إيران

ماذا لو انهار الاتفاق النووي الإيراني مرة أخرى بعد عام 2024؟

على الرغم من انتهاء ولايته رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في يناير 2021، إلا أن الرئيس السابق، دونالد ترامب، لا يزال يُلقي بظلاله على المفاوضات النووية الإيرانية الحالية مع القوى الكبرى في العاصمة النمساوية فيينا؛ إذ إن حجم العقوبات الكبيرة التي فُرضت في عهده على إيران، إلى جانب العقوبات التي كان معمولًا بها بالأساس، قد أطالت أمد هذا التفاوض الجاري بين مختلف الأطراف منذ أبريل الماضي.

ولم ينتهِ الأمرُ عند هذا الحد؛ بل إن التأثير الأكبر لسياسات ترامب الماضية على المحادثات النووية الحالية اتضح أنه ينبع بالأساس من تصنيف إدارته للحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية في عام 2019؛ فمنذ شهر مارس 2022، تعثرت جولات الحوار النووية بشكل واضح مع طرح إيران مطلبًا جديدًا يتعلق برفع الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية، ورفضِ الولايات المتحدة “حتى الآن” هذا المطلب الإيراني. 

فالإدارة الأمريكية الحالية قد وجدت أن حذف الحرس الثوري من هذه القائمة سوف تتبعه تداعياتٌ عدة عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية أيضًا، حيث يختلف فقط مكان وقوع هذه التداعيات، إن كان في الشرق الأوسط أو داخل إيران أو الولايات المتحدة. هذا علاوة على المعوّقات الحالية، خاصة من جانب المعارضين لإزالة الحرس من القائمة. 

ولعل ترامب قد حقق حتى اللحظة أحد أهدافه المتمثلة في إعاقة عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي بعد رحيله عن البيت الأبيض. وكانت هذه إحدى مساعيه من وراء إضافة اسم الحرس الثوري إلى هذه القائمة. فقد نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، في 14 أبريل الجاري احتمالية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج وكذلك “أي تقدم في مسألة إحياء الاتفاق النووي” مجددًا. 

ولكن ومع سعي جميع الأطراف المنخرطة في مفاوضات فيينا النووية، إيران والولايات المتحدة والأوروبيين والآسيويين، إلى تسوية ملفات بعينها تثير قلق كل دولة على حدة، يصبح من المرجح بشدة أن يتم التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة وباقي القوى الكبرى المعنية خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة.

ومع ذلك، قد يظل هذا الاتفاق مرتبطًا بشكل رئيس ببقاء إدارة تتبع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة؛ إذ فضلًا عن احتمالية عودة ترامب مرة أخرى لتصدر المشهد، يرفض الجمهوريون الأمريكيون الشكل الحالي للاتفاق النووي، ومنهم من لا يوافق على إبرام الاتفاق ذاته. ومع الأخذ في الحسبان إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة في نوفمبر 2024، فإن إمكانية خروج واشنطن من الاتفاق النووي مجددًا سوف تكون مطروحة إذا لم يستطع الرئيس الحالي جو بايدن الفوز بولاية ثانية. 

فإذا حدث السيناريو الأخير، فسوف ترتفع احتمالية خروج واشنطن من الاتفاق مرة أخرى، خاصة وأن الحكومة الحالية في إيران تتألف من المحافظين الذين لا تربطهم علاقات جيدة بالإدارات الجمهورية في الولايات المتحدة. 

وقد يوضح لنا هذا ما قاله مؤخرًا “علي جنتي” السياسي ووزير الثقافة في حكومة الرئيس السابق، حسن روحاني (2013-2021)، في تغريدة له على تويتر نُشرت يوم 17 أبريل 2022، حيث جاء فيها:  “يُقال إن إحدى عقبات التوافق بشأن إحياء الاتفاق النووي هي معارضة الولايات المتحدة لإزالة الحرس الثوري من قائمة المنظمات التي تصنفها الخارجية الأمريكية إرهابية (FTO)، وذلك في الوقت الذي وافقت فيه الولايات المتحدة خلال عهد حكومة حسن روحاني على رفع العقوبات عن المرشد والمؤسسات التابعة لبيت الإرشاد وحذف الحرس  الثوري من قائمة الإرهاب كشرط أوّلي لأية مفاوضات”. 

لماذا قد تنسحب الولايات المتحدة مرة أخرى من الاتفاق النووي؟

ماذا وراء استعجال ترامب الخروج من الاتفاق النووي؟ - قناة العالم الاخبارية

كان الرئيس الأمريكي السابق ترامب قد أعلن في 8 مايو 2018 انسحاب بلاده من الاتفاق النووي لعام 2015. وبرر ترامب دوافع ذلك الخروج على النحو التالي بشكل أساسي: 

– الاتفاق النووي لا يمنع إيران من التوصل إلى سلاح نووي.

– مواصلة إيران أنشطتها النووية.

– استمرار طهران في دعم الوكلاء الإقليميين في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

– توظيف إيران للأموال المُفرَج عنها بموجب الاتفاق النووي في مجال الأنشطة العسكرية الإقليمية وخارج المنطقة.

– مواصلة إيران العمل ضد المصالح الأمريكية.

– مواصلة إيران تطوير صواريخ باليستية.

وبالنظر إلى الصيغة المبدئية للاتفاق القادم المرجح التوصل إليه، والأخبار المتداولة بشأنها من جانب الدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات النووية في فيينا من مختلف البلدان المعنية، سنجد أن مخاوف الجمهوريين المُشار إليها والتي خرج ترامب بسببها من الاتفاق الأصلي عام 2018 لا تزال قائمة. ولذا، فإن خروجًا أمريكيًا آخر في عهد الجمهوريين الأمريكيين سيظل أمرًا مطروحًا.

وعليه، فإذا أخذنا في الحسبان احتمالية عودة دونالد ترامب مرة أخرى إلى رئاسة الولايات المتحدة في انتخابات 2024 القادمة، أو تولي سياسي من الحزب الجمهوري الأمريكي رئاسة الولايات المتحدة، حيث لا يوفق أغلب الجمهوريين على إحياء الاتفاق النووي الجارية مفاوضاتُه، وبفرض عدم فوز الرئيس الحالي جو بايدن بولاية ثانية، فإن انسحاب الولايات المتحدة مجددًا من الاتفاق النووي سيكون متوقعًا وبقوة.

فأغلب الجمهوريين الحاليين، ومن بينهم نواب مجلس الشيوخ الأمريكي، يرفضون إحياء الاتفاق النووي وصيغة المفاوضات النووية الجارية في فيينا. بل أعلن كثيرٌ منهم مجتمعين خلال الأسابيع الماضية عدم الموافقة على خطة إدارة الرئيس بايدن لإحياء الاتفاق النووي الإيراني. وحذّر العشرات الرئيس بايدن من خطر انهيار أي اتفاق جديد بشأن برنامج إيران النووي. 

السيناتور تيد كروز يقدم في الكونغرس مشروعاً لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية


وكان عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، السيناتور تيد كروز، على سبيل المثال، قد طالب في شهر فبراير الماضي برفقة 32 سيناتور جمهوريًا آخر بايدن بعرض أي اتفاق جديد بشأن الأنشطة النووية الإيرانية على الكونجرس للتقييم، مع تقديم جميع الوثائق المتعلقة به.  لذا، ففي ظل اتفاق لا يحقق طموحات ترامب والجمهوريين بشكل عام، سوف يكون سيناريو الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي قائمًا مرة أخرى خلال عهد ما بعد جو بايدن.

سيناريو” ساعة الصفر”: ماذا لو انهار الاتفاق النووي مرة أخرى؟

قبل التطرق إلى تداعيات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مجددًا، الذي سيؤدي إلى إبطال الاتفاق أو انهياره سواء بشكل جزئي أو كلي هذه المرة، ينبغي الإشارة أولًا إلى البيئة المحلية والإقليمية والدولية المستقبلية التي قد ينهار في ظلها هذا الاتفاق.

فعلى المستوى المحلي في إيران، ستكون طهران قد قطعت شوطًا كبيرًا إضافيًا في أنشطة التخصيب النووي، سواء كان بمستوى أقل من الحالي نسبيًا أو وفق ما سيكون مسموحًا به في الاتفاق الجديد المتوقع. وستعمل الأموال التي من المرجح أن يتم الإفراج عنها لاحقًا لصالح إيران بموجب الاتفاق على تعزيز القدرات العسكرية للحرس الثوري ثم الجيش النظامي. 

وفي هذه الأجواء، سيجد المحافظون في طهران أنفسهم في موقع سياسي أقوى مما كانوا عليه، بحيث سيروجون لرواية أنهم هم الذين توصلوا إلى الاتفاق النووي الذي سيحسن من الأوضاع الاقتصادية للمواطنين بعد أعوام من التدهور والركود الحاد.

وإقليميًا، من المتوقع أن يشهد الحرس الثوري فصلًا جديدًا من الانتشار العسكري داخل إقليم الشرق الأوسط؛ في ظل الخروج الأمريكي من المنطقة، فضلًا عن أن الأموال التي سيحصل عليها لاحقًا ستعمل على تقوية نفوذه داخل المنطقة، بعد تحديث نوعية وكمية الأسلحة التي يستخدمها. وإلى جانب هذا، قد يقود توظيف هذه الأموال إلى تعميق سيطرته على مختلف الوكلاء سواء في العراق أو سوريا أو لبنان.

أما دوليًا، فإن إيران والحرس الثوري قد يستفيدان من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتركيز الولايات المتحدة على ملفات التنافس مع الصين وروسيا في منطقة المحيط الهادئ، أي عدم استحواذ الشرق الأوسط على الأولوية الأولى في اهتمامات الولايات المتحدة الخارجية خلال الفترة المقبلة.  

وانطلاقًا من معادلات هذه البيئة، فإذا ما انهار الاتفاق النووي (بعد التوصل إليه والإعلان عنه لاحقًا في النمسا) فسوف تشغل التطوراتُ المحلية في إيران، خاصة الخطوات النووية المتقدمة للغاية التي ستكون قد قطعتها طهران في ذلك الوقت، الأهمية القصوى لدى الدول المعنية بمواجهة النفوذ الإيراني أو عدم توصل طهران إلى سلاح نووي. وستركز هذه الفواعل الدولية حينئذ على كيفية مواجهة الأنشطة النووية الإيرانية المتقدمة للغاية في ذلك الوقت، خاصة وأن كثيرًا ما تقلقهم الأنشطة النووية الإيرانية غير المعلن عنها في هذا الصدد. 

وهنا، فقد يُقدِمون، متحدين سويًا أو بعضهم فقط، على توجيه ضربة عسكرية قاصمة وجوهرية للبرنامج النووي الإيراني؛ لأنهم سوف يكونون حينئذ على يقين من أن تكرار تجربة الفترة ما بين (2018- 2022، حيث يُتوقع التوصل للاتفاق في العام الأخير المذكور)، والتي وصل فيها مستوى تخصيب اليورانيوم في إيران إلى 60%، سيعني بنسبة كبيرة توصل إيران إلى سلاح نووي هذه المرة. ولا يُعتقد أن تكون هذه الضربة العسكرية شاملة، حيث يُرجح أن تركز فقط على منشآت عسكرية ونووية لإنهاء مخاوفهم المتعلقة بشأن توصل إيران إلى ذلك السلاح. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى