إيران

المستقبل المجهول: ماذا ينتظر وزير خارجية إيران بعد التسجيل المسرب؟

عقب انتقادات حادة من جانب المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، يوم الأحد 2 مايو، سارع وزير الخارجية الحالي، محمد جواد ظريف، وكرد فعل سريع، إلى تأكيد ولائه الكامل للنظام في طهران. فعقب حديثه في التسجيل المسرب، هاجمت العديد من وسائل الإعلام الموالية للمحافظين في إيران ظريف واتهمت إياه بأنه معادٍ للنظام. وهذا ما قالته، على سبيل المثال، وكالة أنباء “فارس” التابعة للحرس الثوري التي كتبت في إحدى مقالاتها إنه “لم يكن خفيًا على أحد المواقف واختلافات ظريف مع التوجه العام للثورة الإيرانية، وبالطبع أصبحت أكثر وضوحًا بهذا التسريب الصوتي”. 

وقد تركزت الانتقادات من جانب خامنئي والمحافظين بشكل عام على تصريحات ظريف التي أكد فيها أن قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني هو من كان يدير شؤون السياسة الخارجية الإيرانية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

وصف خامنئي بعض تصريحات ظريف بأنها تشكل “خطأ كبيرًا”، معبرًا عن “أسفه واستغرابه” من تصريحات بعض المسؤولين. وقال خامنئي في خطاب تلفزيوني إن “سياسات البلاد تتشكل من خطط اقتصادية، عسكرية، اجتماعية، علمية، وثقافية، بما فيها العلاقات الخارجية والدبلوماسية”. 

وحول تأكيد ظريف على سيطرة الحرس الثوري على السياسة الخارجية، اعتبر خامنئي -الذي لم يذكر اسم ظريف بشكل صريح في حديثه- إن القول بأن “جزءًا واحدًا ينفي الآخر، أو أن الآخر يعارض هذا، ليس له معنى. هذا خطأ كبير يجب ألا يرتكبه مسؤول في الجمهورية الإسلامية”، حسب خامنئي.

وحذّر خامنئي أي مسؤول آخر في إيران من تكرار تصريحات مشابهة لحديث ظريف قائلًا “تصريحات بعض المسؤولين هي تكرار للتصريحات العدائية للعدو”.

وأضاف خامنئي “سمعنا تعليقاتٍ من بعض مسؤولي البلاد كانت سببًا للمفاجأة والأسف، سمعنا أن وسائل إعلام معادية للجمهورية الإسلامية نشرت أيضًا هذه التعليقات، من المؤسف أن نسمع هذه”.

ووصف خامنئي بعض تصريحات ظريف بأنها كانت “تكرارًا لتعليقات مناهضة من قبل أعدائنا”. وفي الوقت نفسه، أكد خامنئي أن وزارة الخارجية الإيرانية لا تتولى وحدها مسؤولية  السياسة الخارجية لطهران، مشيرًا إلى أن “السياسة الخارجية في كل مكان تحددها المؤسسات الأعلى من وزارة الخارجية. فالمسؤولون البارزون هم من يحددون السياسة الخارجية، وبالطبع وزارة الخارجية تشارك أيضًا”. وقال خامنئي إن دور وزارة الخارجية هي “تنفيذ” هذه السياسات.

واستطرد خامنئي “ليعلم الجميع أن السياسة الخارجية لا يتم تحديدها في أي مكان في العالم في وزارة الخارجية، ويتم تحديد السياسة الخارجية في المؤسسات العليا، … بالطبع، وزارة الخارجية تشارك أيضا، لكن القرار لا يعود إلى وزارة الخارجية.. وزارة الخارجية هي المنفذ.. يجب ألا نتحدث وكأننا لا نقبل بسياسات الدولة، ولا ينبغي أن نقدم ما يبهج الأعداء”، على حد تعبيره.

ظريف يُعيد تأكيد ولائه الكامل للنظام

أما وزير الخارجية الإيراني ظريف فما لبث أن أعاد تأكيد ولائه الكامل للنظام قائلًا إن تصريحات خامنئي هي “كلمة الفصل”. وعبّر ظريف، في منشور له على انستجرام في اليوم نفسه الذي علّق فيه خامنئي على التسجيل المسرب، عن أمله في مواصلته تنفيذ مهامه لاتباع تعليمات المرشد علي خامنئي. 

وأضاف ظريف -ردًا على تعليق خامنئي- “الملاحظات الرحيمة للمرشد الأعلى، كما هو الحال دائما، هي ختم الكلام بالنسبة لي ولزملائي ونقطة النهاية لمناقشات الخبراء”. 

واعتبر ظريف تصريحاته في التسجيل المسرب بأنها “آراء شخصية” قائلًا “أنا آسف جدا لأن بعض الآراء الشخصية، التي تم التعبير عنها فقط من أجل النقل الصادق للتجارب وبدون نية النشر، تم نشرها سرًا واستغلالها بشكل انتقائي واستخدامها كمصدر للعداء من قبل معادي البلاد والشعب والثورة، وأدت إلى انزعاج المرشد الأعلى”.

وتابع ظريف “بصفتي باحثًا في العلاقات الخارجية، كنت أؤمن دائمًا أنه يجب أن تكون السياسة الخارجية موضوعًا للوفاق والانسجام الوطنيين وأن تتم إدارتها وتوجيهها من أعلى مستوى، وبالتالي فإن اتباع وجهات النظر وقرارات القيادة ضرورة لا يمكن إنكارها للسياسة الخارجية”. وشدد ظريف على أنه يأمل في العمل مع زملائه من أجل “التنفيذ المثالي” لتعليمات المرشد الأعلى علي خامنئي. 

أي مستقبل مجهول ينتظر وزير خارجية إيران؟

يعلم ظريف جيدًا أن التصريحات المسربة له قد تؤدي به إلى صدام أوسع غير معلوم النتائج مع المحافظين الذين يشكلون الفاعل الأقوى في معادلة السلطة داخل إيران. فإذا كان هؤلاء المحافظون معارضين للاتفاق النووي ولسياسات الرئيس حسن روحاني وفريقه التفاوضي، الذي يجيء ظريف على رأسه، إلا أن الخلاف لم يصل قبل التسجيل المسرب إلى حد اتهام ظريف صراحة وعلنًا بمعاداة النظام، كما فعلت وكالة أنباء “فارس” التابعة للحرس.

وتُعد هذه التهمة كفيلة بإنهاء المستقبل السياسي لأي مسؤول أو شخصية إيرانية، مثلما حدث مع أفراد كانوا أقوى داخليًا من ظريف بمراحل، من بينهم آية الله حسين علي منتظري (1922-2009) الذي فُرضت عليه الإقامة الجبرية لاختلافه مع النظام برغم أنه كان يُنظر إليه على أنه المرشد القادم بعد آية الله الخميني الذي توفي عام 1989. 

وكان من بين لاقوا مصيرًا مشابهًا أيضًا السياسيُ الإصلاحيُ مهدي كروبي (وُلد عام 1937) الذي لا يزال يخضع للإقامة الجبرية في المنزل منذ التظاهرات التي شارك بها عام 2009 احتجاجًا على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أُعلن فيها عن فوز محمود أحمدي نجاد. 

ولا يُستبعد في هذه الحالة إذًا تعرُض ظريف إلى المحاكمة أو الإقامة الجبرية أو إلى أي نوع آخر من المواجهة مع المتشددين في إيران خلال الفترة القادمة؛ ذلك لأن تصريحاته كشفت عن طبيعة حالة الصراع بين الفاعلين في النظام الحالي بإيران وعن مدى نفوذ الحرس الثوري داخل مختلف المؤسسات بإيران، فهي إذًا تصريحات أزاحت الستار عن بعض ما يجري وراء الكواليس. 

والجدير بالذكر هنا هو أن الداعم الحقيقي لظريف في أية مواجهة محتملة في المستقبل مع المحافظين داخل إيران سيكون بشكل غير مباشر عملَه السابق  كوزير للخارجية وشهرته على المستوى الدولي بعد جولات المفاوضات التي أجراها، ولا يزال، لسنوات عديدة فيما يتعلق بالملف النووي لبلاده، حيث إن ظريف يُعد من أشهر وزراء الخارجية الإيرانيين على الإطلاق ومن بين أطول 3 وزراء خارجية في إيران بقاءً في مناصبهم منذ عام 1979. 

وعلى الرغم من إعلان وتأكيد ظريف من جانب آخر عدم نيته الترشح في الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة في يونيو، إلا أن التسجيل المسرب أطاح بأي محاولات مستقبلية له أو من جانب التيار الإصلاحي تتعلق بمشاركته تحديدًا في الانتخابات الرئاسية أو توليه منصبًا كبيرًا بالحكومة إذا ما فاز رئيس إصلاحي بالانتخابات المقبلة. 

وعلى أي حال، لا يتمتع ظريف داخل النظام الإيراني بنفس النفوذ الذي كان يتمتع به منتظري أو كروبي أو غيرهما حتى يستطيع تحمل مواجهة مستقبلية مع الأصوليين خاصة وأنهم يسيطرون على عدد من المؤسسات القوية داخل هيكل النظام الإيراني، وهذا هو ما دفعه إلى استخدام لهجة اعتذار قوية للمرشد ولمحافظي النظام. 

ولذا، فإن من المتوقع عمليًا أن ينتهي المستقبل السياسي لظريف بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد 18 يونيو 2021.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى