إيران

كيف نقرأ الانتخابات البرلمانية في إيران في ضوء التحولات الداخلية والخارجية ؟

في دورتها الثانية عشرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تجري الانتخابات البرلمانية في إيران يوم الأول من مارس 2024 في ظل تحولات داخلية حالية توصَف بالاستراتيجية وتطورات خارجية لا يمكن استبعاد تأثيرها مطلقًا على تشكيلة الانتخابات وتركيبها ونتائجها المتوقعة ونظرة صناع القرار النافذين في البلاد لها. وإلى جانب الانتخابات البرلمانية، ستُعقَد في الوقت نفسه انتخابات “مجلس خبراء القيادة” الإيراني في دورتها السادسة بعمر الجمهورية الإسلامية. وهذه الأخيرة تستحوذ في الواقع على أهمية لا تقل عن تلك التي تنالها الانتخابات البرلمانية، بل إن الإجراءات وتفاعلات الداخل الإيراني خلال الأشهر الماضية تؤكد بلا شك أن انتخابات مجلس الخبراء المقبلة تُعد الأكثر أهمية منذ 1979.

وفي ضوء ذلك، نتطرق فيما يلي لتحليل تركيبة الانتخابات البرلمانية الإيرانية وكذلك مجلس الخبراء وأهميتهما في ضوء معطيات الداخل الإيراني والخارج ذي الصلة.

انتخابات إيران البرلمانية لعام 2024 يسيطر عليها الأصوليون والرجال

بعد موافقة وزارة الداخلية الإيرانية، قررت السلطات الانتخابية الإيرانية إجراء الانتخابات البرلمانية في الأول من مارس 2024 لاختيار 290 عضوًا للبرلمان لدورة جديدة تبلغ 4 سنوات، وذلك بعد انتهاء ولاية البرلمان الحالية برئاسة السياسي المحافظ محمد باقر قاليباف بعد أسابيع. وتجدر الإشارة إلى أن الدورة الحالية الـ 11 للبرلمان الإيراني قد جاءت بعد انعقاد انتخابات برلمانية في فبراير 2020 شهدت الحضور الشعبي الأقل في تاريخ الجمهورية الإسلامية من حيث مشاركة الناخبين، ونتج عنها سيطرة الأصوليين على أغلب مقاعد البرلمان بواقع 238 كرسيًا مقابل 18 كرسيًا للإصلاحيين 34 كرسيًا للنواب المستقلين.

وقد تشابهت تلك التركيبة في الواقع مع تكوين البرلمان الإيراني في دورته السابعة (27 مايو 2004 – 26 مايو 2008) خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد، من حيث سيطرة الأصوليين على أغلب مقاعده ورفض ترشح عدد كبير من المنتمين للتيار الإصلاحي.

الانتخابات البرلمانية الإيرانية المقبلة بالإحصاءات

طبقًا لما أعلنته الهيئة الانتخابية في إيران، يصل عدد من يحق لهم التصويت في الانتخابات البرلمانية المقبلة إلى 61 مليون و172 ألف و298 مواطن إيراني، من بينهم 30 مليون و945 ألف و133 رجل و30 مليون و227 ألف و165 امرأة. وقد أعلنت الداخلية الإيرانية أن هذه الانتخابات ستجري في 1218 دائرة انتخابية رئيسة وفرعية في عموم إيران من أجل اختيار 290 نائب برلماني من بين 15 ألف و200 شخص مرشح تم اعتمادهم رسميًا لخوض هذه الجولة من الانتخابات البرلمانية، تبلغ نسبة الرجال بينهم 88% والنساء 12%. 

وفي محافظة طهران وحدها، تبلغ نسبة المرشحين المعتمدين لخوض الانتخابات 23.3% من إجمالي نسبة المرشحين المذكورة في أنحاء إيران والبالغة أكثر من 15 ألف، وذلك بواقع 3545 مرشح في جميع مناطق محافظة طهران وحدها التي تشمل مدينة طهران، وري، وشميرانات، وإسلامشهر، وبرديس. وتستحوذ هذه المناطق الواقعة بالعاصمة الإيرانية على 30 كرسي في البرلمان الإيراني، ما يعني حوالي 10% من إجمالي الكراسي البالغة 290.

(خريطة عدد الكراسي البرلمانية المخصصة لكل محافظة في إيران في برلمان 2024، ويُشار إلى أن العدد “۴” بالفارسية يعني 4، و”۶” تعني 6)

وتجري هذه الانتخابات في حوالي 59 ألف لجنة تصويت في 31 محافظة، من بينها 15 ألف لجنة تصويت متنقلة و44 ألف ثابتة، وأيضًا تنقسم هذه اللجان جميعها من ناحية أخرى إلى 35 ألف لجنة في المدن الحضرية و24 ألف لجنة في القرى.

تركيبة التيارات السياسية المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة في إيران

يسيطر المرشحون التابعون للتيار الأصولي في إيران على المشهد الانتخابي البرلماني، وحتى الدعاية الانتخابية كانوا هم الأبرز بها. فقد استبعد “مجلس صيانة الدستور” عددًا كبيرًا للغاية من السياسيين الإصلاحيين والمعتدلين أيضًا، كان من بينهم شخصيات سياسية معروفة للغاية من بينها الرئيس السابق حسن روحاني الذي أثارت عملية استبعاده ضجة كبيرة في الداخل الإيراني، خاصة لدى المنافذ الإعلامية الموالية للإصلاحيين. 

وبوجه عام، تتألف التيارات الأصولية المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية من 5 مكوّنات سياسية على النحو التالي: 

  • “مجلس ائتلاف قوى الثورة الإسلامية – شورای ائتلاف” المعروف محليًا بالاسم المختصر “شانا” والمقرب من رئيس البرلمان الحالي محمد باقر قاليباف.
  • “مجلس اتحاد قوى الثورة الإسلامية” أو “مجلس اتحاد الأصوليين – شورای وحدت اصولگرایان” الذي ينحدر من “الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية” والمعروف أيضًا باسمه المختصر “جمنا”. ويتبنى هذا المجلس الأفكار الأصولية للآباء المؤسسين لهذا التيار في إيران، والذين ينضوون تحت أحزاب مثل “جمعية رجال الدين المقاتلين” و”حزب المؤتلفة”. 
  • وإلى جانب هذين الائتلافين الأصوليين، يأتي “التحالف الشعبي لقوى الثورة الإسلامية” المعروف اختصارًا باسم “أمناء” والذي يتشكل من 20 جبهة وحزب وقوى سياسية، وهو تحالف أصولي أيضًا إلا أنه يشتهر بمعارضته لـ “الآباء المخضرمين السياسيين” في التيار ذاته.
  • أما الجبهة الرابعة الأصولية المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية هذا العام، فهي “جبهة ثبات الثورة الإسلامية- جبهه پایداری انقلاب إسلامی” التي توصَف بأنها الأكثر يمينية في الداخل الإيراني، وكانت قد تشكلت في 2012 للمشاركة في الانتخابات البرلمانية ذلك العام. 

ويُعد رجل الدين والفيلسوف الشيعي الإيراني محمد تقي مصباح يزدي الأب الروحي لهذه الجبهة. ومع ذلك، تعاني “جبهة الثبات”، التي يُعد من أبرز أوجهها في الوقت الراهن رجل الدين والنائب البرلماني “مرتضى آقاطهراني”، خلال السنوات الأخيرة من صراعات فكرية وسياسية عدة لا تعاني منها على الأغلب بقية التيارات الأصولية الأخرى. 

وعلى أي حال، فقد أعلنت “جبهة الثبات” يوم 25 فبراير 2024، وقبيل أيام معدودة من الانتخابات، تحالفها سياسيًا في الانتخابات البرلمانية المقبلة مع “مجلس ائتلاف قوى الثورة الإسلامية – شورای ائتلاف”. وتخشى التيارات السياسية الأصولية والإصلاحية معًا من نفوذ هذه الجماعة؛ لامتلاكها الأموال الوفيرة والقوة والعلاقات النافذة داخل المؤسسات الإيرانية، حتى أن بعض النواب البرلمانيين الإيرانيين يقولون إنه “على الرغم من أن عدد مرشحي هذه الجبهة لا يصل في هذه الانتخابات حتى إلى 100 شخص، إلا أنهم بعلاقاتهم ونفوذهم منعوا ترشح بعض الأفراد للانتخابات مثل رئيس البرلمان الأسبق، علي لاريجاني الذي أعاقوا ترشحه في الانتخابات الرئاسية” قبل ذلك. 

ويأتي من أبرز الشخصيات المنتمية لتيار “جبهة الثبات” كل من “كامران باقري لنكراني” و”غلام حسين الهام” و”صادق محصولي” و”حميد رسايي” و”علي أصغر زارعي” و”مهدي كوتشكزاده” و”إسماعيل كوثري”.

  • أما المعتدلين الإيرانيين، فإنهم يخوضون هذه الانتخابات تحت راية ائتلاف “صوت الأمة – صداى ملت”، الذي تشكل بالأساس في 6 فبراير 2012 من مجموعة من السياسيين المنتقدين آنذاك لحكم الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، وأبرزهم النائب البارز السابق عن طهران علي مطهري، وبالتزامن في ذلك الوقت مع انتخابات الدورة التاسعة للبرلمان الإيراني.

وعلى أي حال، تشكلت هذه التركيبة الأصولية للانتخابات البرلمانية المقبلة في إيران بعد استبعاد عدد كبير من المرشحين الإصلاحيين والذين من بنيهم سياسيون كبار، بل إن عملية “فلترة” المرشحين عبر “مجلس صيانة الدستور” نتج عنها استبعاد عدد من النواب الحاليين بالأساس للترشح للدورة المقبلة بلغ 26 شخصًا من إجمالي 275 نائب برلماني حالي ترشحوا للدورة القادمة. 

ويجيء من بين المرفوضين للترشح أسماء مثل “مهدي عيسى زاده”، العضو السابق في الحرس الثوري والنائب في دورات مختلفة و”سيد علي موسوي” الحاصل على دكتوراة الفلسفة والأستاذ المدرس في عدد من الجامعات، و”أحمد علي رضا بيجي” العسكري الإيراني السابق، و”جليل رحيمي جهان آبادي” السياسي والنائب الإصلاحي، و”إحسان أركاني” الذي شغل مرات عدة مناصب تنفيذية حكومية، إضافة إلى السياسي الأصولي “كمال علي بور خنكداري”.  

التركيبة ذاتها.. انتخابات “مجلس خبراء القيادة” الإيراني

لا تختلف التركيبة السياسية لانتخابات مجلس خبراء القيادة كثيرًا عن نظيرتها البرلمانية، من حيث سيطرة الأصوليين عليها على وجه التحديد. فقد تم استبعاد كثيرين من أوجه التيار الإصلاحي، بل وشخصيات بارزة أخرى في التيار الأصولي من الترشح لهذه الدورة الانتخابية السادسة. ومن المقرر أن تجري هذه الانتخابات تزامنًا مع نظيرتها البرلمانية في الأول من مارس 2024 من أجل اختيار 88 عضوًا لمدة 8 سنوات في مجلس الخبراء. 

‌چالش حضور زنان در مجلس خبرگان

ويخوض هذه الانتخابات 510 مرشحًا قد تمت تأييد أهليتهم للترشح، من بينهم 52 عضوًا حاليًا في المجلس، و13 شخصًا من أهل السنة وامرأتين اثنتين. ولأهمية هذه الانتخابات بشدة على المستوى السياسي وبالنظر لمستقبل إيران الداخلي سياسيًا، فقد تم انتقاء المرشحين بدقة، ويكفي للإيضاح الإشارة إلى أنه قد تقدم من العاصمة طهران وحدها 107 مرشحًا اختير منهم 28 فقط وتم رفض 49 أخرين بشكل رسمي ورصريح. 

وكان عدد كبير أيضًا قد انسحب من السباق الانتخابي لمجلس الخبراء قبل عملية الانتقاء من جانب مجلس صيانة الدستور؛ وذلك لتوقعهم الرفض واستعدادًا لانتخابات أخرى قادمة حتى لا يكون في سجلهم السياسي رفض من جانب المجلس؛ كي لا يؤثر عليهم لاحقًا. ويأتي من بين أبرز المرشحين المعتمدين

  • الرئيس الحالي “إبراهيم رئيسي”.
  • إمام جمعة مدينة تبريز “سيد محمد علي آل هاشم”.
  • رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام “صادق آملي لاريجاني”.
  • النائب الحالي في مجلي الخبراء “أحمد بهشتي”.
  • رجل الدين والأمين العام لـ “جمعية رجال الدين المقاتلين” مصطفى بور محمدي.
  • النائب عن طهران، رضا تقوي.

فيما رفض ترشح عدد من كبار الشخصيات السياسية الإيرانية إلى جانب الرئيس السابق، ومن بينهم:

  • وزير الاستخبارات الأسبق حيدر مصلحي، والذي يُعد من المقربين للمرشد الحالي علي خامنئي.
  • وزير الاستخبارات السابق خلال عهد حسن روحاني، محمود علوي.
  • مستشار رئيس السلطة القضائية الحالي، أحمد مرتضوي مقدم.
  • النائب البرلماني السابق محسن رهامي.
  • النائب الحالي في مجلس الخبراء أحمد بروايي ريك.
  • النائب الحالي في مجلس الخبراء عبد الكريم فرحاني.

ويبدو من عملية الانتقاء هذه مدى أهمية الدورة المقبلة لمجلس الخبراء الإيراني؛ حيث تم استبعاد موالين للنظام ومسؤولين حاليين؛ ربما لاختلافهم مع بعض سياسات المؤسسات النافذة في النظام السياسي أو لإدراك هذه المؤسسات أن هؤلاء الأشخاص قد يتسببون في مشكلات بعملية اختيار خليفة خامنئي.

وتستحوذ محافظة طهران على العدد الأكبر من كراسي مجلس الخبراء بواقع 16 كرسيًا، تليها “خراسان رضوي” وخوزستان بـ 6 كراسي لكل واحدة، ثم أصفهان وفارس وآذربيجان الشرقية بـ 5 كراسي لكل محافظة، ومن ثم تتوزع بقية الكراسي على باقي المحافظات وتتراوح من (1- 4) كراسي، أقلهم هم المحافظات النائية أو الحدودية مثل إيلام و”كهكيلويه وبوير أحمد” وخراسان الشمالية.

توقيت الانتخابات البرلمانية و”مجلس خبراء القيادة” يكشف عن أهميتهما ومستقبل نتائجهما

باستثناء انتخابات عام 2009 الرئاسية في إيران، والتي جاءت بالرئيس المثير للجدل آنذاك محمود أحمدي نجاد إلى السلطة لولاية ثانية، لم تستحوذ أغلب الانتخابات في إيران، على اختلاف مسمياتها سواء رئاسية أو برلمانية أو غيرهما، على “أهمية استراتيجية” مثل تلك الانتخابات التي تجري خلال السنوات الأخيرة بها، والتي كانت بدايتها في الواقع الانتخابات الرئاسية الماضية عام 2021 والتي أتت بالرئيس الحالي، إبراهيم رئيسي، إلى كرسي الحكم في طهران، ثم الانتخابات البرلمانية وانتخابات “مجلس خبراء القيادة” المقررتين في الأول من مارس 2024.

إذ إن هذه الانتخابات الثلاث تضع الأسس الهيكلية لشكل النظام السياسي الإيراني خلال السنوات المقبلة، وليس هذا فقط هو العامل المهم؛ ذلك لأنها تأتي في توقيت هو الأكثر حسمًا بل وخطورة في مستقبل النظام الإيراني الحالي والذي أكد مرشده الأعلى، علي خامنئي، مؤخرًا على أن بقائه هي القضية الأكثر أهمية من أي شيء أخر.

وفي ضوء هذا، يمكننا القول ببساطة إن انتخابات مجلس خبراء القيادة المقبلة في إيران تتفوق في أهميتها وثقلها “الاستراتيجي” على نظيرتها البرلمانية. وتعود أوجه تلك الأهمية، سواء بالنسبة للانتخابات الأخيرة في السنوات الحالية بإيران أو للانتخابات البرلمانية و”مجلس خبراء القيادة” المقبلتين، إلى عدد من العوامل الداخلية أولًا والخارجية ثانيًا، وهي ما نتناولها على النحو التالي.

أولًا- العوامل الداخلية المؤثرة على أهمية الانتخابات المقبلة في إيران بشقيها:

في الواقع، تُعد العوامل الداخلية الأسباب الأكثر أهمية التي تجعل من الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء القادمتين حدثًا فارقًا في مستقبل النظام الإيراني، وذلك عند مقارنتها بالعوامل الخارجية، التي وإن كانت تؤثر على الانتخابات بشقيها بشكل لا يمكن تجاهله، إلا أنها ليست بذلك الحسم الذي تستحوذ عليه العوامل الداخلية.

1- إعادة هيكلة النظام السياسي الإيراني استعدادًا لمرحلة ما بعد خامنئي:

تُعد هذه النقطة هي الأكثر مفصلية عند الحديث عن العوامل التي تضفي أهمية غير مسبوقة على الانتخابات المقبلة في إيران في مارس 2024، سواء البرلمانية أو مجلس الخبراء، مقارنة بالانتخابات السابقة على اختلافها حتى الرئاسية منها. ففي الداخل الإيراني، نجد أن النظام السياسي قد دخل بشكل قاطع وحاسم في المرحلة الأخيرة من الإعداد لـ “إيران ما بعد خامنئي” والتي تُعد هندسة هذه الانتخابات من بين خطواتها المهمة.

وفي سبيل هذه الهندسة وإعادة الهيكلة، تقوم الشخصيات والمؤسسات النافذة في إيران بما يلي:  

  • تعميق سيطرة الحرس الثوري الإيراني على الأمور العسكرية والسياسية والاقتصادية في إيران، بل وعلى السياسة الخارجية التي زاد نفوذه فيها خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل لافت كان قد دعا وزير الخارجية السابق، محمد جواد ظريف، للاستقالة ذات مرة.

إن تعميق نفوذ الحرس الثوري في الداخل الإيراني، وما يتعلق بإيران خارجيًا، وإن كان يأتي كنتيجة طبيعية لكونه الأكثر ولاءً وقوة وإيديولوجية من أي مؤسسة أو هيئة حكومية أخرى في البلاد، باستثناء مؤسسة “بيت القيادة” أو “بيت رهبرى” الذي يتولاه المرشد الإيراني بنفسه، إلا أن سماح المرشد والمؤسسات الاستراتيجية العميقة في إيران بذلك خلال السنوات الأخيرة ينطلق بالأساس من الثقة المطلقة من جانب النظام في الحرس الثوري؛ كونه الأكثر اقتدارًا على حماية النظام بعد خامنئي من الانهيار واستمراريته وديمومته.

  • تصعيد الأصوليين إلى السلطة في إيران، والتي تعد إحدى النقاط المحورية. إذ أصبح تصعيد الأصوليين في إيران واضحًا منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2020، ومساعدة رجل الدين المحافظ ورئيس القضاء السابق، إبراهيم رئيسي، على الوصول إلى سُدة الرئاسة في العام التالي 2021.

وهنا، ينبغي التأكيد على أن حملات استبعاد المرشحين المنتمين للتيار الإصلاحي في إيران خلال الأشهر الماضية، بل وكثير من المنتمين للمعتدلين والأصوليين أيضًا، قد جاء لهذا الغرض وهو أن يكون للأصوليين السيطرة المطلقة على البرلمان المقبل، من دون المعتدلين أو الإصلاحيين، بل وحتى من دون إشراك الأصوليين الذين لا تربطهم صلات جيدة بالنظام على غرار الاسماء التي تم ذكرها في هذه الورقة. 

فالنظام الإيراني حاليًا لا يريد شخصيات سياسية عامة، أيًا كان انتماءها، تخالف وجهات النظر التي تقررها الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية والحرس الثوري (الدولة العميقة) بشأن مستقبل البلاد فيما بعد خامنئي، بل يريد سياسيين يتفقون بشكل كلي وشامل ودقيق مع رؤية الدولة العميقة لإيران ما بعد خامنئي.

ومن هنا، نستطيع بكل وضوح ودقة أن نفهم الأسباب التي قادت إلى تبلور المشهد الانتخابي الإيراني على النحو الحالي الذي نراه من حيث حصر أغلب المرشحين في التيار الأصولي المحافظ على اختلاف أحزابهم وكتلهم واستبعاد المرشحين الإصلاحيين، وذلك سواء فيما يخص الانتخابات البرلمانية أو تلك المتعلقة بمجلس الخبراء. وليس ذلك فقط، بل إن هذه المعطيات تمنحنا صورة طبق الأصل من نتائج الانتخابات في المستقبل القريب.

  • إطلاق خامنئي والمؤسسات الإيرانية المختلفة برامج لإعادة إنتاج الأفكار الإيديولوجية الثورية الأولى التي تزامنت مع السنوات الأولى للثورة الإيرانية في عام 1979، ما يتوافق ويتناسق وينسجم ما النقاط السابقة، التي تتمحور حول تصعيد الحرس الثوري والأصوليين إلى مفاصل السلطة في البلاد. وتستهدف هذه البرامج أيضًا تهيئة الأطفال لأن يكونوا موالين للأفكار الإيديولوجية للنظام، وكان هذا الأمر واضحًا من عقد برامج خاصة لهم كان أبرزها الحشد الذي جرى في “استاد الحرية” بطهران في 26 مايو 2022 ونشد خلاله الأطفال نشيد “سلام أيها القائد (يقصدون علي خامنئي)” وبثّته مختلف القنوات والوسائل الإعلامية الإيرانية.

2- زخم تظاهرات “مهسا أميني” واختبار شرعية النظام:

جرت خلال السنوات الأخيرة موجات عدة من الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، خاصة منذ 2017، وتلتها في السنوات التالية. ومع ذلك، كانت التظاهرات التي جرت في 2022 بعد مقتل الفتاة الإيرانية الكردية مهسا أميني هي الأكثر خطورة على النظام السياسي في إيران، وكانت لها تداعيات مهمة للغاية. ومن الجدير أيضًا التأكيد على أن هذه الموجة من التظاهرات كانت الأكثر تهديدًا للنظام منذ 2009، بل كانت تتفوق في حجمها ونطاقها وخطورتها منها، ما دعى النظام إلى اتخاذ عدد من الخطوات الأمنية خلال الأشهر التالية كان من بينها تعزيز الأمن الحدودي ومهاجمة مناطق في بعض دول الجوار قال إنها تدعم التظاهرات وتثير إمكانية تبلورها مرة أخرى.

وبعيدًا عن تظاهرات الأعوام الماضية، تجيء الانتخابات المنتظرة في الأول من مارس 2024 وبالتزامن مع الزخم الذي أحدثته تظاهرات مهسا أميني لتتحول إلى اختبار لشرعية النظام، أو هكذا يقرأها الكثيرون في الداخل الإيراني حتى الكثير من الكتاب والسياسيين الحكوميين أو المؤيدين للحكومة في طهران.

وعليه، فإن النظام الإيراني يحاول حشد أكبر عدد ممكن من المواطنين للمشاركة في هذه الجولة الانتخابية، وهي محاولات حثيثة للغاية ودؤوبة لا يمكن تجاهلها مطلقًا. حيث يدعو السياسيون والكتاب والمفكرون ورجال الدين ليل نهار إلى المشاركة في هذه الانتخابات المقبلة، بل ربط بعض رجال الدين ما بين المشاركة والتقوى والصلاح الإنساني.

3- أهمية اختيار مرشد قادم يوافق عليه خامنئي:

تختص هذه النقطة تحديدًا بانتخابات مجلس الخبراء فقط؛ ذلك لأنه هو المنوط به اختيار المرشد والخليفة المقبل لخامنئي. وهنا، وطبقًا لمعطيات الداخل الإيراني خلال الأشهر والسنوات القليلة الماضية، ويمكن القول إن المرشد الحالي علي خامنئي والجهات النافذة في إيران تريد أن يتم اختيار مرشد قادم مناسب تتوافق عليه القيادات والمؤسسات العليا في البلاد. وعلى الأرجح، فقد اختارت الدوائر السياسية الإيرانية وأصحاب الرأي والقرار في طهران المرشد القادم، إلا أنه بالطبع يظل أمرًا سريًا للغاية.

وهنا قد نذهب بأذهاننا إلى الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي أو نجل المرشد الحالي بالأساس مجتبى خامنئي. ويرغب خامنئي في تولية نجله خليفة له؛ إلا أن ذلك الأمر يواجه عقبات وصعوبات سواء من جانب السياسيين أو حتى الشعب. حيث يعد اختيار نجل المرشد الحالي خليفة له مخاطرة جدية بمستقبل النظام وبقائه وهو أمر تدركه الدوائر السياسية في طهران التي تخشى أيضًا من ردة فعل قوية وعنيفة من جانب الشارع والمواطنين الإيرانيين على اختيار نجل خامنئي مرشدًا، حيث إن الثورة الإيرانية لعام 1979 قد قامت بالأساس ضد الملكية وإن تولية نجل المرشد الحالي قد تُقرأ على أنها عودة إليها، أو هكذا يخشى الساسة الإيرانيون من أن يقرأ المواطنون المشهد على هذا النحو.

ومع ذلك، وعلى أي حال، إن لم يكن نجل خامنئي، فإن النافذين في النظام الإيراني، خاصة الحرس الثوري، يريدون اختيار مرشد تتوافق عليه الأغلبية أولًا ويحقق لهم مصالحهم ثانيًا. ولعل اختيار مرشد والتوافق عليه حتى الآن تظل مشكلة أمام صناع القرار في البلاد؛ خاصة في ظل صراع خفي غير ملموس بين رجال الدين والحرس الثوري على هُوية المرشد القادم، وأيضًا على اختلاف المصالح بين الطرفين ومن تكون له اليد العليا في “إيران ما بعد خامنئي”.

ثانيًا- العوامل الخارجية المؤثرة على أهمية الانتخابات المقبلة في إيران بشقيها:

ترتكز العوامل الخارجية المؤثرة على الانتخابات في إيران، سواء البرلمانية أو مجلس الخبراء، إلى عدة عناصر يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1- اختيار برلمان أصولي لتمرير قوانين بعينها تخص التعامل مع الغرب:

تقوم وجهة النظر الإيرانية الداخلية على أنه لتمرير قوانين أو اتفاقيات معينة مع (أو بشأن) الدول الغربية تحديدًا، فإنه ينبغي من البداية اختيار نواب برلمانيين من تيار بعينه، من أجل تمرير هذه الاتفاقيات التي تخص ملفات مثل المفاوضات النووية والاتفاق النووي ذي الصلة أو طريقة رد الفعل الإيرانية على سياسات أمريكية أو أوروبية، بل إن هناك حاجة لتمرير قوانين داخلية لن يقوم بها سوى الأصوليين مثل قانون الحجاب الأخير. وعليه، فإن الخيار هنا سيتمثل في التوجه نحو النواب الأصوليين الذين يتوافقون في الرؤى مع المسيطرين والنافذين في الأجهزة الأمنية والحرس الثوري.

وفي هذا الصدد، فقد أصدر البرلمان الإيراني الحالي الأصولي خلال دورته الحالية عدة قوانين تخص التصعيد النووي مع الغرب كان من بينها الموافقة على مشروع قانون في ديسمبر 2020 يطالب الحكومة بتعليق التفتيش على المنشآت النووية بسبب فرض العقوبات الدولية، وموافقته أيضًا في أبريل 2021 على وثيقة التعاون الإستراتيجية مع الصين والتي كانت محل خلاف شديد في الداخل الإيراني. ولم يكن متوقعًا أن يتم تمرير مثل هذه القوانين، أو تمريرها بسهولة، إذا كان الإصلاحيون هم المسيطرون على البرلمان. 

2- اختيار مرشد إيراني يمكنه التعامل مع الغرب:

على الرغم من غموض شخصية المرشد المقبل على الأرجح، إلا أن الحرس الثوري سوف يلعب الدور المحوري في اختياره بشكل غير مباشر، أو على الأقل قد يطرح عدة اسماء تقبلها أغلب التيارات الأخرى، وهي قائمة يُعتقد غالبًا أنها طُرحت وتم تقديمها بشكل سري. ومع ذلك، فإن التوجهات والرؤية الشخصية للمرشد المقبل في إيران تستحوذ على أهمية كبيرة حين اختياره أو طرح اسمه. فمن الجدير بالإشارة إلى أن الصدام الواضح بين إيران والغرب تلعب فيه الرؤى الشخصية لخامنئي دورًا كبيرًا، فهو على الأقل من الجيل الأول للثورة الإيرانية وممن حضروا جميع التطورات والأحداث والتحولات في العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب بوجه عام، سواء قبل الثورة في 1979 أو بعدها.

وعليه، فإذا ما كان الحرس الثوري و”إيران ما بعد خامنئي” ترغب في المهادنة مع الغرب بشكل جدي، فإنها قد تلجأ للدفع بمرشد من الجيل الجديد وليس من ذلك الجيل الذي عاصر الخميني حيًا أو من جيل خامنئي، وهنا يمكن الإشارة إلى اسماء بعينها وهي مجتبى خامنئي وحسن روحاني. أما إذا كانت الرؤى تذهب إلى مواصلة الاشتباك مع الغرب، فإن الآراء ستذهب إلى مرشد أصولي للغاية مثل الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي. 

ومع ذلك، فإن أصوليي النظام الإيراني يرون أن المرشد القادم يجب أن يكون براجماتيًا كي يستطيع التعامل مع الولايات المتحدة تحديدًا والتي ستكون “إيران ما بعد خامنئي” بحاجة إلى مهادنتها في الواقع وليس الصدام القوي معها.

وعلى ذلك، يمكن للحرس الثوري والأصوليين هندسة اختيار المرشد المقبل في مجلس الخبراء عن طريق اختيار أعضاء موثوق بهم في المجلس لا يرفضون أو يمانعون اختيار مرشد بعينه لاحقًا، وهو على أي حال أمر يمكن التحكم به من الآن.

3- تأثير الملفات الخارجية على الانتخابات في إيران: 

بأي حال من الأحوال، لا يمكن تجاهل طبيعة ملفات السياسة الخارجية الإيرانية والتحولات التي طالت هذه السياسة خلال العاميين الماضيين وأثرها على رؤية الدولة الإيرانية لهُوية النواب المستقبليين في البرلمان الإيراني وفي مجلس الخبراء أيضًا المؤثرين – كما يبدو – على اختيار المرشد في البلاد. حيث يتوجه النظام السياسي الإيراني بأكمله إلى الانفتاح مع الدول المجاورة العربية وفي آسيا الوسطى ودول الشرق وروسيا والصين بدلًا من تعزيز العلاقات مع الغرب. كما يرجح أن “إيران ما بعد خامنئي” سوف تهادن ولو بشكل مؤقت الولايات المتحدة حتى اتضاح الرؤى والخروج من مأزق الانتقال لمرشد جديد ومرحلة جديدة في عمر النظام.

وفي ظل هذه التوجهات، سيصعب تصعيد التيار الإصلاحي للسلطة في البلاد سواء في البرلمان أو مجلس الخبراء، الذي يمكنه التأثير – طبقًا للدستور – على اختيار المرشد المقبل؛ إذ إن التيار الإصلاحي في إيران يرى خلاف ذلك ويتوجه نحو تعزيز العلاقات مع الدول الغربية، على غرار ما قامت به حكومة الرئيس السابق حسن روحاني (2013 – 2021)، كما أن التيار الإصلاحي كثير الاشتباك مع التيار الأصولي من حيث تضارب الرؤى الخارجية، فضلًا عن المصالح الداخلية. وعليه، فإن التوجه نحو تصعيد الأصوليين سيكون الخيار الأمثل للنظام الإيراني خلال الفترة المقبلة.

الخاتمة: من سيفوز بالانتخابات في إيران؟

في ضوء ما تم التطرق إليه، وانطلاقًا من الحقائق والمعطيات السابقة، نستنتج أن حظوظ وفرص الأصوليين في الانتخابات البرلمانية وانتخابات “مجلس الخبراء” المقبلتين في إيران أكبر بكثير من المعتدلين أو الإصلاحيين، كما أن أغلب قوائم الانتخابات واسماء المرشحين تتبع لهذا التيار بالأساس، ما يجعل فرص سيطرتهم على البرلمان المقبل في إيران متوقعة للغاية، وهو الأمر نفسه بالنسبة لمجلس خبراء القيادة في البلاد.

علي عاطف

باحث بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى