المركز المصري في الإعلام

دكتور عبد المنعم سعيد: يجب على مصر أن تتواصل مع الجميع لأنها تمتلك عدة أوراق وإمكانات في الشرق الأوسط.. والعلاقات مع أوروبا ستصبح أكثر قربًا في المستقبل

أجرت صحيفة “صوت الأمة”، حوارًا صحفيًا مع الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس الهيئة الاستشارية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، حول توقعات المشهد الإقليمي والدولي خلال عام 2024 في ضوء التطورات المتسارعة التي تشدها عدة مناطق في العالم وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وكيفية تعامل السياسة الخارجية المصرية مع هذه الأزمات وغيرها من الملفات المهمة. 

وإلى نص الحوار: 

وسط تحديات إقليمية ودولية تشهدها الدولة المصرية، تبدو السياسية الخارجية اللاعب الرئيسي والأبرز في كل الأحداث والمناسبات، فثمة صراعات ونزعات مسلحة وحروب أهلية تحيق بمنطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها مصر، ومعها تكون الدبلوماسية السلاح الفعال والقوي لتحقيق المصالح العليا المباشرة للدولة.

“صوت الأمة” حاولت أن تقف على المشهد الإقليمي والدولي في 2024، والدور المصري، فكان اللقاء مع الدكتور عبد المنعم سعيد، السياسي والمفكر المصري الكبير، وعضو مجلس الشيوخ الحالي، للحديث عن علاقات مصر الخارجية ومستقبلها في عام 2024، وعن الانتخابات الرئاسية المصرية ودلالات المشاركة الكبيرة من المصريين، والدور المصري في أحداث العدوان الإسرائيلي على غزة… وغيرها من الملفات والأحداث المهمة.

بداية.. هل تؤثر الأحداث الجارية في مضيق باب المندب على المصالح المصرية؟

ستؤثر بالطبع على قناة السويس، لأن هناك سفن أعلنت عن تغيير مسارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وشركات كبرى قالت إنها قد تضطر إلى ذلك، أي استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، والأرقام التي ذكرتها قناة السويس تقول إن 55 سفينة فقط هي من عادت أدراجها، بينما نحو 2000 سفينة عبروا القناة، فدعنا ننتظر.

في المقابل شكلت الولايات المتحدة تحالف لحماية حرية الملاحة، لكن من الممكن أن يؤدي إلى حدوث اشتباكات، وأول ضرر يحدث نتيجة لذلك هو أن شركات التأمين ترفع على الفور أسعار التأمين على الحاويات، وبالتالي ترتفع أسعار المنتجات، ثم نحن لا نعرف الآلية التي يفرق بها الحوثيين بين السفن المتجهة إلى إسرائيل وغيرها من السفن المتجهة إلى أماكن أخرى.

هل من المفترض أن تشارك مصر في أي تحالف قد يتشكل في الوقت الراهن؟

مصر كانت شريك في  مجموعة أو تحالف معني بمكافحة عمليات القرصنة في  البحر الأحمر، والتي كان ينفذها تنظيم الشباب في  الصومال، وكانت تلك العمليات تهدد أيضًا الملاحة في  قناة السويس، وحتى الطريقة التي كانت تدار بها المجموعة البحرية التي تسمى المجموعة 135 كانت تحت القيادة المصرية حتى السنة الماضية، وهذا يعني بالطبع أنها تقود قطع بحرية أمريكية، وغيرها من الدول المشاركة في هذا التحالف، وأعتقد أن مصر مكتفية بهذا الأمر، لأن الفكرة هنا، أن مصر والسعودية أيضًا كذلك، لا تريد صرف الأنظار عن أحداث غزة، فطريق المواجهة مع الحوثيين سيقود إلى إيران، وبالتالي قد يحدث تصعيد إقليمي كبير، وعلى الأقل في المرحلة الأولى هذه، التركيز الجاري من الناحية المصرية، هو حسم أزمة العدوان الإسرائيلي على غزة أولًا.

هذا يعنى أن حل أزمة غزة يوقف هجمات الحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر؟

في رأيي أن أزمة الحوثيين غير مرتبطة بالأحداث الجارية في اليمن، وكل ما في الأمر أن إيران تريد استغلال أحداث غزة في استخدم أدوات تزعم أنها لصالح الفلسطينيين، وبالتالي تحقق انتصار سياسي معنوي، وإيران دولة إقليمية كبيرة، وصحيح أنها لم تطلق تجاه إسرائيل أي شيء، لكن أنصارها من الفلسطينيين ومن اللبنانيين ومن العراقيين، جميعهم مدينون لها بالأموال والتدريب والتسليح.

وما هو تصورك لعلاقة مصر مع إيران في المستقبل؟

علاقة مختلطة، ليست حميمة بالتأكيد ولا صديقة، ولن أقول أيضًا إن مصر تسعى إلى أن تكون العلاقة بينهما عدائية، على الأقل في المرحلة الراهنة.

في 2024 سنشهد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والحديث دومًا عن مرشحين عن الحزبين الديمقراطي والجمهوري، من وجهة نظرك أيهما أفضل لمصر الحزب الجمهوري أم الحزب الديمقراطي؟

مصر ستتعامل مع أمريكا وترى من يجلس على كرسي الحكم، وكل مرشح له مزايا وله وعيوب أيضًا، لكن في النهاية هناك جزءًا هيكليًا، فأنت تتحدث عن دولة عظمى، ودعنا لا ننسى أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مارسا علينا لعبة حقوق الإنسان والديمقراطية، والحكاية هذه بدأت منذ فترة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بينما بوش الأب كان صديقًا وعلاقته كانت جيدة مع الرئيس الراحل حسنى مبارك، والعلاقة بين مصر والولايات المتحدة توترت عقب زيارة كونداليزا رايس إلى القاهرة، ثم جاءت إدارة أوباما، وبعدها جاء دونالد ترامب، ورغم ما يبدو أن العلاقة كانت جيدة، لكن ترامب اتخذ قرارات في  المنطقة لم ترضَ عنها مصر، مثل موضوع ضم القدس إلى إسرائيل، وما أحدثه من تغيير في الواقع الفلسطيني الذى كان أفضل حال مما هو عليه قبل قدوم ترامب.

ومثلما لا يختار الشخص والده ووالدته، فالإنسان لا يختار العالم الذي يعيش فيه ولا الدول المجاورة، فالقصة هي أن عليك أن تتعامل مع الموجود كما هو، وتأكد أن كل شيء عبارة عن خلطة مزايا وعيوب.

القضية إننا لدينا مجموعة مصالح خاصة نرى أنها مهمة، والولايات المتحدة الأمريكية، ليست حزب ديمقراطي وجمهوري فقط هناك تقلب فيمن يحكم البيت الأبيض، بمعنى أنه كيف يفكر في مصر، هل يفكر فيها كدولة إقليمية مهمة؟

وكلمة حليف استراتيجي تستخدم كثيرًا، لكن عمليًا مصر لم تكن أبدًا حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وربما يكون المقصود بالكلمة أن العلاقة بينهما جيدة، لأن «حليف استراتيجي» تعني أن تكون مصر عضوًا في  حلف شمال الأطلنطي، وتكون هناك وثيقة كبيرة بها مواد ملزمة للطرفين، وتشرح طبيعة العلاقة بينهما، فكلمة حليف استراتيجي مجازًا تعني أن العلاقة بينهما قوية، فمصر بالنسبة لأمريكا إبان إدارة كارتر كانت قوية، فهي مع السلام وتقوده في  المنطقة، لكن عقب ذلك، كانت أمريكا ترى مصر في أوقات كثيرة على أنها بلد تتراجع وبها حالة جمود، إلى أن جاءت أزمة احتلال الكويت، أصبحت مصر مهمة جدا، بعد أن عقدت القاهرة قمة عربية واتخذت قرارات في غاية الأهمية، وكانت معادلة القصة بين القاهرة وواشنطن هو إجراء إصلاح اقتصادي جاد وقد فعلنا، وبدأ معدل النمو بين 93 و97 في الارتفاع، إلى أن جاءت بعد ذلك وزارة الجنزوري، وبدأنا في  التراجع والعودة للخلف فيما يخص الإصلاح الاقتصادي، كما نفعل دائمًا وهذه عادة مصرية أصيلة، إلى أن حل الربيع العربي وخلق حالة معينة، في  ظل وجود إدارة أوباما، الذي تصور أن هذا هو اتجاه التاريخ، مثلما أخبره مساعديه، وبالمناسبة جو بايدن حينما كان نائبًا لأوباما، وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية وقتها كانا من الفريق المعارض للربيع العربي.

إذن كيف ستدير مصر علاقتها مع أمريكا في ظل احتدام الصراع الانتخابي؟

مصر ستفعل مثلما حدث في  الانتخابات السابقة من بناء جسور مع دونالد ترامب وكان حديث الصعود، وأبقت على العلاقات التي كانت قائمة في ذلك الوقت مع الحزب الديمقراطي، وفي الوقت ذاته لم تكن بعيدة عن المرشحة السابقة هيلاري كلينتون، وكان من الممكن بناء علاقة معها، وحين فاز ترامب كان لحديثه وتصريحاته التي بدأت أثناء الحملة الانتخابية مردود إيجابي على العلاقة مع الإدارة المصرية، وهو لم يأت لزيارة لمصر، لأنه كان عنده ازدراء لكل العالم في  الحقيقة بما فيه بريطانيا، وحين ذهب لزيارة إنجلترا شاهدنا كيف تعامل مع الملكة.

ترامب كان يرى أن العالم كله عبء على أمريكا، وعليها أن تتركه، إذ كانت لديه نزعة انعزالية، أمريكا قارة وما يهمها بالكثير أمريكا الجنوبية، أي مبدأ «مونرو» إن جاز التعبير، وعلى الولايات المتحدة أن تعقد صداقات مع الدول القوية، فاستطاع حل المشكلة مع شمال كوريا الشمالية، وهي المشكلة التي لم يحاول أحد قبله أن يحلها، ثم ضم كل الشخصيات اليمينية، لأنه كان يريد خلق تكتل قائم على العنصرية، وأعتقد أن اتهامه بأنه خطر على الديمقراطية الأمريكية اتهام صحيح، ودائمًا نقول إن أمريكا دولة مؤسسات، وتلك المؤسسات خلقت حدا أدنى من التوافق ما بين الطوائف السياسية كلها.

وما حدث أن ترامب أحدث هزة كبيرة جدًا للمؤسسات الأمريكية الأساسية سواء الكونجرس أو وزارة الدفاع أو المخابرات الأمريكية، وطبعًا في الميديا، خلق حكاية «الفيك نيوز»، وكان يزدري الصحفيين، لكن في الوقت نفسه لم يستطع أن يستغني عنهم، في الحقيقة هو كان يحتكر الجميع، وكان يعتقد أن الجميع «أفاقون» ويعملون لحساب أشخاص آخرين، ويمكن القول إنه كان رجل أعمال «مجرمًا»، لديه تاريخ من العلاقات مع النساء والشركات.

الآن، تقول استطلاعات الرأي العام إن ترامب قد يفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، وبالتالي يجب أن نحضر أنفسنا ونستعد، فما يهمنا في هذه القصة وفي أي قصة هي مصلحة مصر، وبالتالي لابد من أن نرى أقصى شيء نستطيع أن نحصل عليه من ترامب أو بايدن، وأيا كان من يحكم البيت الأبيض، المفترض أن من يأتي نكون قد استعددنا له وذاكرناه جيدًا ونرى كيف كان أصله وكيف يفكر.

هناك من يتحدث عن أن الإدارة الديمقراطية ونقصد تحديدًا أوباما دعمت تيار الإسلام السياسي والإخوان، فهل هذا يعنى أن الديمقراطيين سيكونون على نفس الخط؟

الإدارة الأمريكية لم تقتنع أنه لا فرق بين الإخوان وتنظيم القاعدة، وهذا تتداخل فيه العناصر بشكل كبير، جزء منها كيف قدم الإخوان أنفسهم للغرب وواشنطن بالتحديد، فكل شخصيات الجماعة الذين اللي هاجروا وتركوا مصر أدخلوا أولادهم في  المدارس هناك، شخص مثل شادي حميد «مركز بروكنجز» على سبيل المثال، وأنا ذهبت إلى هناك مرتين، وحين تشاهد شخص متعلم في  جامعة ذات شأن ولغته الإنجليزية جيدة، القصة كلها أنهم عرفوا كيف يقدمون أنفسهم إلى واشنطن التي صدقتهم، والغريب أن من صدقهم كانوا يهود، أنهم في  الحقيقة ليبراليون ومعتدلون.

الإخوان نجحوا في هذا الخداع وهذا أول عامل مهم، ووقتها كان أوباما يرى أن البلاد أما ديمقراطية ليبرالية، أو سلطوية مستبدة، فكان هذا هو الوقت المناسب، وأريد أن أقول إن هذه القصة أو هذه الصورة كانت المنتشرة في مصر.

الإخوان كان لديهم القدرة على خداع المجتمع، لكن في رأيي أنهم بالنسبة للدولة المصرية لم يستطيعوا أن يخدعوها، والعلاقة الحاكمة بين الإسلاميين والدولة، كانت في إمكانية وجود مساحة مشتركة تجمع بينهم وبين الدولة، لكن دون أن يسيطروا على الأمور، وحين يبدأون في السيطرة نذهب بهم إلى السجن، فكان هناك علاقة ملتبسة متواجدة عبر سنوات.

إذا انتقلنا للعلاقة مع أوروبا كيف ستكون في العام الجديد؟

أرى أن العلاقات بين مصر ودول القارة العجوز، ستصبح أكثر قربًا في  المستقبل، لأن مصر أقرب إلى أوروبا من الولايات المتحدة الأمريكية وحتى روسيا أو الصين، فالعلاقة مع بلدان مثل قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا دائمًا قوية، ودومًا علاقات دول جنوب أوروبا تكون حميمة مع مصر، ونحن بدأنا في  إقامة وتربية علاقات خاصة مع ألمانيا، رغم أن ألمانيا أصبحت أكثر تطرفًا في تأييد إسرائيل بسبب العقدة القديمة والهولوكست، لكن ستجد الألمان والهولنديين والدنماركيين أكثر تعصبًا في مقاييس الديمقراطية، بمعنى أنه تقريبا يريد أن يأتي ليحكمك، حتى يتمكن من تشكيل محكمة معينة لمحاكمة علاء عبد الفتاح على سبيل المثال، وألمانيا في الوقت ذاته بلد بيزنس، وساعدت مصر في حل أزمة الكهرباء من خلال شركاتها.

إذن هل يؤثر صعود أحزاب اليمين المتطرف على العلاقة مع مصر ودول المنطقة؟

من الممكن أن يؤثر ذلك على مصر، لكن المسألة هي كيف تجعل مصر مغرية كفرص استثمارية وفرص سياحية، لأن كلمة اليمين ملتبسة أحيانًا، فاليمين قد يعني العزلة، خاصة اليمين الذي هو قضيته الأولى هو وقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين والنازحين من الجنوب، في أمريكا الميكسيكان والقادمين من أمريكا اللاتينية، وفي أوروبا القادمين من الشرق الأوسط، وفي اليابان وحتى روسيا المهاجرين القادمين من الهند، وهذا الوضع حدث بسبب العولمة، فطالما تتحدث الدول الكبيرة عن العولمة دومًا، إذن أنا كمهاجر قادم لديك لكي تجد لي فرصة عمل، وصادف هذا مع الشيخوخة المتواجدة في  أوروبا، فقررت الدول استيعاب بعض الناس.

ولكن الألمان فرضوا سيستم جيد، يقضي بتعليم المهاجر اللغة الألمانية وذهابه إلى الجامعة للتعرف على التاريخ الألماني، بمعنى «محدش يطلع من الدار للنار»، وهذا النظام سيأخذ بعض الوقت لكي نقيس مدى نجاحه، والأمريكان طوال تاريخهم لم يفعلوا هذا النظام.

وكيف سيكون مشهد العلاقات المصرية الصينية، أخذًا في الاعتبار أن بكين دومًا تظهر بمظهر المساند للقضايا العربية؟

القضايا العربية تعني عند الناس، القضية الفلسطينية، لكن لماذا لا تكون القضية العربية، هي التنمية أو الصراعات الإقليمية الأخرى، والصين مع أن يسود الهدوء العالم وألا يوجد به صراعات؛ فهي بلد خرجت من الخمول الاستراتيجي إلى الانتشار الاستراتيجي في العالم عن طريق الحزام والطريق، عن طريق أنها أكثر بلد بتنتج للعالم كله، ولا توجد دولة في العالم إلا ولديها عجز في الميزان التجاري مع الصين، وأمريكا أولى هذه الدول.

والصين تصدر إلى أمريكا بنحو 500 مليار دولار بينما تصدر أمريكا للصين بنحو 136 مليار دولار، بما يعني أن هناك فرق كبير جدًا، وعلى مدى سنوات العجز في الميزان التجاري هذا أنتج فائض كبير في الدولار لدى الصين، والقضية باتت أنه من مصلحة الصين أن يظل الدولار مرتفعًا.

والصين موقفها من القضايا العربية مواقف تقليدية «بوقية» أستطيع قول ذلك، خاصة القضية الفلسطينية وإسرائيل، بمعنى أنها لن تدفع ثمنًا حتى تحرر فلسطين، خاصة في الوقت الذي بنت فيه إسرائيل مع الصين مصلحة كبيرة في التكنولوجيا.

وعلاقتها مع مصر؟

هي علاقة جيدة دائمًا، والقصة أنه حين تعرض على الصين اتفاق تجارى جيد ستوافق على الفور، عرضت عليها إنشاء البرج الأيقوني في العاصمة الإدارية ووافقت على الفور، والآن الصين لديها أكبر مجموعة صناعية في محور قناة السويس الاقتصادي، وأنا ذهبت إلى هناك وزرت مصنع، أبهرني، ونحن نمتلك نوع من الرمال والصخر متواجد بكثرة، هم يحصلون عليه ويضعونه في  أفران تحوله إلى سائل، والسائل بعد ذلك يتحول إلى شيء يشبه الغزل والنسيج كالخيوط، ومن ثم تتم الاستعانة بها في صناعة الأبواب والأرضيات والثلاجات والنوافذ وهياكل السيارات، ويصدر في السنة بـنحو 200 مليون دولار، ويضم 1600 عامل من بينهم 14 صينيا فقط، ما يعنى أنه لدينا مصانع من تكنولوجيا متقدمة من هذا النوع.

في الحقيقة التجربة الصينية يمكن الاستفادة منها، ومن ما أسميه «الكمون الاستراتيجي»، ومعناه أنك لا تشغل بالًا بالقضايا الدولية، وهذا ما كان يحدث من الصين في  السابق، لكن الأن باتت قوة عظمى، وذلك لأن القوى الثانية التي هي أمريكا أصابها الوهن، والصين استفادت كثيرًا من التكنولوجيا الأمريكية سواء من تسريبات دول مثل إسرائيل أو سنغافورة، أو أي بلد يلتحم جديًا مع التكنولوجيا الأمريكية، ومصر لديها فرص كبيرة جدًا، ودائما أقول لا يوجد بلد غني وبلد فقير، هناك بلد يشتغل ويعمل وبلد لا يشتغل ولا يعمل، وبالمناسبة معدل الفقر في الصين أقل منه في أمريكا؛ فبحسابات البنك الدولي نسبة الفقر في  أمريكا 18% والصين 10%، وهذا يعني أننا نتحدث عن نحو 150 مليون من الفقراء من المليار والـ500 مليون في  الصين.

وفي رأيي يجب على مصر أن تتواصل مع الجميع، لأن مصر تمتلك عدة أوراق وإمكانيات في  الشرق الأوسط، فالصين على سبيل المثال ليس لديها منطقة مثل سيناء وقناة السويس، وبكين حريصة على الاستثمار في  مصر، ولديها وفرة كبيرة في الإنتاج ومن الأفضل لهم تخزينها في مصر، إلى أن تحتاجها أوروبا فيجري إرسالها لهم في وقت قصير ودون تأخير، ومصر بدأت في  إدراك ذلك، وإدراك أيضًا أن مشروعات «اللوجستيكس» باتت مسألة أساسية، وبات من المهم إنشاء الموانئ الجافة التي هي عبارة عن مخازن، وفي النهاية أرى من المهم أن تتعامل مصر مع كل الأطراف الدولية التي تحتاجها، سواء تكنولوجيا أو كسوق، والصين شريك تجارى مهم وهى من أكثر الدول التي نصدر لها.

من جانب آخر، الصين تريد تهدئة المنطقة، بسبب مصالحها الكبيرة في أن تستورد دول المنطقة والعالم بضائعها، وكل شيء في مصر يبدأ من الاعتماد على نفسها، بمعنى أن نعتمد على مصر والمصريين نفسهم، عبر استغلال الطاقات المتواجدة والمتوفرة لدينا، وهو وأكثر شيء يجعل العالم يرغب بشدة في إقامة علاقات معك.. لأن السوق المصري كبير نسبيًا، صحيح أنه ليس مثل الصين والهند، لكنه بالتأكيد أفضل من دول زي البحرين ودول الخليج.

وماذا عن العلاقات مع روسيا الاتحادية؟

السؤال المهم هنا: ماذا نريد بالتحديد من روسيا؟ ولماذا نريد أن تكون روسيا موجودة في الشرق الأوسط؟ 

مصر ما زالت لديها أسلحة روسية، وبالتالي يجب أن أحافظ على العلاقة مع موسكو، ثانيًا تربطنا علاقة تجارية لا بأس بها مع روسيا، وأنا كمصر أريد أكبر جزء ممكن في العالم أصدر لها وأكبر جزء من العالم استورد منه احتياجاتي، وروسيا ليست بلد صغيرة إلى جانب هم لديهم منطقية صناعية في قناة السويس على غرار الصينين، لكن ليست بالنشاط والحيوية التي عليها المنطقة الصينية، وأنا من مصلحتي أن أحافظ على العلاقة مع الروس.

إذا تحدثنا عن تركيا التي اتسمت العلاقة معها بالدفء العام الماضي، كيف ترى مستقبل هذه العلاقة؟

أعتقد أن العلاقة ستكون أفضل، وما هي مصلحتنا المشتركة؟ نحن لدينا مصالح اقتصادية وتجارية لا بأس بها، لكن نحتاج لاتفاق على ليبيا وعلى الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وأعتقد أن الأتراك لديهم فهم إنه بعد فترة قطعية والإدراك أنه لإنشاء نظام أمن إقليمي مستقر، ستحتاج فيه إلى مصر بالأساس، وتحتاج تركيا والسعودية وحتى ستحتاج إيران، وأردوغان كان يرتدى قميص فلسطين ثم ما أن لبث وعاد إلى إسرائيل سريعًا، لكن حين بدأت فظاعات إسرائيل أصدر بيانات قوية جدًا، وهو عضو في  حلف الأطلنطي، والحلف بجميع دوله يدعم إسرائيل قلبًا وقالبًا، لكنه قبل أن يبقى مغترب في  وسط القارة الأوروبية، لأن الضغوط الشعبية كانت كبيرة جدًا، ولا أعتقد أن تركيا تمول حماس ونحتاج دليل قوي لترديد مثل هذا الحديث.

ومصر تدافع عن الفلسطينيين في موضوع الإغاثة وتركيا كان لها دور كبير أيضًا في هذا الشأن، وكثير من الفلسطينيين يريدون توريط مصر في حرب مع إسرائيل بسبب الأحداث، لكن نحن عندنا إزاي تمنع عملية التهديد القسري، إنك تضرب من يدفعهم، بينما نحن نريد عمل ميزان لا يحدث فيه اشتباك عسكري، ومهمة مصر الأساسية لمنع التهجير القصرى هو الإغاثة، وهي تتم بانتظام والعالم العربي يقدم إغاثات كبيرة، والقضية كيف تدخل هذه المساعدات للداخل الغزاوي، ولا أستبعد أن يزور الرئيس التركي مصر في القريب العاجل، ونحن وهم لسنا في احتياج لبعضنا، لكن لدينا مصالح معهم، هناك ميزان تجاري لصالحهم، وأعتقد أن البلدين تجاوزا قضية دعم تنظيم الإخوان، بعد الإجراءات التي اتخذتها تركيا من طرد العناصر وإجبارهم على الذهاب إلى ماليزيا وبريطانيا، وهي لا تمول الأن تلك العناصر.

لكن يبقى الموقف من ليبيا الأكثر تعقيدًا، لأن دورهم في ليبيا مرتبط بدورهم في سوريا، وسوريا مرتبطة بقضية خاصة بالأمن التركي، وهي قضية الأكراد. وأريد القول إن السياسية الخارجية المصرية لا تترك صخرًا إلا ونظرت أسفله، فنحن من مصلحتنا أن نبقى على علاقة جيدة مع الإيرانيين والأتراك والإسرائيليين، وفي رأيي حل هذه المذبحة الجارية في غزة تطلب حديث مباشر مع إسرائيل.

إذن هل يمكن تحقيق وبناء سلام حقيقي مع إسرائيل؟

أنا لا أثق في أي أحد سوى مصر، ولكن القضية إنك تحتاج لكي تحل مشكلتك، أن تعزل تيار التطرف داخل إسرائيل الذي بدأ يكون متوحش، ولن يكون متوحشًا ضد الفلسطينيين فقط، لكن سيصبح هكذا ضد مصر وضد السعودية، وضد «الأغيار» بالنسبة لهم، وهذا التيار لكي تعزله تحتاج أن تتحدث مع الأطراف الأخرى، ولدينا هنا تيار يرفض قطعًا التحدث مع أي طرف، إذن كيف تحل القضية الفلسطينية، بالمقاومة؟ بمعنى أن نظل في قضية الحرب ضرب ومضروب وهكذا للأبد، لا بد من تنفيذ عملية استيعاب ديموغرافي لإسرائيل.

في  رأى يجب إنهاء أزمة أحداث غزة أولًا، ولن ننهي تلك الأزمة سوى بعد أن ينظم الإسرائيليين اليهود مظاهرات ومسيرات تطالب بإحلال السلام، مثلما حدث إبان فترة الرئيس السادات في عام 1977، وأن يكون السلام جزء من أولوياتهم، ويكون في المقابل موقفهم من المستوطنين مثل موقف المصريين من الإخوان هنا في مصر، وبالمناسبة لديهم هذه الآراء في إسرائيل، أولًا لدينا بضاعة مهمة جدًا هناك، هي 2.1 مليون فلسطيني داخل إسرائيل، يجب أن يجمعهم حزب واحد، حتى يتمكنوا من حصد ما لا يقل عن 18 مقعدًا في  البرلمان، وبهذه الطريقة يمكن أن يكون ليك دور مهم وفعال في السياسية الإسرائيلية.

وأولى الخطوات التي يجب حدوثها الآن هي وقف إطلاق نار، لكن لحدوث ذلك ومن ثم محادثات سلام قائمة على حل الدولتين، يجب تشكيل قيادة فلسطينية جاهزة ولديها القدرة على مخاطبة العالم مثل سلام فياض، ومروان البرغوثي لو تمكنا من إخراجه، فنحن نحتاج نخبة جديدة تقود الجانب الفلسطيني وتقود غزة والضفة الغربية مع بعض كسلطة واحدة، وسوف تطيح بنتانياهو واليمين المتواجد في الوقت الراهن، ودعنا لا ننسى أن إسرائيل لأول مرة في النزعات يصبح لديها لاجئين ونازحين من مناطق غلاف غزة ومن المناطق الشرقية.

هل يفيد الانضمام إلى تحالف بريكس الاقتصاد المصري؟

المشكلة الرئيسية في هذه المرحلة من تاريخ الأمة المصرية، أن يكون لدينا ونمتلك البضائع، فنحن ليس لدينا أي مشكلة في تصريف البضائع، وباختصار لو أنت أنتجت البضائع وأصبحت تمتلك نظام إنتاجي قوي، حينها سيكون الانضمام لتحالف البريكس مهم جدًا، لأنه في هذه الحالة أنت تقتحم وتفتح أسواق جديدة للمنتجات والبضائع المصرية.

ماذا تحب أن تقول للرئيس السيسي بعد إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية؟

أقول له موعدنا يا سيدي الرئيس في عام 2030 لتستكمل البرنامج الوطني الذي بدأت به وتنهيه.

نقلًا عن صحيفة “صوت الأمة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى