إيرانإسرائيل

“الكثير مقابل الممكن”: ماذا يريد الإسرائيليون من مفاوضات فيينا النووية؟

تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقًا فيما يتعلق بجولات التفاوض النووية في العاصمة النمساوية فيينا من أجل إعادة صياغة الاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015. فالأجواء السياسية والعسكرية الحالية تختلف كثيرًا عما كانت عليه الساحة الدولية آنذاك التي تم التوصل في ظلها إلى اتفاق (لوزان) النووي في العام المذكور. وتشعر إسرائيل بما يشبه العزلة هذه المرة؛ إذ إنها ترى نفسها الأكثر تأثرًا في المستقبل بما ستتمخض عنه المفاوضاتُ الجارية، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لم يتم التوصل إليه. 

هكذا تفكر إسرائيل، وهكذا تعبر تصريحاتُ مسؤوليها، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت. وعلى هذا الأساس أيضًا، تتحدث وسائل الإعلام في إسرائيل. ولعل هذه النظرة المستقبلية قد دفعت أبرز المسؤولين في إسرائيل إلى محاولة ممارسة “الضغط الأقصى” على الدول الأوروبية؛ من أجل التأثير على المفاوضات النووية في فيينا، وتحقيق الأهداف التي يسعى الإسرائيليون إليها من خلال مفاوضات فيينا، التي لا يشاركون بها بالأساس. 

فقد طار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى العاصمة البريطانية لندن، وتزامنت زيارته مع جولة قام بها وزيرُ خارجيته يائير لابيد إلى أوروبا التقى خلالها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وهذه الجولات السريعة والمكثفة في الوقت نفسه تؤكد مدى اهتمام الإسرائيليين بجولات فيينا النووية، وخشيتهم أيضًا من مآلاتها ونتائجها. 

لماذا يقلق الإسرائيليون من سير مفاوضات فيينا؟

كان الإسرائيليون من أبرز مُشجّعي الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، على الخروج من الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى لعام 2015 أو ما يُعرَف بـ “خطة العمل الشاملة المشتركة” أو (JCPOA)؛ فقد رأوا أنه اتفاق “سيئ”، حسب تعبير رئيس الوزراء وقتها بنيامين نتنياهو، ودعا الأخيرُ قبل رحيله عن السلطة منتصف العام الجاري 2021 إلى “إما تعديل الاتفاق النووي أو إلغائه”. وقد كان، وحدث ما رغب الإسرائيليون به حينما أعلن ترامب خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو 2018. 

ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من اختلاف وجهات نظر نتنياهو ونفتالي بينيت فيما يتعلق بأمور عدة من بينها الداخل الإسرائيلي وملفات أخرى خارجية، إلا أن طريقة ووجهات نظر الطرفين لا تختلف كثيرًا عند الحديث عن الاتفاق النووي الإيراني وكيفية تأطير المواجهة مع إيران. وذلك في الوقت نفسه الذي وجّه فيه نفتالي بينيت سهام النقد إلى نتنياهو فيما يخص هذا الملف.

وبعدما خرج الأمريكيون من الاتفاق وجاءت الإدارة الديمقراطية الحالية بزعامة الرئيس جو بايدن، بدأت الرؤى الإسرائيلية، وهي المخاوف ذاتها في الوقت نفسه، تتضح فيما يخص الملف النووي وما يجب إعادة النظر فيه، حسبما ترى إسرائيل، حين الجلوس على طاولة المفاوضات في العاصمة النمساوية فيينا.

ويمكن حصر هذه المخاوف الإسرائيلية فيما يلي: 

  •  الأزمة الكبرى؛ توظيف المفاوضات والاتفاق لتعزيز الأنشطة النووية: 

لعل أبرز ما يُقلق الإسرائيليين في الوقت الحالي هو التقدمُ الواضح الذي أحرزته طهران خلال السنوات -أو بشكل أدق خلال الأشهر القليلة- الماضية، فيما يخص الأنشطة النووية وعمليات تخصيب اليورانيوم وتركيب أجهزة طرد مركزية متطورة للغاية. وكان على رأس هذه الأجهزة التقنية التي أقلقت إسرائيل ما أعلن عنه المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، في 6 أبريل 2021 حينما أكد أن طهران بدأت لأول مرة اختبارات على أجهزة الطرد المركزية المتطورة من الجيل التاسع (IR9). 

إن المخاوف الرئيسة لدى إسرائيل تتمحور حول عدم معالجة الاتفاق النووي لعام 2015 مسألة استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم وبنسب عالية، وهو ما يمنحها إمكانية تصنيع وامتلاك أسلحة نووية في وقت طال أم قصر. ولعل هذه المخاوف الإسرائيلية قد تعززت بشدة حينما أعلنت طهران أوائل شهر نوفمبر الماضي عن إنتاجها 25 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وهي نسبة خطيرة للغاية تراها إسرائيل مقدمة للوصول إلى نسبة الـ 90% اللازمة لصنع سلاحٍ نووي.

وما أغضب الإسرائيليين أكثر كان مواصلة الإيرانيين تخصيب اليورانيوم والأنشطة النووية بوجه عام بالتزامن مع عقد الجولة السابعة من المفاوضات النووية في فيينا، والتي كانت قد بدأت في 29 نوفمبر الماضي.  ولذا، فقد طرح الإسرائيليون في زياراتهم الأخيرة إلى عددٍ من الدول الأوروبية ضرورة أن تضمن الدول الأوروبية عدم تكرار أحداث الماضي المتمثلة في إلغاء جزء من العقوبات على إيران فيما تواصل الأخيرة في الوقت نفسه أنشطتها النووية، أي بمعنى أنها استفادت من كلا الجانبين، الاقتصادي والعسكري. 

لقد طرح وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، خلال لقاءاته مع جونسون في لندن وماكرون في باريس موقف إسرائيل المتشدد إزاء مواصلة إيران تخصيب اليورانيوم سواء بالتزامن مع إجراء المفاوضات، أو بعد التوصل إلى اتفاق نووي. وأكد الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ خلال زيارته لبريطانيا أن “الهدف من مفاوضات فيينا يجب أن يكون منع توصل إيران إلى سلاح نووي”. وأبرز هرتسوغ امتعاضًا من احتمالية رفع العقوبات عن إيران. وعليه، فإن الإسرائيليين أكدوا على ضرورة تمسك الأمريكيين في المفاوضات بمبدأ “القليل مقابل القليل”.

وبعد انطلاق المفاوضات النووية في فيينا يوم 29 نوفمبر الماضي، دعا الإسرائيليون واشنطن إلى الإيقاف الفوري للمفاوضات النووية قائلين، على لسان رئاسة الوزراء الإسرائيلية، إن “إيران تمارس ابتزازًا نوويًا كأحد تكتيكات إجراء المفاوضات، والرد المناسب يكون بإيقاف المفاوضات فورًا واتخاذ خطوات صارمة من الدول العظمى”. وكان السبب الرئيس لذلك هو إعلان طهران وتأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأول من ديسمبر الجاري مواصلة إيران تخصيب اليورانيوم وباستخدام أجهزة طرد مركزية متطورة. 

وعليه، فإن خشية إسرائيل من استمرار الأنشطة النووية الإيرانية “خاصة فيما بعد التوصل إلى إعادة صياغة الاتفاق” كان الدافع الرئيس وراء قلقها من طبيعة سير المفاوضات في النمسا ودعوتها إلى إنهائها “فورًا” أوائل ديسمبر الجاري.

  • الدعم المالي: هل تستمر إيران في الالتزام بتعهداتها طبق الاتفاق؟ 

 يرغب نفتالي بينيت وحكومتُه في التوصل إلى آلية قاطعة تضمن مواصلة إيران الالتزام بتعهداتها وفق الاتفاق النووي. وتتمثل أبرز هذه التعهدات -التي يرغب الإسرائيليون في التأكد من التزام إيران بها “مستقبلًا” بعد التوصل إلى إعادة صياغة الاتفاق النووي من جديد- في عدم دعم طهران للجماعات المسلحة والوكلاء خاصة في سوريا ولبنان.

وتُركّز إسرائيل على أن توصّل الولايات المتحدة إلى اتفاق “نِصفيّ” سيمنح إيران دورًا مستقبليًا أكبر من الذي تلعبه في الوقت الراهن أو خلال السنوات الأخيرة؛ من حيث توسع نفوذها ودعم هذه الجماعات سواء عن طريق الأموال أو السلاح. وعلى الرغم من تأكد إسرائيل من أن إيران لن تمتنع بشكل كامل عن دعم مثل هذه الجماعات، إلا أنها ترغب على الأقل في أن تقلل من حجم هذا الإنفاق، وأن تخفض إيران من نطاق الدعم اللوجيستي إلى المجموعات الموالية لها على الأراضي السورية بالقرب من الحدود. 

وليس ببعيد عن هذا، لا ترغب إسرائيل في أن تفرج الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي عن نسبة كبيرة من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، بعد التوصل إلى اتفاق نووي؛ وذلك من أجل ضمان تحقيق ما سبق. 

  • مخاطر الصواريخ الإيرانية: 

 وهي من بين أبرز المخاطر التي يرغب الإسرائيليون أيضًا في معالجتها خلال محادثات إعادة التفاوض النووية في العاصمة فيينا. ولعل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، بني جانتس، يوم 25 نوفمبر الماضي تُعد موضحة لطبيعة هذه المخاوف الإسرائيلية. فقد قال جانتس إن الاتفاق الجيد هو اتفاقٌ يعالج عيوب الاتفاق النووي الأصلي لعام 2015 علاوة على “مخاطر البرنامج الصاروخي الإيراني”. 

وشدد جانتس في الوقت ذاته على أن إسرائيل ستتعاون مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بمفاوضات فيينا، وستواصل أيضًا “تعزيز قوتها العسكرية استعدادًا لمواجهة محتملة مع إيران”.

وعلى الرغم من أن البرنامج الصاروخي الإيراني لم يكن طرفًا أساسيًا في مفاوضات ما قبل 2015، إلا أن تحديث طهران لمنظومتها الصاروخية خلال السنوات الأخيرة من حيث المدى والدقة قد ساهم في تفاقم القلق الإسرائيلي حيال ذلك. وفي هذا الصدد، يتفق الأمريكيون والأوروبيون والإسرائيليون، والعديد من الدول الأخرى في الإقليم، على ضرورة طرح الملف الصاروخي لإيران على طاولة مفاوضات فيينا.

“الكثير مقابل الممكن”: كيف تستعد إسرائيل للجولات النووية المقبلة؟

واستنتاجًا مما سبق، نجد أن الإسرائيليين يرغبون من خلال عملية التفاوض الجارية في النمسا على بنود الاتفاق النووي القديم الذي تم التوصل إليه في مدينة لوزان السويسرية 2015 فيما يلي: 

  •   ضمان ألا تصبح إيران نووية حال “التوصل إلى اتفاق نووي جديد”. وقد أكد على ذلك رئيسُ جهاز “الموساد” الإسرائيلي “ديفيد بارنيا” في تصريحات له تزامنت مع إجراء الجولة السابعة من المفاوضات النووية، وذلك حينما قال إن “طبيعة تقدم البرنامج النووي الإيراني توضح بشكل جلي أن طهران تسعى إلى التوصل إلى سلاح ذري”. وترى إسرائيل، حسبما علقت على ذلك مجلة “تايمز اوف إسرائيل” مؤخرًا، أن تخصيب إيران اليورانيوم بنسبة 60% يعني أنها ترمي إلى التوصل لسلاح نووي. 
  • خفض مستوى دعم إيران للوكلاء في الإقليم، خاصة في سوريا ولبنان.
  • تقييد البرنامج الصاروخي الإيراني.
  • عدم منح طهران أموالًا باهظة إذا ما تم التوصل إلى الاتفاق.

 وعلى ذلك، وفيما تبدو إرهاصاتُه بيّنة، ستحاول إسرائيل هذه المرة، بدلًا من الولايات المتحدة كالمعتاد في الماضي القريب، ممارسة حملة ضغط قصوى على إيران سياسيًا واقتصاديًا أو حتى عسكريًا.

فسياسيًا، أدانت إسرائيل وشنّت حملة إعلامية ضخمة ضد استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بالتزامن مع إجراء المفاوضات النووية في جولتها السابعة (29 نوفمبر – 3 ديسمبر 2021)، مطالبة بوضع حدٍ دائم لذلك. وعلى الناحية الاقتصادية، دعت إسرائيل إلى عدم الإفراج عن أموال إيرانية من أجل عدم إرسالها إلى الوكلاء. 

أما عسكريًا، فإن إسرائيل تدعو في الوقت الراهن إلى القيام بحملة عسكرية ضد إيران، ويعتزم وزير دفاعها ورئيس الموساد دفع واشنطن خلال زيارتهما إليها المقررة الأسبوع الجاري إلى القيام بعمل عسكري يستهدف مواقع إيرانية. وسيبحث المسؤولان الإسرائيليان أيضًا تطوير “الخطة ب” ضد إيران التي تتضمن أيضًا العمل ذاته.

وبالأساس، تهدف إسرائيل من وراء كل ذلك إلى تطوير حملة ضغط قصوى على إيران تجعلها تقبل بتنازلات كبرى على الصعيد النووي والصاروخي وحتى الإقليمي. فلطالما دعم الإسرائيليون فكرة “القليل مقابل القليل”، إلا أنهم لا يرغبون هنا إلا في تقديم إيران “الكثير مقابل القليل” أو على الأقل “الكثير مقابل الممكن”.

وختامًا، يُرجح بشدة أن تستمر إسرائيل في هذه الحملة من أجل الضغط على طهران، ولكن لا يُتوقع في الوقت نفسه أن تُقْدم على شن هجمات عسكرية مباشرة ضد إيران خاصة في الوقت الحالي؛ إذ إن هذا سوف يعقد الوضع أكثر مما هو عليه، وسيجعل الموقف الإيراني حيال المفاوضات أكثر تشددًا مما هو قائم الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى