إيران

كيف تقرأ وسائل الإعلام في إيران الدور المصري في أزمة البحر الأحمر؟

على غرار الإثناء الإيراني السابق فيما يتعلق بـ “رفض مصر المشاركة في تحالف دولي مضاد لإيران” قبل سنوات قليلة، أشادت وسائل الإعلام في طهران خلال الأيام الماضية بـ “عدم انخراط” مصر في تحالف دولي جديد يستهدف ردع ميليشيات “الحوثيين” في جنوب البحر الأحمر عن تهديد الملاحة الدولية التي تؤثر بالتالي على المرور في قناة السويس المصرية. لقد كان هذا هو التوجه والخط الرئيس الذي تبعته وسائل الإعلام في طهران فيما يخص التطورات الجارية في البحر الأحمر بالتزامن مع استمرار الصراع في قطاع غزة الفلسطيني.

ومع ذلك، فقد حذّرت العديد من وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية من تداعيات هجمات “الحوثيين” في البحر الأحمر؛ قائلة إن الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الإقليمية التي تهمها عملية الملاحة في البحر الأحمر، لن تقف صامتة طويلًا أمام هجمات “الحوثيين” وأنها ستلجأ إلى أية وسيلة لردعم.

وفي هذا الشأن، ناقشت بعض هذه المنصات الإعلامية في طهران مصالح الدول الخليجية في هذا الأمر، وقارنت بينها وبين المصالح المصرية، مشيرة إلى أنه على الرغم من تضرر جزء من المصالح الخليجية في هذا الأمر خاصة السعودية، إلا أن المسألة تخص مصر أكثر من أية دولة أخرى في الإقليم. بل إن بعض هذه المنصات قللت من إمكانية دخول السعودية والإمارات وقطر على خط الصراع العسكري في البحر الأحمر لحمايته من تهديد “الحوثيين”.

وتلاحظ أنه من يوم 24 ديسمبر 2023، بدأت وسائل الإعلام الإيرانية في تداول أنباء بشكل معاكس عن التيار الرئيس في تناول دور مصر في الأزمة و”رفضها” الانخراط في تحالف البحر الأحمر الدولي، والزعم أن مصر “انضمت إلى مشروع الجسر البري الذي ينقل السلع إلى الكيان الإسرائيلي”.

وكان العنوان الرئيس الذي تداولته وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية بشأن الدور المصري في أزمة البحر الأحمر هو “مصدر مصري: القاهرة لن تشارك في أي تحالف ضد الحوثيين”، وهو العنوان الذي استخدمته وكالة أنباء “فارس” الإيرانية التابعة للحرس الثوري في تقرير لها نُشر يوم 18 ديسمبر 2023، حيث قالت إن “مصدرًا مصريًا مطلعًا قال إن هذه الدولة لا تنوي الدخول في أي تحالف ضد الحوثيين في اليمن، وهو تحالف تسعى أمريكا وإسرائيل لتشكيله ضد اليمنيين ردًا على تهديد السفن المتجهة لإسرائيل في البحر الأحمر”.

وأضافت الوكالة “وأوضح المصدر المصري أن القاهرة لا تزال ملتزمة في الوقت نفسه بدورها في حل التوترات والأزمة عن طريق التشاور مع الأطراف المختلفة، كما أنها تكتفي بالمشاركة في مهام القوة المشتركة 153 الخاصة بأمن البحر الأحمر، وهو تحالف تشكل في عام 2021 من 39 دولة بهدف الحفاظ على الملاحة البحرية وتعزيز القوات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن”.

وحسب الوكالة، فقد أشار هذا المصدر إلى أن “مصر تتبع، فيما يتعلق بالتعامل مع القلاقل الأمنية الخاصة بقناة السويس، سياساتٍ ثابتة وواضحة، وإن الاتصالات مستمرة بين مصر وإيران من جانب وبين مصر والحوثيين من جانب أخر؛ بهدف ضمان أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وعدم تأثر قناة السويس”. 

أما صحيفة “هم ميهن” الإصلاحية الإيرانية، فقد سارت على منوال بقية المنصات الإعلامية الإيرانية التابعة للتيار الإصلاحي، والتي حذّر كثيرٌ منها من مخاطر قيام ميليشيات “الحوثيين” بتهديد الأمن الملاحي في البحر الأحمر. فقد نشرت الصحيفة في تقرير لها نُشر يوم 23 ديسمبر 2023 تحت عنوان “سوء التقدير في البحر الأحمر احتمال خطير”، حذّر بوجه عام من تداعيات تنفيذ “الحوثيين” هجماتٍ في البحر الأحمر ونفاذ صبر الدول المعنية. 

وأجرت الصحيفة الإصلاحية في هذا الصدد حوارًا مع ممثل إيران السابق في منظمة التعاون الإسلامي الدبلوماسي “محمد شريعتي دهاقان”، وصف خلاله “الحوثيين” بـ “شبه حكومة تسيطر على العاصمة” صنعاء وشكك في الوقت نفسه في “مكاسب” قيام “الحوثيين” بهذا الأمر قائلًا “في هذا الوقت، لا يمكن التأكد بشكل قاطع هل أن هذه الأعمال التي يقوم بها الحوثيون ستجلب مصالح لليمن أم لا”، مضيفًا أنه من غير المتوقع أن تهاجم هذه الميليشيا السفن الأخرى التي تقصد وجهات غير إسرائيل. 

وحذّر الدبلوماسي الإيراني السابق من تداعيات سيناريو مثل إغلاق باب المندب، موضحًا أن مثل هذا الأمر سوف يؤثر على مصالح الدول الصديقة أو الحليفة لإيران، قائلًا “يقول الحوثيون إن نيتهم ليست إغلاق باب المندب حتى لا تتضرر العملية الاقتصادية في العالم كله، وإن واحدة من الدول التي يمكن أن تتضرر بشكل كبير للغاية من هذا الإغلاق هي مصر التي تنشغل في الوقت الراهن بإيصال المساعدات إلى المواطنين في غزة”.

وشدد شريعيت دهاقان على أنه على الرغم من أن مصر لا تتمتع بعلاقات جيدة مع الحوثيين، وعلى الرغم أيضًا من أن أكبر الأثر الاقتصادي السلبي جرّاء أعمال الحوثيين يقع على مصر، إلا أن الأخيرة لم تعلن استعدادها للانضمام للتحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة”.  

وأوضح الدبلوماسي الإيراني السابق أن هجمات “الحوثيين” تأتي في الوقت الذي أكدت فيه الولايات المتحدة على عدم رغبتها في تمدد الصراع بغزة إلى الإقليم، مشددًا على أن “الحوثيين” يمكن أن يتضرروا بشدة من الدخول في معارك مع الولايات المتحدة.

وزعم دهاقان أن “حرب العصابات والفاعلين العسكريين من غير الدول يستطيعون في ظل المعارك غير المتوازنة أن يقاوموا بشكل أكبر وأن يستحوذوا على قوة أكبر لضرب العدو. وإن الحوثيين هم فاعل غير حكومي يقومون بحرب عصابات غير متوازنة، ولذا فإن الحوثيين يمكن لهم أن يضروا إسرائيل بشكل أكبر، خاصة وأنه ليس لديهم شيء كبير يفقدونه”.

تعليق وحدة الدراسات الإيرانية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية:

  • من المرجح أن ملف أمن البحر الأحمر سيكون على أجندة أولويات الولايات المتحدة في مباحثاتها مع مصر والسعودية بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة. 
  • تحرص إيران والحوثيين على استخدام أمن البحر الأحمر كورقة ضغط ومساومة للتفاوض سواء من جانب الحوثيين في ملف اليمن أو إيران، حيث يسعى كلا منهما لفرض وجوده كقوة مؤثرة في البحر الأحمر. كما أن إيران تستهدف من خلال الاستراتيجية العسكرية التي وضعتها حتى عام 2025 أن لنشر قواتها البحرية بسرعة وكفاءة في كلا من مضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق ملقا الآسيوي.
  • مع الخطوات الجارية حتى لو كانت غير سريعة للانفتاح بين القاهرة وطهران، ستسعى إيران إلى أخذ الشواغل المصرية فيما يخص أمن البحر الأحمر في حساباتها، خاصة وأن أي تصعيد وتوترات في جنوب البحر الأحمر وباب المندب له تأثير مباشر على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لمصر. 
  • من المؤكد أن استخدام طهران لحرب غزة الأخيرة وتوظيفها لفواعلها في العراق ولبنان وسوريا واليمن، سيستمر بعد انتهاء حرب غزة، عبر استخدامهم كأوراق تضغط بها على مصالح أمريكا في المنطقة ومع حلفائها وشركائها الإقليميين. 
  • هناك إقرار من الإعلام والصحافة الإيرانية بمدى تأثير تحركات الحوثيين وتهديدهم للملاحة في البحر الأحمر على مصالح مصر والسعودية، وأن ذلك ما عزز من الاتصالات المشتركة لضمان عدم التصعيد. 
+ posts

باحث بالمرصد المصري

علي عاطف

باحث بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى