إيران

تعزز طرح الخيار العسكري: سياسة “التوجه نحو الشرق” وتعقد مفاوضات فيينا النووية

منذ تولي رئيس القضاء الإيراني السابق إبراهيم رئيسي رئاسة الجمهورية الإسلامية في شهر أغسطس 2021، بدا أن السياسة الخارجية لطهران قد شهدت تغييرات واضحة وذلك عند مقارنتها بسياسة حكومة الإصلاحيين السابقة بزعامة الرئيس السابع حسن روحاني. فقد أعلن الرئيس الإيراني “رئيسي” خلال الأيام الأولى له في السلطة عن سياسة حكومته الجديدة الرامية إلى التوجه نحو الشرق؛ لتعزيز العلاقات مع الدول الواقعة في هذه المنطقة والتي تشمل الشرق الأوسط ودولًا أخرى في قارة آسيا. وتأتي هذه التحولات في ظل تطورات داخلية في إيران وأخرى خارجية على المستويين الإقليمي والدولي.  

لماذا تتوجه إيران شرقًا؟

إبراهيم رئيسي ناجح في الابتدائية.. فهل يحكم إيران الإسلامية؟

تعني إيران وحكومتُها المحافظة بمفهوم التوجه نحو الشرق تعزيزَ العلاقات والانفتاح على الدول الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والدول الآسيوية الأخرى الواقعة شرق حدودها، وخاصة الصين، علاوة على دول أخرى سيرد ذكرُها لاحقًا. وعلى الرغم من أن هذا المفهوم يعبر عن خاصية رئيسية تندرج ضمن توجهات حكومة إبراهيم رئيسي، إلا أن سياسة التوجه نحو الشرق في إيران قد بدأت في الواقع خلال عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد (2005-2013). 

فقد برزت أولى ملامح هذه السياسة خلال فترة حكم نجاد حينما عمل في ذلك الوقت على توثيق روابط بلاده مع دول الشرق، وعلى رأسها الصين. ويمكن القول إن الانفتاح الحقيقي في العلاقات الصينية الإيرانية قد بدأت أولى مراحله خلال عهد أحمدي نجاد ليصل إلى ما هو عليه الآن، خاصة بعد توقيع اتفاقية شاملة في مارس من العام الجاري بين الطرفين تضمنت تعاونًا واسعًا في مجالات شتى ما بين النفط والإنشاءات والتعاون الأمني والعسكري. وهي اتفاقية لم تعقد مثلها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها على يد آية الله الخميني عام 1979. 

وعلى أي حال، اتبعت الحكومة الإيرانية التالية لنجاد -أي حكومة حسن روحاني (2013- 2021)- سياسة مغايرة تمثلت في التوجه نحو الغرب، والسعي إلى توثيق العلاقات مع الدول الأوروبية، وتحقيق بعض التقارب مع الولايات المتحدة. وأضحى وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، المسؤول الإيراني الأكثر قربًا من الدول الغربية منذ الثورة. وقد أسفرت تلك الجولات في النهاية عن عقد الاتفاق النووي الأصلي (JCPOA) عام 2015.

وعندما أتى المحافظون الإيرانيون لاحقًا إلى كرسي الرئاسة مع فوز إبراهيم رئيسي، تبدلت تلك السياسة والرؤية، وأعلن “رئيسي” انتهاء هذه الحقبة وبدء حقبة “التوجه نحو الشرق”. وفي الواقع، قد دفعت بعض العوامل والتطورات التي قادتها إيران إلى الإعلان عن هذه السياسة الخارجية الجديدة، وتمثلت أبرز هذه الدوافع في: 

  1. تجربة الحكومة الإصلاحية:
مغردون يسخرون من حديث روحاني عن تزايد الحريات في عهده.. وهجوم على ظريف  لحديثه عن الديمقراطية في إيران | ایران اینترنشنال

أسهمت تجربة خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو ،2018 وما تبعها من توتر في العلاقات مع الولايات المتحدة وبروز اضطرابات أمنية واقتصادية أخرى في الإقليم خلال تلك الفترة علاوة على الركود الشديد والتضخم وانهيار العملة الذي شهده الاقتصاد الإيراني فيما بعد وحتى اليوم؛ في تبلور رؤية لدى المحافظين ترفض ربط العلاقات والسياسة الخارجية للبلاد بالغرب وحتى بالاتفاق النووي. ولعل هذه قد كانت من أولى التصريحات التي أدلى بها الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي.

وقد عملت هذه التطورات على تعزيز تلك الرؤية لدى التيار المحافظ في إيران، وحتى لدى بعض المفكرين الإصلاحيين التي تساءلوا في ظل هذه الأزمات عن جدية الاتفاق النووي. فقد كانت هذه الرؤية مطروحة لدى أوساط المحافظين في طهران قبل ذلك، إلا أنهم باتوا أكثر تقبلًا لها بعد مايو 2018. وعليه، فإن الحكومة الجديدة في طهران لم تعد ترى أهمية كبرى لتعزيز وتوثيق العلاقات خارج إطار “الشرق”.

  1. الرؤية السياسية للأصوليين:

وهي تُضاف إلى ما سبق؛ إذ إن الأدبيات الثقافية والسياسية لدى الأصوليين في إيران لا تحبذ بالأساس الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة. فمن ناحية، انبثق وورث الأصوليون في إيران الجناح اليميني الذي كان يمثله قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني قبل وفاته عام 1989، وكان هذا الجناح معاديًا بالأساس للنفوذ الذي كانت اكتسبته الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية في إيران إبان حقبة الأسرة الملكية الأخيرة (أسرة رضا بهلوي)، علاوة على الإرث التاريخي في إيران فيما يتعلق بعلاقاتها مع بريطانيا العظمى.

فقد تمتعت لندن خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين بنفوذ اقتصادي خاص في إيران أيام الحكم القاجاري (1786-1925) جعلها مسيطرة على الحركة التجارية بها. وقد أجبر البريطانيون “بلاد فارس” آنذاك على التوقيع عام 1813 على معاهدة “جلستان” لإنهاء الحرب مع روسيا القيصرية آنذاك، وهو ما نتج عنه فقدان إيران الحالية لبعض الأجزاء في منطقة القوقاز.

ومن جانب آخر، كانت بريطانيا معارضة لسيطرة الإيرانيين على مدينة هراة الواقعة داخل الحدود الأفغانية الآن، وذلك بعد أن أعلن الحاكم الإنجليزي في الهند في ذلك الوقت الحرب على إيران إثر سيطرة الشاه الإيراني “ناصر الدين” على هراة عام 1856. وعلى المنوال نفسه، لا يمكننا تجاهل أن الثورة الإيرانية عام 1979 قد اندلعت لعوامل عدة رئيسية من بينها محاولة “التغريب” التي لاقت مواجهة من جانب بعض الفئات الإيرانية.

إن هذه الأحداث تمثل جزءًا من الأدبيات التاريخية السياسية لدى التيار الأصولي في إيران إزاء بعض القوى الغربية، والتي قد شكلت بدورها منطلقًا لسياستهم الخارجية بعدما وصلوا إلى سدة الرئاسة وبالتالي السيطرة على وزارة الخارجية الواقعة في میدان الإمام الخميني بالعاصمة طهران.

ولا يعني المفهوم الإيراني “التوجه نحو الشرق” تلك الدول الواقعة إلى الشرق من إيران أو في منطقة الشرق الأوسط وآسيا فقط، بل إنه يمتد إلى ما هو أوسع من ذلك. فالمفهوم الإيراني يُقصَد به دول الشرق الأوسط وأغلب دول آسيا وشمال أفريقيا، علاوة على جميع الدول الإسلامية حول العالم، ودول أمريكا اللاتينية، وأية دولة تتشابه سمات سياستها الخارجية مع تلك الإيرانية، خاصة حيال الولايات المتحدة. ويشمل هذا المفهوم أيضًا روسيا والهند.

كيف ستؤثر سياسة “التوجه نحو الشرق” على المفاوضات النووية في فيينا؟

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران | الشرق الأوسط

لقد ظهرت بوادر عدة بشأن توجه إيران مؤخرًا تحت إدارة الرئيس إبراهيم رئيسي نحو تفعيل العلاقات بشكل أكبر مع دول الشرق “المُشار إليها آنفًا”. فقد انضمت إيران إلى منظمة “شنغهاي” الدولية للتعاون خلال شهر سبتمبر الماضي، وهي المنظمة نفسها التي تضم بين أعضائها موسكو وبكين.

ومن جانب آخر، شرعت طهران في تعزيز علاقاتها والانفتاح على دول الجوار العربية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فقد تبادل، على سبيل المثال، المسؤولون الإماراتيون والإيرانيون الزيارات خلال الأشهر القليلة الماضية التي أعقبت تولي “رئيسي” الحكم في طهران، وكذلك تم تداول أنباء عن محاولات حثيثة بين الرياض وطهران لتحسين العلاقات المشتركة. وعلى صعيد آخر، تسعى إيران إلى توقيع اتفاقية مع فنزويلا لمدة طويلة أيضًا تبلغ 20 عامًا كان قد أعلن عنها إبراهيم رئيسي في أكتوبر الماضي. 

وفي خضم المفاوضات النووية الجارية في فيينا، اتضحت الإرهاصات الأولى لسياسة “التوجه نحو الشرق” الإيرانية ممثلة في توافق موسكو وبكين وطهران على طاولة المفاوضات ومطالبتهم سويًا بـ “رفع العقوبات أولًا” عن إيران من جانب الولايات المتحدة، ورفض فرض عقوبات جديدة.

وأجرت روسيا والصين وإيران في أحدث أعمال التنسيق المشترك يوم الاثنين 27 ديسمبر 2021 اجتماعًا تنسيقيًا لمناقشة الجلسة المزمع عقدها من قِبل اللجنة المشتركة الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني في فيينا والتي تتعلق بإعادة إحياء الاتفاقية النووية لعام 2015، إذ تطرقوا إلى تنسيق المواقف فيما يخص مفاوضات فيينا النووية.

أما إذا نظرنًا إلى القضية من منظور المدى الزمني المستقبلي، فإننا سنجد أن سياسة الانفتاح الإيرانية على الجيران والشرق بوجه عام سوف تجعل العقوبات الأمريكية الحالية أو اللاحقة على إيران بدون فائدة كبرى أو تأثير يقود إلى تغيير حقيقي تريده واشنطن في السياسة الخارجية الإيرانية. وهذا يطرح تساؤلًا جديًا أمام واشنطن “ماذا ستفعل مستقبلًا حيال طهران إن لم تكن العقوبات مؤثرة؟”. 

إن الإجابة على هذا التساؤل بالطبع تجعل مفاوضات فيينا أكثر تعقيدًا مما هي عليه، وتعطيها أبعادًا أخرى استراتيجية، وتطرح بدائل أخرى للتعامل مع مختلف الملفات الإيرانية الشائكة، لعل من بينها الخيار العسكري.

وقد يعطينا هذا تفسيرًا حول تأكيد الولايات المتحدة والدول الأوروبية مرارًا وتصميمهم  في الوقت الحالي على منع توصل إيران إلى سلاح نووي؛ إدراكًا منهم أن العقوبات على إيران، التي كانت أحد أهم أهدافها تقييد أنشطتها النووية، قد لا تكون ذات تأثير كبير في المستقبل، خاصة حينما يتم تفعيل الاتفاقية الإيرانية الصينية الشاملة التي تبلغ 25 عامًا، وقد لا تمنع إيران أيضًا لاحقًا من امتلاك سلاح نووي. 

وإذا كانت القضية على هذا النحو بشأن الملف النووي، فكيف إذًا سيكون الموقف حيال الملف الصاروخي أو التحركات العسكرية الإيرانية في الإقليم خلال المرحلة المقبلة؟! وسيكون من الجدير بالذكر في النهاية الإشارةُ إلى أن سياسة إيران الرامية إلى التوجه شرقًا سوف تستفز الولايات المتحدة على الصعيد الدولي؛ إذ إنها تنطوي في إحدى زواياها وبشكل جلي على تنسيقٍ عالي المستوى بين إيران والصين وروسيا اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، علاوة على فنزويلا وبعض الدول الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى