آسياإيران

تفعيل العلاقات من جديد: ماذا وراء زيارة الرئيس الإيراني إلى الصين؟

في مارس 2021، وقّع وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف مع نظيره الصيني آنذاك وانج يي على اتفاقية اقتصادية استراتيجية شاملة لمدة 25 عامًا تنص على قيام الصين بضخ استثمارات هائلة في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والدفاعية الإيرانية تصل إلى 400 مليار دولار أمريكي، مقابل امتيازات تمنحها طهران لبكين في قطاعات الطاقة. 

وطبقًا لبنود هذه الاتفاقية، بات من المقرر أن تستثمر الصين حوالي 280 مليار دولار لتطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران، و120 مليار دولار أخرى في قطاع البنى التحتية للتصنيع في إيران. ولكن في الوقت نفسه، أشارت تقارير إلى أن الاتفاقية تتضمن تعاونًا دفاعيًا وأمنيًا.

لقد كان الرئيس الصيني شي جين بينج هو من طرح الفكرة منذ البداية خلال زيارته إلى إيران عام 2016. واستمر الحديث بشأنها سنواتٍ حتى بدت حاجة طهران القوية إلى مثل هذه الاتفاقية مع تصدع الاتفاق النووي الموقع في لوزان بسويسرا في يوليو 2015 بين إيران والقوى الكبرى، في مايو 2018 مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، خروج بلاده منها. 

فأصبحت لدى إيران شكوك بشأن مدى نجاح أي اتفاق نووي مستقبلي في تحقيق طفرة اقتصادية بإيران، ما دفعها إلى وضع خطة اقتصادية ضخمة تتضمن ربط البلاد باقتصاديات دول بعينها من أجل الفكاك من العقوبات الاقتصادية المعمول بها عليها. وتندرج تحت قائمة هذه البلدان دول أفريقيا جنوب الصحراء ودول آسيا الوسطى، وبشكل رئيس روسيا والصين التي وقعت إيران معها بالأساس الاتفاق الشامل المُشار إليه.

وعلى أي حال، لم تدخل اتفاقية الـ 25 عامًا حيز التنفيذ العملي بوجه كامل حتى الآن، بل تراجعت الاستثمارات الصينية في إيران خلال الفترة الماضية، وهو ما أقرّت به صحيفة “شرق” الإيرانية الشهيرة في إحدى أعدادها الورقية الصادرة منذ أيام قبيل الزيارة الحالية للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى الصين. وقد دفع هذا السكونُ، بالإضافة إلى تطورات أخرى لا تراها إيران إيجابية أو في صالحها، الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى زيارة بكين التي وصلها يوم 14 فبراير 2023.

التوجه نحو غرب الخليج العربي: تحولات مسار العلاقات الإيرانية الصينية تدفع رئيسي لزيارة بكين

على الرغم من أن الحرب الروسية الأوكرانية قد أدت إلى تعزيز العلاقات الإيرانية مع موسكو على مختلف المجالات، فإنها كانت على النقيض من ذلك عند الحديث عن مجال التعاون الاقتصادي الإيراني (تحديدًا) مع بكين. فقد توجّهت الأخيرة خلال الأشهر الماضية إلى تعزيز تعاونها الاقتصادي مع عدد من الدول العربية، ما أثار قلقًا في طهران، خاصة في ظل عدم تفعيل اتفاقية الـ 25 عامًا بين إيران والصين. وفي ضوء ذلك، نتطرق فيما يلي لأبرز دوافع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، إلى زيارة بكين:

  1. تفعيل الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة ذات الـ 25 عامًا: 

حتى الآن، لم تدخل الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة للتعاون بين الصين وإيران حيّز التنفيذ العملي بشكل كامل منذ مارس 2021. فعلى الرغم من إعلان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في يناير 2022 عن بدء سريان بنود الاتفاقية عمليًا، لكن يبدو أن مسار تنفيذ بنود هذه الاتفاقية قد تعطّل لاحقًا، بحسب تصريحات إيرانية.

فعلى أرض الواقع، لم تدخل الاتفاقية الكبرى بثقلها حيز التنفيذ العملي ويبدو أنه قد تم البدء فقط بتنفيذ بعض العقود المنبثقة عنها، إلا أن طهران وبكين لم يتمكنا حتى الآن من إطلاق المشاريع الكبرى ذات الصلة باتفاقية الـ 25 عامًا. وقد تحدث بهذا الشأن “محمد جمشيدي”، المسؤول السياسي عن مكتب الرئيس الإيراني الحالي إبراهيم رئيسي، حيث قال مؤخرًا إنه “في بداية عمل الحكومة الحالية (في إيران) كانت الاتفاقية على الورق فقط، إلا أن حكومة رئيسي قد أعدت آلية عملية لتنفيذها”، ما يعني أن الحكومة الإيرانية القائمة كانت لا تزال تنسق لاستراتيجية تنفيذ الاتفاقية ولم تطبق الأخيرة عمليًا بشكلها الذي تم الاتفاق عليه. 

وأوضح جمشيدي أن الزيارة التي قام بها نائب رئيس الوزراء الصيني إلى طهران قبل شهرين من الآن شهدت محادثات “جادة” حول البدء في تنفيذ هذه الاتفاقية. ويُعد هذا الملف القضية الأكثر حيوية في الوقت الحالي التي تكتنف العلاقات الإيرانية الصينية، وأبرز تعثرٍ أيضًا في مسار هذه العلاقات.  

ويشير هذا إجمالًا إلى أن التعاون الاقتصادي والخطط طويلة المدى الوثيقة بذلك بين طهران وبكين لم تكن على ما يُرام خلال العامين الماضيين، أو على الأقل لم تسر حسبما أراد الإيرانيون أو توقعوا بعد التوصل إلى الاتفاقية الشاملة في 2021، ما مثّل تحولًا ملموسًا في علاقات الدولتين وأوجب معه مواصلة جهود تنفيذ بنود الاتفاقية. 

وفي هذا الإطار، ذهب الرئيس الإيراني رئيسي إلى الصين من أجل تفعيل هذه الاتفاقية الشاملة على أرض الواقع بعد تعطلها لأشهر طويلة؛ وذلك نظرًا إلى آثارها الاقتصادية الهائلة على إيران إن جرى تطبيقها، وذلك في أول زيارة حكومية لرئيس إيراني إلى الصين منذ 20 عامًا، حيث كانت زيارة الرئيس السابق حسن روحاني إلى بكين في عام 2018 للمشاركة في أعمال قمة منظمة شنغهاي للتعاون وليس من أجل الحوار الثنائي فقط مع الصين، وهو ما يسلط الضوء بالتالي على أهمية هذه الزيارة خاصة في الوقت الحالي الذي تشهد فيه إيران موجة احتجاجات عارمة منذ سبتمبر الماضي.

ويمثل هذا الملف أبرز هدف من وراء زيارة الرئيس الإيراني رئيسي إلى الصين، والتي ستسعى طهران خلالها إلى الدفع قدمًا بتفعيل أكبر عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع بكين. 

  1. استعادة زخم العلاقات في ظل توجه صيني نحو غرب الخليج العربي:

لقد مثّلت القمة العربية الصينية الأولى التي عُقدت في العاصمة السعودية الرياض خلال شهر ديسمبر 2022 بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، نقطة فارقة في مسار التعاون العربي الصيني، إلا أن طهران قد رأتها من زاوية أخرى، حيث ساورها قلق من أن يقود ذلك مستقبلًا إلى تراجع قوة العلاقات الصينية الإيرانية على المستوى الاقتصادي أو السياسي لصالح الدول العربية.

ففي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الشرق الأوسط أواخر العام الماضي، لم يعرج الرجل على إيران مثلما فعل في عام 2016، وأعلن شي صراحة خلال القمة العربية الصينية الأخيرة عن رغبته في تطوير وتعميق علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية، ودعت بكين خلال القمة طهران إلى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والالتزام بمبدأ حسن الجوار. لقد كان لهذه التصريحات الصينية صدى واسعًا داخل دوائر السياسة الإيرانية، حيث استغربها البعض ووجه آخرون في طهران انتقادات لها يمكن وصفها بغير المعتادة عند الحديث عن طبيعة العلاقات الصينية الإيرانية. 

وأعقب هذه التصريحاتِ وما جاء في البيان الختامي المشترك للقمة استدعاءُ طهران في الشهر نفسه السفير الصيني لديها، تشانج هوا، وإعرابها عن “رفضها” لما جاء في التصريحات الصينية. ومثّل هذا الاستدعاء سابقة نادرة الحدوث في علاقات البلدين، صاحبته بعض الانتقادات المحلية في إيران للصين من جانب مسؤولين بينهم برلمانيون، بينما قرأها البعض الآخر في إيران على أنها تحول في بوصلة الاهتمام الصيني.

وفي السياق نفسه، تراجع بشكل ملحوظ حجمُ الاستثمارات الصينية في إيران خلال الفترة الماضية. فقد ذكرت هيئة الاستثمار والمساعدات الاقتصادية والفنية في إيران مؤخرًا أن الصينيين استثمروا خلال العامين الماضيين حوالي 227 مليون دولار في إيران، ولكن هذا الرقم قد انخفض حاليًا إلى 185 مليون دولار فقط. 

وقد أشار نائب وزير الاقتصاد الإيراني علي فكري مؤخرًا إلى وجود “مشكلات” في التبادل التجاري بين إيران والصين “أدت إلى تراجع العلاقات التجارية بين البلدين”، مشددًا على أن “هدف إيران هو عودة العلاقات (مع بكين) إلى سابق عهدها قبل الاتفاق النووي، وإيصال معدل التبادل التجاري إلى 45 مليار دولار، وعودة الصينيين مرة أخرى إلى مجالات الاستثمار في إيران”.

وعليه، فإن المخاوف الإيرانية من تراجع مستوى التعاون الاقتصادي والسياسي مع بكين مستقبلًا وتحول المسار لصالح الدول العربية كانت بادية للغاية خلال الشهرين الماضيين منذ انعقاد القمة العربية الصينية شهر ديسمبر الماضي، ما مثّل دافعًا لدى طهران لمحاولة الالتفاف على هذا المسار. فمنذ انعقاد القمة، شرعت إيران في تعزيز تقاربها مع الصين والتأكيد في الوقت نفسه على العلاقات الوثيقة. 

وكان ذلك من خلال تصريحات متعددة معنية، لعل من بين أهمها تأكيد “رئيسي” قبل سفره إلى بكين بيوم واحد على أن “إيران لديها موقف مشترك مع الصين فيما يخص الأحادية”، في إشارة ضمنية إلى توتر العلاقات بين بكين وواشنطن، مضيفًا أن هذا الموقف “يجعلنا نقف جنبًا إلى جنب على المستوى الدولي فيما يتعلق بالاستقلالية السياسية”. لذا، فإن زيارة الرئيس الإيراني رئيسي إلى بكين تُعد محاولة للالتفاف على الاهتمام الصيني المتنامي بالشراكة مع دول شرق أوسطية غير إيران. 

  1. ضمان الدعم الصيني في المفاوضات النووية:

أقلقت إيرانَ تصريحاتُ الصين حول الموقف الإيراني من المفاوضات النووية مع القوى الكبرى، وذلك خلال القمة العربية الصينية أواخر العام الماضي. حيث دعت بكين طهران إلى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل المضي قدمًا في هذه المحادثات، في ظل تعثر تشهده منذ شهر أغسطس 2022 بعد رفض إيران التعاون في هذا الشأن.

وبالطبع، فإن تطورًا مثل هذا يثير مخاوف طهران من إمكانية فقدان الدعم في المفاوضات النووية مع القوى الكبرى من جانب دولة قوية وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي وحليف مقرب أيضًا على المستوى الدولي، ما يدفعها إلى محاولة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

وختامًا، على الرغم من الأهمية القصوى لدى إيران المتمثلة في الدفع قدمًا لتنفيذ بنود الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة مع بكين، ومع أن هذا الملف يحتل الأولوية الأولى ضمن أهداف زيارة الرئيس الإيراني إلى بكين؛ إلا أن مساعي إيران وراء استعادة الزخم القوي للعلاقات مع بكين على مختلف الأصعدة ومخاوفها من تحول بوصلة الاهتمام الصيني في الشرق الأوسط نحو الدول العربية بشكل كامل مع تجاهل “نسبي” لإيران تمثل أيضًا هدفًا رئيسًا لا يمكن إغفاله لهذه الزيارة، وهو ما لا يُتوقع معه أن تنتهي المحاولات الإيرانية عند هذا الحد، بل يحتمل أن تعقب الزيارة محادثات أخرى مشابهة ذات صلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى