزير المالية السعودي محمد الجدعان الذي أوضح عبر “تويتر” أنه قد بحث مع
“خاندوزي” فرص تطوير وتعزيز العلاقات المشتركة بين البلدين. وشدد الوزير الإيراني من جانبه خلال اللقاء على أن “تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران والسعودية مربح للجانبين وفي مصلحة جميع دول المنطقة”، مشيرًا إلى أن بلاده “تتوقع أن نشهد زيادة في تفاعلات إيران الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع الدول المجاورة”.

تشير هذه اللقاءات المتتابعة إلى أن البلدين عازمان على تطوير علاقاتهما في دوائر التعاون المتعددة ومن بينها السياسية والاقتصادية والأمنية وليست الأولى فقط، وكان من بين النتائج الأولية لهذه الاجتماعات إعلان وزير التجارة الإيراني، رضا فاطمي أمين، يوم 25 أبريل 2023 عن بدء التبادل التجاري مع السعودية، مضيفًا أن “زملاءنا في وزارة (التجارة الإيرانية) بدأوا عملية تصدير البضائع”.

السفراء المحتملون في الرياض وطهران

قال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، يوم 11 مايو الجاري إن السعودية قدّمت سفيرها الجديد في طهران، ولكن من دون الإعلان عن اسم السفير الجديد. وأوضح الوزير الإيراني أن طهران سوف تقدم سفيرها الجديد في الرياض خلال الأيام المقبلة. وفي الوقت نفسه، تسلط وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية الضوء على هُوية السفير الإيراني الجديد المحتمل في الرياض، وهو الذي سيخلف السفير السابق حسين صادقي الذي غادر الرياض من دون عودة في يناير 2016. وفي ضوء ذلك، يمكن حصر الخيارات الإيرانية في هذا الصدد في مرشحين أساسيين، وهما: 

1 – “علي رضا عنايتي”: وهو سياسي ودبلوماسي إيران يشغل في الوقت الحالي منصب المدير العام لشؤون الخليج العربي بوزارة الخارجية الإيرانية، وكان قد عُين سفيرًا لإيران في الكويت قبل 9 سنوات إلى أن انتهت مهمته في أواخر عام 2018. ومن المؤكد أن عنايتي كان من أبرز الفاعلين الإيرانيين في المفاوضات السياسية بين طهران والسعودية في بغداد والتي بدأت في أبريل 2021 وانتهت قبيل الإعلان في بكين خلال مارس الماضي عن الاتفاق الدبلوماسي بين البلدين. فضلًا عن أنه من أهم متصدري مشهد استعادة العلاقات السياسية بين الرياض وطهران على مستوى وسائل الإعلام الإيرانية.

2 – “ناصر كنعاني”: يُعد المتحدث الحالي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، المرشح المحتمل الثاني لشغل منصب السفير الإيراني الجديد في السعودية. وعُين كنعاني في هذه الوظيقة في 27 يونيو 2022، بينما كان قبل ذلك مباشرة رئيسًا لمكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة لمدة 4 سنوات. وكان كنعاني قد شغل قبل ذلك مناصب داخل وزارة الخارجية الإيرانية مثل ترؤسه لقسم العراق داخل هذه الوزارة، وعمله كذلك في إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالوزارة.

استنتاجًا مما سبق، تسعى السعودية وإيران إلى استعادة علاقاتهما السياسية وإعادة فتح سفارتيهما قريبًا، مثلما يؤكد الطرفان على ذلك، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان في تصريحاىه الأخيرة يوم 11 مايو الجاري حينما قال إنه “سيتم الإعلان عن إعادة فتح السفارة السعودية في طهران، وتعيين السفير الإيراني لدى السعودية قريبًا”.  ومع ذلك، يرجح أن الدولتين تسعيان إلى وضع أسس وقواعد ثابتة لبناء علاقات قوية في المستقبل، عن طريق دفع العلاقات الاقتصادية، على وجه الخصوص، والأمنية وغيرهما قدمًا وعدم الاكتفاء بإعادة فتح السفارتين.

علي عاطف

باحث بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى