
هل تُنهي المفاوضات النووية “التقارب الاضطراري” بين إيران وتركيا؟
شهدت العلاقات الإيرانية التركية تحسناً ملموساً على أصعدة مختلفة خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، على المستويات الاقتصادية والسياسية، وذلك بعد اضطرابها خلال فترة حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان هذا التوترُ المُشار إليه في العلاقات الإيرانية التركية خلال عهد أوباما نابعاً في أغلب الأحيان من رغبة الطرفين في تقاسم النفوذ الإقليمي وتزامنها مع بداية فترة الفراغات الأمنية التي انتشرت في عدة بلدان بالشرق الأوسط خلال عام 2011، كما أن الأوضاع الاقتصادية المحلية في إيران آنذاك لم تكن بحجم هذا التدهور الذي تشهده الآن، أي أن حاجة طهران لمنفذ اقتصادي آنذاك لم تكن ملحة مثلما أصبحت عليه في السنوات الأخيرة.
أما التحسن الذي شهدته علاقات الطرفين خلال عهد ترامب، فقد كان مدفوعاً بعدة عواملَ شجعت طهران وأنقرة على تحقيق مزيدٍ من التقارب الاقتصادي والسياسي والأمني وصل إلى حد تسليم أنقرة عدداً من المعارضين الإيرانيين على أراضيها كان من بينهم الرئيس السابق لـ”حركة النضال العربي لتحرير الأحواز”، حبيب أسيود، التي تصنفها طهران كحركة إرهابية. وقادت العقوبات الاقتصادية على إيران والتوتر المتزايد والحاد الذي شهدته علاقات طهران بواشنطن والأخيرة بأنقرة، فضلاً عن الحاجة التركية للطاقة الإيرانية، البلدين لتحقيق المزيد من التقارب خلال سنوات حكم الرئيس الأمريكي السابق.
ومع تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن ودخوله البيت الأبيض في 20 يناير الماضي واعتماد إدارته لأساليب جديدة في التعامل مع كلٍ من إيران وتركيا، يُتوقع أن تشهد علاقات طهران وأنقرة تغيراً ملحوظاً نظراً لاختلاف منهج بايدن في التعامل مع الطرفين، ما سينتج عنه تضاؤل قيمة وأهمية الدوافع التي قادت الطرفين لتحسين علاقاتهما خلال الفترة الماضية، باستثناء بعض الأحداث التي نتجت عنها توترات.
لماذا تحسنت علاقات طهران وأنقرة خلال عهد إدارة ترامب؟
أدى أسلوب إدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب في التعامل مع إيران على وجه الخصوص إلى محاولة الأخيرة التقرب من تركيا، فقد دفعت حزم العقوبات الاقتصادية المتتالية بشكل رئيس، والتي فُرضت على القطاع النفطي والمصرفي وغيرهما في إيران، إلى بحث طهران عن منفذ لها لبيع النفط والدخول إلى السوق المصرفي الدولي، وكانت إحدى الطرق الرئيسة عن طريق الأراضي التركية.
فتركيا لم تُظهر امتثالاً للعقوبات الأمريكية على إيران منذ بدايتها واستمرت في استيراد النفط والغاز الإيرانيين وحاولت إيران من جانبها الالتفاف على هذه العقوبات من خلال التعامل مع مؤسسات حكومية تركية كان من أبرزها بنك “خلق” الذي وجّه الادعاء العام الأمريكي في أكتوبر 2019 ست تهم إليه ترتبط بالتهرب من العقوبات الأمريكية المعمول بها على طهران بمبالغ تصل إلى مليارات الدولارات، كان من بينها غسيل الأموال لعائدات النفط الإيراني وُجِّهت أصابعُ الاتهام فيها إلى مسؤولين حكوميين أتراك.
وقد علّق آنذاك مساعدُ المدعي العام للأمن القومي الأمريكي “جون سي ديمرز” على هذه التهم قائلاً “تآمر بنك خلق التركي لتقويض نظام العقوبات الأمريكية من خلال منح إيران إمكانية الوصول لأموال بمليارات الدولارات“، مشيراً إلى أن ما قام به بنك خلق التركي يمثل “انتهاكاً خطيراً للعقوبات المفروضة على إيران ويهدد أمننا القومي“.(*)
ولم يكن ملف العلاقات الاقتصادية العلنية المشتركة ببعيد عن استمرار التقارب خلال عهد إدارة ترامب، فتركيا تعتمد على إيران في استيراد النفط ومنتجاته والغاز بشكل رئيس وتحاول خفض تكاليف استيراده من دول أخرى بعيدة عنها جغرافياً مثل روسيا أو أذربيجان، كما أنها تصدر إليها مواداً مثل الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية والحديد والصلب والملابس والمنسوجات وقطع غيار المركبات وسلعاً أخرى مثل التبغ والورق والمواد البلاستيكية.
وزادت الحاجة الإيرانية إلى تصدير واستيراد سلع من تركيا في ظل فرض المزيد من العقوبات عليها؛ ذلك لأنه ليس بإمكان إيران استيراد مثيلاتها من دول أخرى.
ومن ناحية أخرى، جاءت رغبة الطرف الإيراني والتركي في الجلوس سوياً من أجل التنسيق بشأن بعض القضايا الإقليمية، مثل الأزمة السورية والعراقية، كإحدى الدوافع الأخرى للتقارب خلال عهد ترامب، إذ بدأت حلول الأزمة السورية تتبلور خلال هذه الفترة. ولهذا الغرض، التقى الجانبان مراتٍ كثيرة خلال السنوات الأربع الماضية للحديث بشأن الأزمة السورية ومسارها؛ ذلك لأن الطرفين منخرطان بشكل رئيس بها.
ولا تزال هذه المشكلات الإقليمية تدفع الطرفين للجلوس سوياً على طاولة الحوار، وكان آخرها زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى إسطنبول يوم الجمعة 19 مارس 2021 ولقاءه مع نظيره التركي مولود تشاوش أوغلو والتي صرّحت وزارة الخارجية التركية إثرها أن دبلوماسيي الطرفين “بحثا العلاقات الثنائية وسوريا ومكافحة الإرهاب وأفغانستان”، كما أفادت وزارة الخارجية الإيرانية أنهما ناقشا “سبل تنمية العلاقات التجارية بين البلدين”.(*)
وجاءت التوترات العميقة المستمرة في علاقات واشنطن بطهران خلال عهد إدارة ترامب والاضطرابات الأخرى مع تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان، كإحدى العوامل التي ساعدت على إحداث تقارب في العلاقات بين طهران وأنقرة بالإضافة إلى اضطراب علاقات البلدين بالأساس بعدد آخر من الدول الأوروبية؛ كما أن اتخاذ النظام الحاكم في كلا الدولتين، إيران وتركيا، من المذهب أداة له في تنفيذ سياسته الخارجية، على الرغم من اختلاف المذاهب الدينية في كليهما، دفع “النظامين” في النهاية إلى تحقيق المزيد من التقارب فيما يمكن تسميته بـ “التقارب الاضطراري”.
ومثّلت هذه العناصر الخمسة سالفة الذكر، خاصة مسألة تراكم العقوبات على طهران إبان عهد ترامب، محفزات للتقارب الإيراني التركي خلال الفترة الماضية. ولكن على الرغم من كل ذلك، فقد ظلت عوامل توتر علاقات البلدين مستمرة؛ بسبب التنافس الإقليمي ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن آيضاً في القوقاز، كما أن تشابه النظامين من جانب توظيف الدين لأغراض سياسية على الرغم من كونه سبباً للتنافس إقليمياً إلا أنه كان عامل تقارب بين النظامين آيضاً على المستوى الدولي.
وفي ظل توقعات قوية بإجراء مفاوضات تتعلق بالاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، وما ستتطرق إليه هذه المفاوضات من قضايا أخرى مهمة كالأنشطة العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط وصواريخ طهران الباليستية، من المرجح أن تطرأ تغييراتٌ على عددٍ من عوامل ومحفزات التقارب الإيراني التركي خلال الفترة السابقة، أهمها في ملف العقوبات والتوترات الإيرانية الأمريكية، ما سيلقي بظلاله حتماً على طبيعة العلاقات المستقبلية الإيرانية التركية.
المفاوضات النووية الإيرانية مع واشنطن وانحلال بعض دوافع التقارب الإيراني التركي
إذا كانت العوامل والتطورات الإقليمية والدولية سالفة الذكر التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية قد دفعت إيران وتركيا إلى تحقيق نوعٍ من التقارب “لا يمكن وصفه بأي حال بالتحالف”، فإن هذه العوامل من المتوقع أن تشهد تغييرات خلال السنوات المقبلة؛ نظراً للتحول الإيجابي (بشكل ما) الملموس “وغير الجذري” المتوقع في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران وكذلك للتوتر المتوقع في العلاقات والذي ظهرت بوادره مؤخراً بين واشنطن وأنقرة، وذلك على النحو التالي:
المفاوضات النووية الإيرانية وانحلال “التقارب الاضطراري” بين طهران وأنقرة
من الأيام الأولى لها، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي بايدن نيتها إعادة التفاوض فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه عام 2015. وقد أبدت إيران هي الأخرى رغبتها في هذا التفاوض. ويكمن الهدف الإيراني من الانخراط في هذه المفاوضات بالأساس في رغبتها تحقيق انفراجة اقتصادية محلياً؛ بعد الأزمات الحادة اقتصادياً التي تشهدها خاصة خلال السنوات الماضية.
فعلى سبيل المثال، أظهرت إحصائيات صندوق النقد الدولي مؤخراً أن إيران لديها أعلى معدل تضخم بين مختلف دول العالم، وأن السنة الفارسية 1400، التي بدأت في 21 مارس 2021، ستشهد أعلى معدل تضخم في العالم.(*)
ويخشى النظام الإيراني الحالي كثيراً من حدوث انفجار مجتمعي محلي قوي، جرّاء الكساد الاقتصادي العنيف، ربما يطيح بالنظام نفسه. وقد ظهرت بوادر هذا الانفجار خلال التظاهرات الواسعة في السنوات الأخيرة مثل تلك التي وقعت عام 2017. وتاريخياً، فبرغم التقدم الاقتصادي والمجتمعي الذي أحدثه الشاه محمد رضا بهلوي (حكم خلال 1941-1979)، إلا أن غضب بعض التجار الأثرياء ذوي النفوذ المحليين في إيران من سياساته مثّل أحد أهم عوامل إشعال الثورة ضده، كما لا يخفى أن التراجع الاقتصادي في أواخر عهده كانت له آثار كبيرة في إثارة المواطنين ضده.
وبالطبع، يُعد التدهور الاقتصادي الإيراني في الوقت الحالي أكبر بكثير عند مقارنته بما كان في عهد الشاه. ويدرك النظام الإيراني الحالي هذا الأمر جيداً، ولذا فإنه يسارع إلى تحقيق هذه الانفراجة المُشار إليها، ولا سبيل إلى تحقيقها من دون المفاوضات النووية. فالمفاوضات النووية من المرجح أن ينتج عنها إفراج عن الأرصدة المالية الدولارية الإيرانية في الخارج، مثل تلك المجمدة في كوريا الجنوبية والتي أكدت الأخيرة أنه لن يتم الإفراج عنها من دون التشاور مع الولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن ينتج عن هذه المفاوضات رفعٌ جزئي للعقوبات المفروضة على النظام الإيراني في المجال الاقتصادي والمصرفي الدولي، ما يعني إمكان الشركات الاقتصادية الدولية، الأوروبية والصينية، العودة للسوق الإيراني الذي خرجت منه في عام 2018 بعد حزم العقوبات المتتالية التي أعلن عنها الرئيس السابق ترامب، كما يجب التأكيد على أن عودة تصدير النفط بشكل هائل و”رسمي” سيكون مكسباً جوهرياً من مكاسب الاتفاق النووي لأيران.
وإجمالاً، سيقود رفع العقوبات وما سيتبعه كما تمت الإشارة إليه، وتنفيذ الاتفاقية الصينية الإيرانية التي تبلغ مدتها 25 عاماً وتم التوصل إليها عام 2020 وما تحمله من إمكان تمهيد الطريق لاستثمارات بأكثرَ من 400 مليار دولار في البنى التحتية وقطاع الطاقة داخل إيران،(*) إلى تعزيز الاقتصاد الإيراني محلياً وخارجياً وتراجع معدل عدم الرضاء المحلي عن النظام في طهران.
وعليه، سيحرم تعزيز الاقتصاد الإيراني محلياً، في إطار رفع العقوبات، تركيا من دافع مهم كان وراء تقارب علاقاتها مع إيران، ويبدو أن أنقرة هي التي ستصبح بحاجة إلى هذا التقارب خلال الأيام المقبلة في عهد إدارة بايدن. وعلى أي حال، لن تكون إيران بحاجة إلى تركيا للمساعدة في تهريب النفط أو الالتفاف على نظام العقوبات الدولي بوجه عام، ما سيمثل عاملاً مساهماً في تراجع أهمية “التقارب الاضطراري”.
عودة الدور الإيراني في الإقليم يشعل المنافسة
ومع رفع العقوبات وتعزيز الحركة الاقتصادية الإيرانية، من المتوقع أن يثير هذا شهية إيران لتوسيع نطاق أنشطتها العسكرية وعودتها إلى ما كانت عليه قبل سنوات حكم ترامب.
ومع أن هذه العملية تحكمها متغيرات أخرى دولية وإقليمية مهمة إلى جانب نظيرتها المحلية في إيران، إلا أن عودة توسع النشاط الإيراني إقليمياً إلى جانب التحركات التركية في عددٍ من بلدان المنطقة، وأهمها سوريا والعراق إلى جانب أزمة إقليم قرة باخ، سيُزيد حتماً من التوترات بين البلدين وسيكون عاملاً سياسياً مساهماً في تدهور علاقاتهما.
انقضاء بعض أهم دوافع التقارب المرحلي لن تُنهي التعاون الإستراتيجي
على الرغم من أن المفاوضات النووية بشكل عام سوف ينتج عنها انحلال بعض دوافع التقارب التركي الإيراني في الفترة الماضية، إلا أن محفزات التعاون الإستراتيجي بين البلدين، أو على الأقل النظامين الحاليين، لن تنقضي للأسباب الآتية:
- حاجة البلدين إلى التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والسياحي الرسمي سوف تدفعهما دوماً إلى عدم الدخول في صراعاتً أكبرَ أو توتر خطير.
- حالة العداء التي يتسم بها كلا النظامين، الإيراني والتركي، تجاه بعض الدول في الإقليم والعالم سوف تدفعهما باستمرار إلى التعاون بشكل إستراتيجي بغض النظر عن مدى الاختلاف على القضايا الأخرى.
- الحاجة إلى التنسيق بشأن بعض الملفات الإقليمية، التي يتنازعان عليها بالأساس، ستدفعهما إلى مواصلة التعاون والحوار السياسي. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن مسألة الأزمة السورية والعراقية “ككل” ليست هي الأهم بالنسبة للبلدين، بل إن قضايا مثل ملف الأكراد يشكل هاجساً أمنياً قوياً يدفع البلدين باستمرار إلى التنسيق المشترك.
وإلى جانب هذه النقاط، يُتوقع أن ينتج عن حدوث اضطرب في علاقات تركيا تحت رئاسة أردوغان بإدارة بايدن في واشنطن، محاولة أنقرة هذه المرة التقارب مع إيران على النقيض من الماضي. أما إذا حدث تأزم مستقبلي في العلاقات بين أنقرة وطهران من جانب وواشنطن من جانب آخرّ، فإن التقارب بين الجارتين لن يتأثر كثيراً، ولذا فإن مستقبل علاقات الولايات المتحدة بهاتين الدولتين سيؤثر حتماً على علاقاتهما ببعضهما البعض (إيران وتركيا).
وختاماً،
إن كانت ما سبق مؤشراتٍ على احتمالية عودة التوتر بشكل أوسع في العلاقات الإيرانية التركية خلال الأيام المقبلة، فإن كل هذا سيكون مرهوناً بالعديد من العوامل الإقليمية والدولية، وحتى المحلية الأخرى في كلا البلدين. وينبغي التأكيد على أنه في ظل وجود التقارب المُشار إليه، فإن البلدين لم ينسيا أبداً العداء التاريخي متعدد الأسباب بينهما، حيث كانت العلاقات بينهما تشهد توتراً متصاعداً من حينٍ لآخر.
وأخيراً، فإن انقضاء بعض دوافع التقارب المرحلي في علاقات البلدين، لن يكون هو نفسه دافعاً لتفكيك التعاون الاستراتيجي.
باحث بالمرصد المصري



