مصر

احترافية تعامل مصر مع ملف إجلاء رعاياها من السودان وانعكاساتها على الثقة الدولية

تعاملت مصر باحترافية في إدارة ملف إعادة الجالية المصرية من السودان التي يزيد عددها على 10 آلاف مواطن، هذا بجانب اعتبارها الدولة الأولى التي استطاعت في أول أيام الاشتباكات النزول بطائراتها العسكرية في الخرطوم لإجلاء قواتها التي كانت تشارك في التدريب المشترك مع القوات المسلحة السودانية. انعكس ذلك على الصورة المصرية واعتماد العديد من الدول الأجنبية على السلطات المصرية في استقبال رعاياهم، فكانت مصر “البوابة الآمنة” للمصريين العائدين واستقبال الأشقاء السودانيين والرعايا الأجانب، في ضوء الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها السودان، والتنسيق الفعال بين مصر والسلطات السودانية من ناحية وتشكيل خلية الأزمة المتناغمة للتعامل مع الملف من ناحية أخرى؛ فكيف تدير مصر هذا الملف وكيف انعكس ذلك على الثقة الدولية؟ 

القيادة السياسية وتناغم أجهزة الدولة

شهدت الأزمة السودانية تطورات في الأوضاع الإنسانية، انعكست على ترتيب إدارة مصر لملف عودة المصريين من الخارج، والتي تمثلت في التالي: 

– أول طائرة مصرية بعد غلق المجال الجوي السوداني:

شهد اليوم الأول للأزمة السودانية في 15 أبريل الحالي أنباءً حول وجود قوات مصرية في قاعدة مروي السودانية أوضحت الدولة المصرية أنها قوات مشاركة ضمن برتوكول التدريب المشترك المنعقد بين البلدين (نسور النيل). ومع الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع –قبل إعلانها ميلشيا من قبل قائد القوات المسلحة والمخابرات السودانية– على عدد من المناطق الحيوية والتي بدأت هجومها على قاعدة مروي، تفاعلت الدولة المصرية بشكل سريع مع الواقعة، وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لدراسة الأوضاع الأمنية ووضع خطة دقيقة ومحكمة للتعامل مع الأوضاع في السودان، عبر التنسيق الجيد بين الدولة المصرية والأطراف السودانية؛ لضمان عمل ممرات آمنة للحفاظ على المصريين في ظل تصاعد الموقف، مع التأكيد على العقيدة المصرية في عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية لخصوصية الدول في إدارة ملفاتها، وأن التعامل يتم من خلال التعاون والوساطة لنهج دور إيجابي في استعادة الاستقرار.

فقامت الدولة المصرية بكافة  التنسيقات مع جهات الاختصاص المختلفة بدولة السودان لتأمين عودة كافة عناصر القوات المسلحة المصرية إلى أرض الوطن بسلام، من خلال التنسيق الواسع مع جهاز المخابرات العامة والمخابرات الحربية والقوات المسلحة بتوجيهات رئاسية. فاستطاعت القاهرة أن توفر الممر الآمن لهبوط ٣ طائرات نقل عسكرية لتأمين شامل لعملية إخلاء القوات المصرية والإقلاع من مطار مروي إلى القاهرة، وعلى متنهم 177 جنديًا مصريًا، تبعها وصول 27 آخرين بعد تأمين وصولهم إلى مقر سفارة القاهرة بالخرطوم، في عملية معلوماتية وتنسيقية دقيقة لضمان سلامة الجنود المصريين. 

– مصر الممر الآمن لعودة الجاليات المصرية وعبور رعايا الدولة: 

تشكيل خلية الأزمة: سخرت الدولة المصرية أدواتها لتنفيذ عمليات دقيقة لعودة أبنائها من السودان، وهو أمر معهود للدولة المصرية كما حدث في دول مثل ليبيا وأفغانستان وأوكرانيا والصين، فشكلت مصر خلية لإدارة ملف عودة المصريين العالقين في السودان، والذين يبلغ عددهم وفقًا لبيان وزارة الخارجية أكثر من 10 آلاف مواطن. وتكونت الخلية من “جهاز المخابرات العامة ووزارات الدفاع والداخلية والخارجية والهجرة”، بمتابعة مباشرة من الرئيس السيسي الذي تُرفع إليه بشكل مستمر تقارير دورية عن الموقف على الأرض وأمن وسلامة المواطنين العائدين.

العقيدة المصرية: تتمثل العقيدة المصرية في إدارة الأزمة في عدم الخروج الدبلوماسي إلا بعد التأكد من خروج آخر مواطن مصري من على أرض السودان، وهو ما اختلف مع موقف العديد من الدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى التي أجلت دبلوماسييها وأغلقت سفاراتها. فيما جاء الموقف المصري راسخًا وثابتًا في تحقيق الأمن والتعاون مع الدول الشقيقة، مما أعطى صورة إيجابية للمجتمع الدولي للتعاون مع الدولة المصرية لخروج رعاياهم، وحتى مع الإعلان عن وفاة مساعد الملحق الإداري بالسفارة المصرية أثناء توجهه لاستكمال عمله بإجلاء المصريين، أكدت الدولة المصرية على استمرار السفارة المصرية في عملها بالتواصل مع أبناء الجالية المصرية وضمان خروجهم آمنين. 

إعادة التمركز: بدأت الدولة المصرية في تخصيص أرقام للتواصل بين القنصليتين المصريتين في وادي حلفا وبورسودان من ناحية والمواطنين المصريين في السودان من ناحية أخرى، مع دعوة المصريين الموجودين في الخرطوم إلى التزامهم بأماكن وجودهم للحفاظ على أرواحهم والتواصل مع أرقام السفارة في الخرطوم. وفي ظل المتابعة المستمرة للأوضاع الأمنية في السودان وتغير مناطق الاشتباكات، قامت السفارة المصرية في الخرطوم بإعادة التمركز في منطقة آمنة؛ للحفاظ على سلامة أعضاء البعثة الدبلوماسية وتوفير بيئة آمنة لاستكمال عملهم الإنساني.

الجسر الجوي والبري لعودة الرعايا: استقبل معبر أرقين الحدودي مع السودان ومطار شرق القاهرة حتى مساء الأربعاء الموافق 26 أبريل 2023 نحو ٢٦٧٩ مواطنًا مصريًا. وأدى النجاح المصري في توفير الممرات الآمنة إلى تنسيق عدد من دول العالم والإقليم مع الجانب المصري لاستقبال رعاياهم عبر معبري قسطل وأرقين البريين أو عبر الجسر الجوي، ومن هذه الدول: إيطاليا، وكندا، والصين، وتونس، ولبنان، وفلسطين.

ثقة دولية وإقليمية في الدولة المصرية

فتحت مصر بوابة الدخول للعائدين من السودان في ظل الأوضاع الإنسانية المتأزمة مع اندلاع الأزمة في السودان. وفي ظل الدور المصري الفعال في التنسيق مع الأطراف السودانية الداخلية وخلية الأزمة المصرية، لجأ العديد من الدول إلى التواصل مع الجانب المصري لاستقبال رعاياهم، إلى جانب الإشادة بالدور المصري في استقبال كافة رعايا الدول في ظل مشاعر الأخوة والصداقة مع الدولة المصرية، وتمثلت في التالي: 

التنسيق على مستوى القيادة السياسية ووزراء الخارجية: استقبل الرئيس السيسي عددًا من الاتصالات الهاتفية للتنسيق بشأن استقبال مصر لرعايا تلك الدول ومنهم رئيس الوزراء البريطاني “ريشي سوناك، والذي وصف مصر بأنها “أهم دول الجوار الفاعلة للسودان”، والتنسيق مع إيطاليا لإجلاء 19 مواطن إيطالي وصولًا إلى الغردقة وفقًا لتصريحات الخارجية الإيطالية، وتنسيق وزير الخارجية الهولندي فوبكه هويكسترا مع نظيره المصري سامح شكري من أجل الإسهام في توفير الحماية للرعايا الهولنديين الموجودين في السودان، وإعلان المتحدث باسم الخارجية الصينية “ماو نينغ” أنه تم إجلاء الدفعة الأولى من الموظفين الصينيين بأمان إلى الدول المجاورة للسودان وبمقدمتها مصر، بجانب التحالف مع جنوب إفريقيا لإجلاء رعاياها واستقبالهم من قبل سفارة جنوب إفريقيا في مصر وتسهيل دخولهم، وتقدم رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف بالشكر للسلطات المصرية وكذلك السعودية والتركية لدورهم في إجلاء الرعايا الباكستانيين من السودان ووصول نحو 427 باكستانيًا عبر رحلات جوية خاصة.

إشادات دولية: شهدت جلسة مجلس الأمن حول الأوضاع في السودان عدة إشادات باستقبال الدولة المصرية للرعايا الأجانب، وتأثير الأزمة السودانية على دول الجوار، وهو ما ظهر في كلمات ممثلي دول “الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا الإتحادية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والصين واليابان، وممثلي منظمات الإغاثة الإنسانية في السودان” في ظل الدور الذي لعبته القاهرة في استضافة العائدين، سواء من الدول الأجنبية أو استقبال المواطنين السودانيين الفارين من تردي الأوضاع الإنسانية في بلادهم. وتلقى الرئيس السيسي كذلك اتصالًا من السيد “شارل ميشيل”، رئيس المجلس الأوروبي، والذي أعرب فيه عن أهمية الدور المصري في الأزمة السودانية في ظل القلق الدولي من الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية المتدهورة، وتأثيرها على المدنيين والجاليات الأجنبية. 

المدن المصرية تستقبل السودانيين: قامت وسائل الإعلام العربية الأجنبية بنشر تقارير حول استقبال القرى المصرية للمواطنين السودانيين، فنشرت فيديو “للبلوجر” “خديجة” والتي تشرح الوضع الإنساني في السودان واستقبال المصريين لأشقائهم، وكذلك في تقرير بعنوان بـ”البيوت المفتوحة”.. قصة قرية مصرية تقدم العون للسودانيين”، حيث استقبلت قرية وادي كركر النوبية، السودانيين القادمين من معبر أرقين الحدودي، وسط محاولات الأهالي لتخفيف معاناة الأشقاء، كما نشر موقع “الجزيرة” تقريرًا حول ترحيب المصريين بالأشقاء السودانيين بعنوان “أهلًا بأشقاء الوادي”، بجانب إلقاء الضوء على الحملات المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي للترحيب بالأشقاء السودانيين. 

وهو ما يؤكد الدور الذي لعبته الدولة المصرية، وروح الشعب المصري المضياف في استقبال وفح الأبواب أمام من يطلب الدخول، وهو ما يعطي رسائل مفادها أن مصر صمام أمان الإقليم، ولن تألو جهدًا في تحقيق الأمن والأمان لشعبها وضيوفها داخل الأراضي المصرية وتوفير الدعم لكافة أبنائها في الخارج، مما يزيد من الثقة الدولية في الإدارة المصرية صاحبة الخبرات المتراكمة خاصةً وقت الأزمات ، وهو ليس بالغريب عن مصر التي استقبلت الأشقاء من الدول العربية المكلومة، وسخرت أجهزتها للحفاظ على سلامة أبنائها في الخارج كما حدث في أفغانستان والصين وليبيا وأوكرانيا.

+ posts

باحثة بالمرصد المصري

رحمة حسن

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى