إيران

دلالات الاتفاق الإيراني الفنزويلي طويل الأمد

في 18 أكتوبر الجاري، أعلن الرئيس الإيراني المحافظ إبراهيم رئيسي، عن عزم بلاده عقد اتفاق اقتصادي طويل الأمد لمدة 20 عامًا مع فنزويلا خلال زيارة مرتقبة للرئيس نيكولاس مادورو إلى طهران قريبًا. وعبّرت السلطات الإيرانية، على لسان وزير الخارجية أمير حسين عبد اللهيان عن اهتمام بلاده بعقد الاتفاق، مؤكدًا أن طهران تدعم مادورو والمؤسسات في فنزويلا. 

ووصف وزير الخارجية الفنزويلي، فيليكس بلاسنثيا، إيران في اللقاء نفسه بأنها “صديقٌ استراتيجي لكراكاس”، مضيفًا أن “محادثاتنا اليوم كانت مهمة وبالتأكيد سوف تساعد على تحسين ظروفنا الاقتصادية وتعود بالفائدة على الشعبين”. 

وعلى الرغم من سابقة عقد طهران وكراكاس في الماضي اتفاقاتٍ شبيهة، وإن كانت أقل من حيث المدة ومن بينها موافقة فنزويلا في سبتمبر الماضي على مقايضة نفطها الثقيل بمكثفاتٍ غاز إيرانية، إلا أن رغبة الطرفين هذه المرة في عقد اتفاق طويل الأجل لمدة 20 عامًا يحمل دلالاتٍ مهمة.

لماذا تتقارب طهران وكراكاس؟ 

الرئيس احمدي نجاد يطمئن على صحة هوغو تشافيز - قناة العالم الاخبارية

بدأت مسيرة العلاقات الإيرانية الفنزويلية تتعزز بشكل أوثق مع بداية القرن الحالي، حيث أطلق الرئيس السابق في كراكاس هوجو تشافيز (1999- 2013) العنان لتطوير علاقات بلاده مع إيران مع أول زيارة له بعد عامين فقط من توليه الرئاسة في 2001. وتوطدت علاقاتُ الطرفين بالتزامن مع وصول الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى سُدة الحكم (2005-2013). 

وجعل الطرفان محور علاقاتهما وركيزتها الأساسية معاداة الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. وهنا، التقت “المصالح” الإيرانية مع نظيرتها الفنزويلية لتتعمق منذ ذلك الوقت العلاقات وتصبح كراكاس أهم حليف حقيقي لطهران في الأمريكتين بوجه عام. 

إن طبيعة السياسة الخارجية للنظامين، والعلاقات مع الغرب على وجه الخصوص، كانت المحور الأساسي الذي دفع النظامين للتقارب سويًا، فضلًا عن سمات أخرى شبيهة تخص الداخل من حيث الحالة الاقتصادية والمعيشية. وترى الدولتان أن تقاربهما على المستوى السياسي والاقتصادي خاصة سوف يساعدهما على تحمل العقوبات الأمريكية والمقاطعة الغربية. إذ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قد ازداد بمرور الوقت وشمل قطاعات مختلفة كان على رأسها الطاقة، والزراعة، والإسكان، والبنى التحتية. 

وحتى ديسمبر 2008، بلغت قيمة كل المشروعات الاقتصادية الإيرانية في فنزويلا حوالي 4 مليارات دولار. وكان نطاق مجالات التعاون البيني بين إيران وفنزويلا قد توسع في العام 2007، حينما أسست خطوط الطيران الإيرانية “إيران-اير” بمساعدة “كنوياسا” خطًا جويًا مباشرًا بين عاصمتي البلدين مرورًا بالعاصمة السورية دمشق.

ويحاول الجانبان بمرور الوقت دعم اقتصاد كل منهما الآخر فيما يبدو نكاية بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على غرار السفن النفطية التي أرسلتها إيران إلى فنزويلا وصادرت واشنطن بعضَها كتلك السفن الأربع التي أوقِفَت في أغسطس 2020.

وعسكريًا، تشير تقارير إلى وجود تعاون من هذا النوع بين البلدين، خاصة على المستوى الصاروخي. وكانت أبرز هذه التقارير ما كشفت عنه وسائل إعلام فنزويلية وبرازيلية في عام 2016، حين قالت إن البلدين يقومان بتطوير برنامج محركات صواريخ من طراز “كروز”. وآنذاك، أوردت مجلة “فيجا” البرازيلية أنها حصلت على وثيقة تثبت قيام طهران عام 2009 بدعم برنامج فنزويلي يرمي إلى تطوير مركبات كيميائية وبرامج أخرى لتطوير صواريخ. 

وعلاوة على هذا، يحاول كلا البلدين دعم  بعضهما على المستوى السياسي الدولي، فيما يبدو أنه تكتل أوسع يضم دولاً أكبر وأقوى منهما كروسيا والصين. 

دلالات الاتفاق المزمع بين إيران وفنزويلا

لا تنحصر الاتفاقية المزمع عقدها بين إيران وفنزويلا لمدة 20 عامًا في كونها تبادلاً اقتصاديًا، على الأقل، طويل الأمد، بل إنها تؤطر في الواقع لنشأة تكتل دولي جديد يُعد في جميع الأحوال معاديًا للولايات المتحدة، إن لم يكن لدولٍ أخرى في القارة الأوروبية.

  • “نادي المعاقَبين اقتصادياً”: 
إيران - روسيا - الصين... تحالفات إستراتيجية في مواجهة أميركا - الراي

 خلال السنوات الماضية، وقعت الجمهورية الإسلامية اتفاقاتٍ اقتصادية متعددة وطويلة المدى مع دول أخرى، كروسيا والصين، علاوة على الهند. فقد سبق لطهران، على سبيل المثال، توقيع اتفاقية مدتُها 20 عامًا مع روسيا، واتفاقية أخرى وصفت بـ”الاستراتيجية” مع الهند أوائل 2018، والآن اتفاقية جديدة يُتوقع التوصل إليها قريبًا مع كراكاس تبلغ 20 عامًا. 

ومع انضمام هذه التكتلات إلى بعضها البعض، يكون قد تشكل لدينا “نادٍ للمعاقَبين اقتصادياً” على مستوى العالم، يمثل تكتلاً جديدًا مناهضًا للولايات المتحدة. 

ويكفي هنا للتوضيح المرور على تصريحات الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، خلال لقائه مع وزير الخارجية الفنزويلي، حين قال إن سياسة بلاده تتمركز حول “التنمية الحقيقية” للعلاقات مع الدول النامية وخاصة الدول التي تسعى لـ “الحفاظ على استقلالها في مواجهة الدول المهيمنة”، على حد تعبيره. 

إن بإمكان مثل هذا التكتل أن يمثل تهديدًا مستقبليًا جديًا لواشنطن على المستويات السياسية والاقتصادية الدولية، خاصة وأن جميع دوله مؤثرة إما دوليًا أو على الأقل في إطار محيطها الإقليمي. 

  • تحييد للعقوبات الأمريكية؟: 

ترمي إيران وكراكاس بشدة من وراء مثل هذا الاتفاق إلى الحد من آثار العقوبات الأمريكية عليهما، إذ أن الأخيرة هي المحرك الرئيس للتوقيع المحتمل في المستقبل القريب على الاتفاق، والذي يتضمن بدوره تعاونًا اقتصاديًا واسعا حسبما أشار إليه أمير حسين عبد اللهيان وزير الخارجية الإيراني، في تصريحاته المتزامنة مع الزيارة والتي قال فيها إنه “تم إيجاد أرضية مشتركة للاستثمار في إيران، وسيتم الإعلان تدريجيًا عن تفاصيلها”. 

وليس هذا النوع من التعاون بين فنزويلا وإيران بالجديد، إذ أن الأخيرة قد أرسلت حتى الآن عددًا من شحنات البنزين، والمنتجات البتروكيماوية، والنفط الخام إلى كراكاس تُقدر بملايين الأطنان. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ أن القوات العسكرية الإيرانية والفنزويلية قد رافقت هذه الشحنات، وهو ما يحمل ضمنًا مؤشرات تنسيق عسكري معادٍ لواشنطن. 

 ويُعتقد أن الطرفين، طهران وفنزويلا، سيحاولان خلال قادم الأيام توسيع نطاق التعاون الاقتصادي بينهما بشكل مكثف في إطار هذه الاتفاقية المرتقبة؛ رغبة في تلافي آثار عقوبات واشنطن، أخذًا في الحسبان أن الدول الأخرى المُشار إليها في “الائتلاف”، مجازًا، لا يُتوقع أن تقف موقف المتفرج فقط، وهو ما يحمل المزيد من المخاطر الاقتصادية لواشنطن.

  • تعزيز بقاء النظامين دوليًا: 

 إن توقيع الطرفين خلال الأيام المقبلة على اتفاقية الـ 20 عامًا، ودخولها عمليًا أرض التنفيذ سيعني تنفّس النظامين والدولتين الصعداء، خاصة على المستوى الاقتصادي، ما يعني إطالة بقاءهما زمنيًا. فإيران، وفي ظل وجود الاتفاقيات الأخرى مع الصين وروسيا والهند المُشار إليهم آنفاً، خاصة مع بكين، سوف تستطيع الحد من آثار العقوبات محليًا عن طريق استثمارات هذه الدول في الداخل، ما يعني تضاءل أهمية وتأثير هذه العقوبات.

والجدير بالذكر هنا أن إيران قد تستفيد ماليًا بشكل كبير من مثل هذا التبادل مع فنزويلا؛ إذ أن الأخيرة تقع ضمن قائمة أكبر 20 دولة على مستوى العالم تملك احتياطيات من الذهب في بنكها المركزي، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن كراكاس دفعت لطهران بعضًا من حقوق هذه الشحنات المذكورة في شكل ذهب يُقال إن قيمته وصلت إلى ما يقارب 500 مليون دولار أمريكي. وإن كانت  السلطات الرسمية في إيران قد نفت صحة ذلك.

أما في فنزويلاً، فإن الاستثمار، أياً كان حجمه، والسلع الإيرانية والغاز، على وجه الخصوص، سوف يعوضان بعضًا مما تفتقده هذه الدولة التي تقع في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. ضف إلى ذلك دعم باقي دول “النادي” إلى فنزويلاً!. وعلى أي حال، سوف يساعد، ولو قليلاً، مثلُ هذا الاتفاق الإيراني الفنزويلي على بقاء النظامين مستقبلاً، خاصة الإيراني، كما أن فرص حدوث ذلك تزداد عند الأخذ في الحسبان دعم دول أخرى في “النادي” لهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى