العراق

إلى أين يذهب العراق بعد محاولة اغتيال الكاظمي؟

في منتصف العام الجاري، حذّرت تقارير أمريكية من مخاطر استخدام الطائرات بدون طيار (درونز) داخل العراق بوجه عام، وذلك قبيل فترة زمنية وجيزة من استعراض عسكري كبير غير مسبوق قامت به قوات “الحشد الشعبي” العراقية التي أسسها وأشرف على انطلاقها منذ البداية قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني الذي قُتل للمفارقة بطائرة مسيرة في يناير 2020.

كان هذا الاستعراض المُشار إليه دليلًا واضحًا على مدى النوعية المتقدمة من الأسلحة التي تمتلكها فصائلُ “الحشد الشعبي” العراقية وخاصة الطائرات بدون طيار التي زودت إيران “الحشد” بها. لقد شكل الاستعراض آنذاك خطوة “ردع” مُسبقة قبل عقد الانتخابات التشريعية البرلمانية في العراق في وقت لاحق في شهر أكتوبر 2021.

أما بعد الانتخابات، فقد أظهرت الفصائل والتيارات الموالية لإيران في العراق استياءً وعدم رضا عن النتائج؛ لعدم حصولها على نصيب كبير من المقاعد البرلمانية، ما دفعها إلى تنظيم مسيرات في وسط بغداد بالقرب من المنطقة الخضراء التي تشمل مقر رئاسة الوزراء والسفارات الأجنبية في البلاد. واستمرت هذه المظاهرات حتى قبيل ساعات من محاولة فاشلة جرت عن طريق (الدرونز) لاغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في منزله ببغداد. 

وعلى الرغم من عدم إعلان أية جماعة أو تيار المسؤولية عن المحاولة الفاشلة، إلا أن هناك مؤشرات واضحة قد تقود إلى هُوية المدبر علاوة على دلالات مهمة أخرى يحملها هذا الهجوم وتتعلق بمستقبل العراق. 

من الرابح حال اغتيال الكاظمي؟

العراق.. الكشف عن تفاصيل جديدة لمحاولة اغتيال الكاظمي - RT Arabic

بعد عدم نجاح الفصائل الموالية لإيران في العراق في تحقيق النتائج المرجوة داخل عملية الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي قادت إلى فوز الصدريين، سيكون مكسبًا لها على أي حال حدوث اضطرابات في عملية انتقال السلطة داخل العراق خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا ما تم اغتيال رئيس الوزراء الكاظمي. ففي هذه الحال، ربما تقود التطورات والأحداث، حسبما يرى البعض، إلى إعادة الانتخابات أو تأجيل تطبيق نتائجها على أرض الواقع، أو ربما إلى حرب داخلية أوسع تلغي معها كل هذه التوقعات بالأساس.

وعليه، فإن الرابح حال اغتيال الكاظمي ستكون الفصائل الموالية لإيران داخل العراق. وهذا يضعنا بالتالي أمام احتمالية تتعلق بهوية الفاعل، خاصة وأن هذه الفصائل هددت من قبل الكاظمي ولطالما استعرضت قواتِها أمام الجيش والقوات العراقية الحكومية. وفي هذا الصدد، ينبغي التطرق إلى نقطة أخرى ألا وهي “هل سوف تخسر إيران حال تصدر الصدريين المشهد العراقي؟”. وستكون الإجابة على هذا التساؤل “نعم في الغالب”، مع اختلاف حجم الخسارة وتأثيرها. 

وفي السياق نفسه، فإذا قمنا بالبحث داخل وسائل الإعلام الإيرانية التي تبث من داخل البلاد وذلك خلال الأيام القليلة الماضية التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية العراقية، سنجد أن كثيرًا منها حذّرت من وقوع توترات أمنية في العراق خلال الأيام الجارية بعد الكشف عن نتائج الانتخابات. 

فعلى سبيل المثال، نشر موقع “خبر آنلاين” الإيراني الناطق بالفارسية، والذي يبث من داخل إيران، يوم الخميس 21 أكتوبر 2021 تحت عنوان “كيف سيشكل فوزُ مقتدى الصدر علاقات إيران والعراق؟”(*)يحذر من أنه “يبدو أن أزماتٍ جديدةً تنتظر العراق خلال المستقبل القريب”. ويضيف الموقع الإيراني “من المُلاحَظ أن التيارات الأجنبية الشريكة لبعض الجماعات العراقية على وشك أن يعملوا على تحجيم مستوى أوجه التعاون الحالي بين إيران والعراق” وأن يخلقوا تعقيدات في هذه العلاقة. 

وقد سبق هذا الموقعُ تغريدة للأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، في 7 نوفمبر الجاري، أي بعد وقت قصير من محاولة اغتيال الكاظمي، ربط فيها بين عملية اغتيال الكاظمي الفاشلة ودول أجنبية حين قال إنه يمكن البحث عن محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق في “مراكز الفكر الأجنبية”، واصفًا هذه المحاولة بأنها “فتنة جديدة”. 

إذًا، فالرابح الأساسي من اغتيال الكاظمي، حال حدوث ذلك، هي “السياسة الإيرانية تجاه العراق” بشكل عام والفصائل العراقية الموالية لطهران داخل أراضي ذلك البلد، وهو ما يقودنا بالتالي إلى هوية الفاعل بشأن محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق. إذ إن إيجاد التوترات الأمنية في هذا التوقيت أو حتى دخول البلاد إلى حد الحرب الأهلية، كما وصفتها بعض وسائل الإعلام، سيعزز من دور هذه الفصائل، ومن الناحية الإستراتيجية سيخدم سياسة طهران في العراق.

دلالات متشعبة: إلى أين يذهب العراق بعد محاولة اغتيال الكاظمي؟

مثلما يمثل اغتيال الكاظمي مكسبًا لفصائل عراقية مسلحة بعينها، فإن فشل هذه العملية يحمل أيضًا دلالاتٍ خاصة للكاظمي والعراق نفسه، فضلًا عن مخاطر أخرى: وذلك على النحو التالي: 

  • انتصار الكاظمي وخدمة مشروع الدولة العراقية:

لا شك أن محاولة الاغتيال الفاشلة مثلت انتصارًا جديدًا لرئيس وزراء العراق الكاظمي، خاصة في مواجهة الفصائل المسلحة المتعددة. فقد أدان العديد من قادة ورؤساء مختلف دول العالم الحادث. ومنهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أدان المحاولة ووصفها بـ “الآثمة” و”الغاشمة” داعيًا “كافة الأطراف والقوي السياسية بالعراق إلى التهدئة ونبذ العنف والتكاتف من أجل الحفاظ على استقرار الدولة وتحقيق آمال الشعب العراقي الشقيق”. 

وإلى جانب الرئيس المصري، أدان الرئيس الأمريكي، جو بايدن، المحاولة ووصفها بـ”الهجوم الإرهابي” وقال إنه “شعر بالارتياح” بعد علمه بعدم إصابة الكاظمي في الحادث. وندد الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة ودول الخليج العربية وغيرها بالحادث أيضًا. ويُكسب هذا الكاظمي والمؤسسات السيادية والأمنية العراقية بوجه عام زخمًا ودعمًا دوليًا جديدًا.

  • جلب المزيد من العداء لدور الميليشيات المسلحة في العراق: 

إذا كانت محاولة الاغتيال الأخيرة الفاشلة تعزز بالفعل النظرة إلى ضرورة تقوية المؤسسات والدولة العراقية ككل، فإنها وعلى الجانب الآخر تجلب المزيد من العداء للفصائل المسلحة النشطة على الأراضي العراقية. ويعني هذا أيضًا دعمًا غير مباشر للآراء والجهود الرامية إلى تعزيز دور العراق وعودته إلى الدائرة العربية وتحجيم دور الميليشيات المسلحة على أراضيه.  

  • سعي الميليشيات في العراق لإضعاف الدولة: 

لعل من أبرز الدلائل التي يشير إليها الهجوم الأخير ضد منزل رئيس الوزراء العراقي الكاظمي هو حجم التهديد الذي تمثله الميليشيات النشطة في العراق لمستقبل استقرار الدولة نفسها. فقد باتت هذه الفصائل خطرًا على الدولة وقواتها الأمنية والعسكرية، بل إنها أضحت بشكل واضح تحديًا جليًا للمؤسسات العراقية بمختلف أشكالها، من سياسية إلى عسكرية وأمنية.

إن التطورات الأخيرة في العراق توضح أن هناك مواجهة كامنة بين الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة والدولة ذاتها، ممثلة في رئيس الوزراء والجيش والشرطة والقوات الأمنية الأخرى. وتشير محاولة اغتيال الكاظمي إلى رغبة هذه الفصائل في إظهار الدولة العراقية على أنها ضعيفة غير قادرة على حفظ أمنها، خاصة بعد نجاحها في تنظيم قمم ومؤتمرات وزيارات على مستوى عالٍ في الفترة الأخيرة كان من بينها زيارة بابا الفاتيكان إلى البلاد أوائل مارس 2021. 

  • جرس إنذار: تطور نوعية الأسلحة لدى الميليشيات في العراق: 

لقد بات بيّنًا منذ العرض العسكري الواسع الذي أقامته الفصائل المسلحة العراقية في يونيو الماضي، وعلى رأسها تلك المنضوية تحت لواء “الحشد الشعبي”، أن الميليشيات العراقية المسلحة أصبحت مع مرور الوقت خطرًا أكبر من الماضي على استقرار الدولة العراقية؛ خاصة بسبب التطور الكبير الذي حدث في نوعية الأسلحة التي تمتلكها وظهر في العرض المذكور، وعلى رأسها الطائرات من دون طيار. إن هذا التطور يعني أن هؤلاء الوكلاء أصبحوا ينافسون الجيش العراقي بكل وضوح، ما يشير إلى خطورة وجود قوات عسكرية موازية في دولة واحدة. 

  • رسالة إلى رئيس الوزراء العراقي المقبل: 

ربما تتفق بعض الآراء مع ما قاله “أبو علي العسكري” المسؤول الأمني في “كتائب حزب الله” العراقية، يوم 7 نوفمبر عقب محاولة الاغتيال حين حاول التأكيد على أنه “لا أحد في العراق” لديه الرغبة في اغتيال “رئيس وزراء سابق”، وذلك على الرغم من أن مشاركة 3 طائرات في تنفيذ عملية واحدة يؤكد عزم مدبريها على إتمامها ويدحض قول “العسكري”. 

ولكن إن كان الكاظمي سيصبح بالفعل عن قريب رئيس وزراء سابق، إلا أن هذا لا يسلب الهجوم الأخير ضده أهميته؛ إذ أن الحادث يوجه على الأقل وبشكل غير مباشر رسالة إلى رئيس الوزراء القادم في العراق مفادُها أن الميليشيات الموالية لإيران على الأراضي العراقية لديها نفوذ قوي على الأرض، أو -كما تريد الرسالة أن تقول- لديها النفوذ الأكبر.

وقد يعزز هذا المفهومَ قلق إيران من فوز التيار الصدري في الانتخابات التشريعية في أكتوبر الماضي، حيث إن مقتدى الصدر يتبنى نهجًا أقل تحالفًا وصداقة مع إيران وأكثر مناهضة لتدخلاتها في العراق. ويعني هذا أن طهران تريد تحذير مقتدى الصدر أو من يتولى من تياره الحكم بشكل مسبق. 

وختامًا، لا تُعد محاولة الهجوم على رئيس وزراء العراق، الكاظمي، واغتياله، عملية بسيطة غير ذات معنى، بل إنها تعني الكثير وتحمل دلالاتٍ عدة، كما سبقت الإشارة. ولكن الأكثر أهمية وخطورة في هذا الصدد هي تلك النقطة التي ذُكرت مسبقًا وتُعد جرس إنذار واقعي، ألا وهي مدى التطور في نوعية الأسلحة والنفوذ الذي تمتلكه الفصائل المسلحة العراقية الموالية للخارج. إن هذه القضية على وجه التحديد قد تقود في المستقبل إلى ما هو أعمق من الأزمة الحالية في العراق، وهي مخاطر تتعلق باندلاع أي نوع من الصراع بين القوات العسكرية الحكومية الرسمية والميليشيات، ما قد يؤدي إلى حرب أهلية مباشرة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى