إيران

بعد استبعادها خطة الضربة العسكرية.. هل تنجح استراتيجية “الموت بألف جرح” الإسرائيلية ضد إيران؟

قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، نفتالي بينيت، خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في البيت الأبيض يوم 27 أغسطس الماضي خطة جديدة للتعامل مع الملف الإيراني بوجه عام وأنشطة طهران النووية بشكل خاص. ووصف مختصون إسرائيليون هذه الخطة بـ”استراتيجية الألف جرح” قائلين إنها تقوم على مواجهة إيران من خلال تنفيذ تحركات غير موسعة على جبهات مختلفة عسكرية ودبلوماسية، وذلك بدلاً من القيام بضربة عسكرية دراماتيكية واحدة ومباشرة.

وجاء الإعلان عن هذه الاستراتيجية من قِبل الحكومة الإسرائيلية اليمينية الجديدة التي أعقبت حكومة رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، والتي بدورها كانت تركز أكثر على ما يُطلق عليه “المواجهة المباشرة” مع إيران، معتبرين أن استراتيجية “الموت بألف جرح” نوعاً من الصراع غير المباشر مع الجمهورية الإسلامية.

وقد يرى مراقبون أن إستراتيجية بينيت تختلف عن تلك التي تبناها نتنياهو؛ لدعم الأخير شن ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية. لكن هذا الاختلاف يحتاج إلى المزيد من التدقيق.

ماذا يقصد نفتالي بينيت باستراتيجية “الموت بألف جرح”؟

على الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي لم يقدم تفسيراً واضحاً لاستراتيجيته المطروحة، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تشير إلى أنها تقوم على توجيه ضربات محدودة لإيران على أصعدة عدة سياسية، اقتصادية، عسكرية، ودبلوماسية، ولتحل محل ما يمكن أن نسميه إستراتيجية “الجرح الواحد” التي تقوم على توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية مباشرة إلى منشآت إيرانية بعينها، هي في الغالب نووية.

وهذا الهجوم المباشر من جانب إسرائيل، حال حدوثه غير المتوقع حسبما يشير طرح بينيت، سيتم في الغالب بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وعليه، فإن التطبيق العملي لاستراتيجية بينيت المطروحة إزاء إيران يُرجَّح أن يتم من خلال:

  • شن ضرباتٍ عسكرية محدودة ضد النفوذ ومواقع التمركز الإيرانية في إقليم الشرق الأوسط، كالأراضي السورية واللبنانية، أو العراقية.

  • تشجيع الولايات المتحدة والقوى الدولية على فرض عقوبات اقتصادية على إيران.

  • دفع القوى الدولية لاتخاذ مواقف مناهضة لإيران، سواء في الأمم المتحدة، أوالمنظمات الدولية الأخرى، كالوكالة الدولية للطاقة الذرية.

  • محاولة إسرائيل محاصرة إيران سياسياً من خلال تعزيز العلاقات مع الدول المحيطة بها.

  • الدفع من أجل وضع أكبر قدر من البنود المقيِّدة للأنشطة النووية والصاروخية الإيرانية.

  • التعاون مع واشنطن ودول أخرى بغية تقييد تحركات إيران السياسية والعسكرية في إقليم الشرق الأوسط.

لماذا استبعد رئيس الوزراء الإسرائيلي استراتيجية “الجرح الواحد”؟

 على الرغم مما أثير في بداية تولي الحكومة الإسرائيلية الجديدة السلطة بزعامة بينيت بشأن التخطيط لشن هجوم إسرائيلي مباشر على المواقع النووية الإيرانية، وما رافقها من دعوة السياسي الأمريكي الشهير “دينيس روس” لواشنطن من أجل ارسال “أم القنابل” لإسرائيل من أجل تدمير مواقع إيران النووية،(1) إلا أن الإقدام على مثل هذا الأمر لا يبدو عملياً على أرض الوقع، أو على الأقل في الوقت الحالي.

فإيران تستطيع إحداث خسائر واسعة بإسرائيل إذا ما اندلعت حربٌ مباشرة بين الطرفين؛ خاصة مع افتقاد الطرف الأخير لعمق استراتيجي يمكنه من تحمل الضربات والمناورة عسكرياً. فعلاوة على الصواريخ التي يمكن إطلاقها من إيران نفسها باتجاه إسرائيل وتوظيفها لاستراتيجية الإغراق الصاروخي، تستطيع طهران توجيه الجماعات الموالية لها في لبنان وسوريا، حيثما ينشط الحرس الثوري في بعض المواقع، بل وفي العراق، لمهاجمة إسرائيل.

وإذا ما حدث مثلُ هذا الأمر، فإن إسرائيل ستضطر عملياً إلى الانخراط في حرب إقليمية واسعة سيكون مسرحها ممتداً من إيران إلى العراق وسوريا مروراً بلبنان ووصولاً إلى إسرائيل، هذا إذا ما استبعدنا دخول أطراف إقليمية أخرى على خط الصراع العسكري، وإذا ما حصرنا أيضاً الرقعة الجغرافية للمعارك في هذه المناطق فقط.

وفي مثل هذه الحالة، لن تكون الولايات المتحدة وروسيا والصين خارج المشهد العسكري الحربي، ما يعني احتمالية اندلاع حرب أكثر شمولاً.

ولذا، فإن الحالة الوحيدة التي يمكن لإسرائيل فيها تطبيق سياسة “الجرح الواحد”، أي الهجوم العسكري المباشر ضد إيران، هي اقتراب الأخيرة بشكل حقيقي من امتلاك سلاح نووي، بمعنى أن تصبح طهران على مسافة بضعة أشهر من تصنيع هذا السلاح. ولا يبدو هذا أمراً واقعياً في الوقت الحالي؛ وإلا فلماذا تسعى الولايات المتحدة إلى الدخول في مفاوضات نووية مع بلدٍ بات على بعد شهور قليلة من امتلاك سلاح نووي، حيث إنه بإمكان هذه الدولة في هذه الحالة مواصلة طريق السلاح النووي حتى مع وجود اتفاق دولي، خاصة وأن إيران لديها مواقع نووية محصنة تحت الأرض.

وعليه، فإن السيناريو الوحيد في هذه الحالة هو التنسيق الأمريكي الإسرائيلي المباشر، بالتعاون مع دول أخرى، لضرب القدرات النووية الإيرانية بشكل واضح وصريح. ويمثل السيناريو الأخير التطبيق العملي لسياسة “الجرح الواحد” من جانب إسرائيل، وهي كما يتضح لن يكون بمقدورها تنفيذها وحدها.

استراتيجية بينيت ليست بالجديدة

قد نجانبُ الصواب حين نَصِفُ استراتيجية “الموت بألف جرح” التي طرحها نفتالي بينيت مؤخراً بالجديدة؛ إذ أن الحكومة الإسرائيلية التي سبقت بينيت بزعامة نتنياهو قد فعلت هذه الاستراتيجية عند التعامل مع طهران، خاصة خلال السنوات القليلة الأخيرة.

فعلى سبيل المثال، شنت إسرائيل منذ العام 2010 وحتى العام الجاري، حسب تقارير دولية عدة، العديد من الهجمات الإليكترونية السيبرانية ضد منشآت نووية ومرافق خدمية إيرانية، بدءً من فيروس “ستاكس نت” الذي هاجم مفاعل “بوشهر” في العام المُشار إليه وحتى استهداف مفاعل “نطنز” في أبريل 2021.

وإلى جانب ذلك، تأتي الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران ووكلائها في الشرق الأوسط خلال العقد المنصرم كدليل آخر على أن اسراتيجية “الموت بألف جرح” ليست بالجديدة. ففي سوريا ولبنان والعراق، استهدفت إسرائيل الوكلاء التابعين لإيران بعدد كبير من الضربات الجوية التي لا تزال مستمرة.  

وحتى قبل ذروة هذه الهجمات مؤخراً، كان الصحفي الأمريكي “ريتشارد سوليفان” قد أشار مبكراً في 15 أغسطس 2012 إلى أنه حصل على معلومات سرية من سياسي إسرائيلي على صلة بضابط عسكري إسرائيلي رفيع المستوى تشير إلى أن إسرائيل تعد نفسها لبدء عمليات عسكرية داخل إيران، موضحاً أن “العملية العسكرية ستتم إلى جانب سلسلة من الهجمات السيبرانية الواسعة ضد البنى التحتية الإيرانية”.(2)

ويعني هذا أن “الموت بألف جُرح” كان قد خُطط لها ونُفذت في وقت لاحق بأي شكل من الأشكال، حتى بدون تحقق ما قاله سوليفان.

وعلاوة على هذا، قامت إسرائيل بعمليات استهداف لسفن إيرانية متعددة في البحر الأحمر وتحديداً عند سواحل اليمن، وكان من بينها مثالاً ما كشفت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية يوم الثلاثاء 6 أبريل 2021 حينما قالت إن “القوات الإسرائيلية ضربت سفينة إيرانية في البحر الأحمر … وذلك كرد مباشر على هجمات إيرانية سابقة استهدفت عدة سفن إسرائيلية”.(3) ولم ينتهِ الأمر في البحر الأحمر، بل كان الصراع الإيراني الإسرائيلي ممتداً إلى مياه الخليج العربي.

هل نجحت استراتيجية “الموت بألف جرح” الإسرائيلية مسبقاً في المواجهة مع إيران؟

إذا كان هدف إسرائيل من وراء استخدام هذه الاستراتيجية منع إيران من المضي قدماً في أنشطتها النووية ووقف عمليات تطوير الصواريخ الباليستية، أو تحركاتها في إقليم الشرق الأوسط، فحينئذ يمكننا القول إنها فشلت في تحقيقه. فإيران قد أعلنت خلال أبريل الماضي عن عزمها زيادة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهو ما يعني اقترابها بسرعة من نسبة 90% المطلوبة لإنتاج سلاح نووي. ولهذا السبب، أعربت الترويكا الأوروبية في 19 أغسطس 2021 عن قلقها البالغ إزاء التقارير الأخيرة التي أكدت أن طهران أنتجت يورانيوم مخصبا بنسبة تزيد عن 20% للمرة الأولى.

وبالتزامن مع ذلك، أوضحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر الجاري أن إيران باتت تمتلك حوالي 10 كليو جرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وكعامل أساسي في عملية التطوير النووي، عززت طهران من قدرات أجهزة “الطرد المركزية” اللازمة لإتمام عملية تخصيب اليورانيوم وأصبح في حيازتها عشرات النسخ من طراز “IR-6”.

وعلى المنوال نفسه، سارت إيران في تطوير قدراتها الصاروخية أسرع بكثير من الأخرى النووية. وبشكل موجز، تملك طهران صواريخ يصل مداها إلى 3000-4000 كليومتر، مثل صاروخ “شهاب-4″، ما يعني أنها تغطي منطقة الشرق الأوسط وتصل إلى مناطق في أوروبا. بل إن إيران تعمل على تطوير نسخاً أخرى من هذا الصاروخ “شهاب-5″ و”شهاب-6” يصل مداهما إلى 5 آلاف و10 آلاف كيلومتر على الرتيب. هذا فضلاً عن عائلات أخرى من الصواريخ، مثل خرمشهر وزلزال وفجر.

وكانت الصواريخ الإيرانية وحتى سنوات خلت معيبة بعدم الدقة في إصابة الأهداف، إلا أن طهران استطاعت خلال السنوات الأخيرة تلافي هذا الأمر ولو بشكل جزئي، وظهر لديها صاروخ مثل “سجيل” الباليستي أرض-أرض فائق الدقة والذي يصل مداه إلى حوالي 2000 كيلومتر.

أما فيما يتعلق بالتحركات العسكرية الإيرانية في الإقليم، فإن طهران لا تزال تستحوذ على نفوذ كبير داخل عدد من بلدانه، خاصة عن طريق دعمها لوكلاء في هذه البلدان التي يأتي على رأسها العراق وسوريا.

وختاماً،

لا تُعد استراتيجية “الموت بألف جرح” جديدة عند الحديث عن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية. فقد سبق واستخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو ولم تحقق الأهداف التي صيغت من أجلها، بل إن إيران لم توقف أنشطتها النووية والصاروخية وعملت على تطويرهما. ولذا، فإن حكومة نفتالي بينيت سوف تواصل في الواقع مسيرة نتنياهو في التعامل مع إيران، بل سيصبح الاتفاق النووي أمامها أمراً واقعاً.

وينبغي أخيراً الإشارة إلى أن إسرائيل مجبرة على تبني استراتيجية “الموت بألف جرح”؛ للسبب المُشار إليه آنفاً، علاوة على أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تُعد الأقل تقبلاً لانخراط عسكري أمريكي كبير في الخارج بين نظرائها خلال العقود الماضية. ويجعل هذا حكومة بينيت تستشعر خطر أن تكون وحدها في هكذا مواجهة مع إيران ووكلائها، ما يقودها للسير في طريق الإستراتيجية المعلن عنها.

……………………………..

المصادر والمراجع:

  1.   

Dennis Ross,To Deter Iran, Give Israel a Big Bomb”, Bloomberg, July, 23rd 2021.

https://cutt.us/WfPif
  •  

, BBC, Aug., 15th 2012.”Israel ‘prepared for 30-day war with Iran

https://cutt.us/0velZ
  • 3-      

نيويورك تايمز: إسرائيل ضربت سفينة إيرانية في البحر الأحمر عند سواحل اليمن“، يورونيوز، 7 أبريل 2021.https://cutt.us/MheoB

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى