أفريقيا

كيف نفهم تداخلات “قطر” في سودان “البشير” وسودان “الثورة”

عقب سقوط نظام البشير المعروف إعلامياً بـ “صديق الجميع” بات الحديث عن مصير الاستثمارات التركية والقطرية في السودان، وزاد الأمر تعقيداً عقب إجلاء جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من البلدين من المشهد، وتولي الحكومة الانتقالية عقب توقيع اتفاقية الوثيقة الدستورية شئون البلاد، والتي أعقبها تحركات قطرية تركية في محاولة لدخول المشهد السياسي مرة أخرى للحفاظ على الاستثمارات ومحاولة الابقاء على ورقتها الأخيرة في السودان، من خلال الإعلان عن استثمار شركة قطر للتعدين الحكومية في قطاعي الطاقة والتعدين بالسودان. 

لم تكتف قطر التلويح بالملف الاقتصادي، بل عكف النظام القطري على إعادة التدخلات القطرية في السودان القديم وإحياءها في السودان الجديد ؛ فعمدت وسائل الإعلام القطرية على تكثيف الحديث عن كيفية استفادة إدارة السودان الجديد من “وثيقة الدوحة للسلام”، وهو ما يثير العديد من علامات الاستفهام حول الدور الذي تحاول كل من قطر وتركيا القيام به مؤخراً في السودان عقب سقوط البشير الداعم لهم؟

تضارب الموقف القطري من الأحداث في السودان: 

اتخذت كل من قطر وتركيا موقفاً مضاداَ من الموقف الشعبي السوداني، نظراً لموقفهما الداعم لحكم البشير الإخواني، وحلم الخلافة التركية الذي يلوح في الأفق، ومع تدخل الجيش واتخاذ موقف المتظاهرين خشيت كل من الدولتين أن تتخذ نفس الموقف الخاطيء من الثورة المصرية 30 يونيو مما أفقدها نفوذاً في المنطقة، وعليه أعلنت على استحياء دعم الاستقرار في السودان، وحاولت قطر تجميع الأحزاب الإسلامية تحت مسمى آخر ولكن دون جدوى، والتي بدأت بمحاولة نظام الحمدين تشكيل “جبهة إخوانية” جديدة في السودان برعاية “المؤتمر الشعبي” وحزب “حركة الإصلاح الآن” و”منبر السلام العادل”؛ لتحل مكان الحركة الإسلامية السياسية التي عزلها السودانيون وانتهت بتأييد القوات المسلحة وتكوين الحكومة الانتقالية،  تحت غطاء ليس له “دلالات إسلامية” لحشد التأييد السوداني، بقيادة المتطرف “عبد الحي يوسف” ومجموعة من الأحزاب التي يطلق عليها “أحزاب الفكة”، وهو ما وصفه المراقبون بأنه لا يمكن تحقيقه في ظل وعي الشعب السوداني بكافة رموز الإخوان التي استمرت في الحكم لمدة ثلاث عقود. 

يأتي هذا ضمن سلسلة من الإجراءات التي تعبث بها الأيادي القطرية كمحاولة لإفشال خطوات التوافق السياسي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، حتى يتسنى لهم عودة جماعة الإخوان إلى المشهد السياسي في السودان من جديد.

وعقب إفشال المخطط القطري، اتخذ عبد الحي يوسف على عاتقه مهاجمة الحكومة السودانية الحالية، وخلق جبهة متطرفة بتصريحات اعتبرها البعض أنها شبيهة بمبايعة ابو بكر البغدادي، والتي قد تضر من مصلحة السودان الجديد الذي يسعى ان يرفع اسمه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. 

وهو ما أعطى انطباع بحالة التخبط السياسي التي يعيشها النظام القطري حول الملف السوداني من أجل استعادة نفوذه بها. 

خلق الفرص من البرنامج السوداني المعلن لحكومة حمدوك:

ووجد النظام القطري من كلمة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، عقب توليه منصبه في سبتمبر الماضي إثر توقيع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية التي قضت بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، فرصة جديدة لخلق جبهة تعاونية قائمة على اللعب بوتر المصالح المتبادلة ودعم في ظاهره التعاون وفي باطنه العبث بمقدرات الاستقرار السوداني. 

تضمنت كلمة حمدوك ثلاث محاور اساسية وهي: 

“إيقاف الحرب وإحلال السلام مع الجماعات المسلحة المتناحرة، وبناء اقتصاد قوي قومي يقوم على الانتاج، وبناء سياسة خارجية قومية تعمل على رفع اسم السودان  من قائمة الدول الراعية للإرهاب.”

 فاتخذ نظام الحمدين على عاتقه التواجد في السودان من خلال التركيز على هذه الزوايا، وذلك من أجل محاولة الحفاظ على الاستثمارات القطرية في السودان التي تم توطينها في ظل نظام البشير بصورة معلنة، ومحاولات خلق الفتن وعودة النظام الإخواني للمشهد من خلال الدعم الخفي، والدعوات للمليونيات مستغلة الخلافات الواقعة بين القوى المدنية من جهة، والحكومة الانتقالية والجماعات المسلحة من جهة أخرى، ولكي تحاول أن تظهر نفسها بمظهر رافع راية السلام، عملت على استعادة الحديث على اتفاقية “سلام الدوحة” الموقعة إبان البشير. 

“وثيقة الدوحة للسلام” ومغازلة أجندة السودان الجديد:

اتخذ الإعلام القطري على عاتقه مؤخراً التركيز على الوساطة القطرية في تحقيق السلام، ومحاولات إبراز الدور القطري كوسيط سلام بين القوى المتناحرة من خلال إحياء هذا الاتفاقية، كما ظهرت في زيارة مبعوث وزير خارجية قطر لشؤون تسوية النزاع، مطلق القحطاني للسودان ولقاؤه بنائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. 

وهي اتفاقية تم التوقيع عليها بوساطة قطرية بين الحكومة السودانية، والفصائل المتمردة في إقليم دارفور في يوليو عام 2011، ورفضتها حركات التمرد الرئيسية في إقليم دارفور غربي السودان، بينما وقعت عليها الحكومة وحركة “التحرير والعدالة”.

ومن هنا يجدر الإشارة إلى الانتقادات التي واجهتها هذه الاتفاقية والتي تم وصفها بأنها اتفاقية ذو وظيفة دبلوماسية ولا تضع حلول واقعية للمشاكل في دارفور، والتي رصدت له الحكومة القطرية آنذاك التعهد بدفع مبلغ 177.4 مليون دولار في مؤتمر للمانحين الذي عُقد في الدوحة عام 2013، وأوصى بجمع 4.5 مليار دولار لإعادة إعمار دارفور.  

من الوساطة الزائفة للسلام إلى الاستثمارات القطرية كورقة تنافسية للتواجد في السودان: 

عملت قطر جاهدة على استغلال توجه حكومة السودان نحو النمو الاقتصادي، حيث صرح السفير القطري لدى الخرطوم، عبد الرحمن بن على الكبيسي مؤخراً، إن الدوحة تعتزم ضخ مزيد من الاستثمارات في السودان خلال لقاءه مع وزيرة الخارجية السودانية، أسماء محمد عبد الله في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة، عبر شركة “قطر للتعدين” المملوكة كلياً للدولة، وتفعيل الاتفاقيات السابقة في ظل اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، وهو ما أكد ه وزير الطاقة والتعدين السوداني على الانفتاح للاستثمار الأجنبي، وتبلغ قيم الاستثمارات في قطر حالياً 1.7 مليار دولار في السودان، عبر 40 مشروعا في مجالات الزراعة والسياحة والعقارات وفق بيانات سودانية رسمية.

وتُعرف شركة قطر للتعدين نفسها بأنها تحرص على إنشاء مشروعات ذات جدوى طويلة الأجل لدولة قطر من خلال المساهمة في تنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية من خلال الاستثمار في مشاريع التعدين في بلدان مختلفة، حيث تمثل النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد القطري كما تعرف نفسها على موقع وزارة الخارجية القطرية، وبالتالي تقوم قطر بمثل هذه المشروعات لعدم الضغط على مواردها الطبيعية.

وهي ليست المحاولة الأولى لدخول الشركة إلى السودان، ففي  عام 2015 ضخت شركة «قطر للتعدين» أموالها في سبعة مربعات للتنقيب عن الذهب بقيمة تفوق مليار دولار، وفي القطاع الزراعي، تقوم شركة «حصاد» الغذائية القطرية، باستثمار 500 مليون دولار في القطاع الزراعي والغذائي السوداني، وتقوم الشركة على زراعة 260 ألف فدان في ولاية نهر النيل، كما تنفذ الشركة مشروع كهرباء للمنطقة بتكلفة تقدر بأكثر من 200 مليون دولار.

وتحاول قطر مجابهة التواجد السعودي في ظل استثمار المملكة الأكبر بين الاستثمارات الخليجية في السودان بقيمة 11 مليار دولار، بحسب البيانات السودانية، والذي قيل بأنه زاد إلى 15 مليار نتيجة للمشاركة السودانية في التحالف العسكري العربي بقيادة السعودية لدعم الحكومة في اليمن، فتحرص المملكة على زيادة الاستثمار في مجالي الطاقة والتعدين، من خلال شركة “أيكوبات”، التابعة لصندوق الاستثمار السعودي، بالاستثمار في كل أنواع الطاقة البديلة، والإعلان عن رغبة شركة التعدين العربية السعودية (معادن) بالاستثمار في قطاع المعادن عامة، والذهب والحديد خاصة.

كما أشار مسئوليين سودانيين مسبقين إبان نظام البشير  إلى مشروع الشراكة الزراعي الضخم لوزارة الزراعة السعودية على مساحة 700 ألف فدان على سدي عطبرة وستيت بشرق البلاد.

التدخلات القطرية وتأثيرها على المشهد السوداني:  

الدور القطري الذي يحاول الدخول في المشهد سيكون مجرد لاعباً وليس مسيطراً على الوضع والتوجهات السياسية في السودان، والتي يؤكدها تصريحات رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان في لقاؤه مع صحيفة “الاندبندنت”، وأكدها دقلو بأنه لا نية لسحب القوات السودانية من اليمن، وربما يأتي هذا جراء حجم الاستثمارات والمساعدات السعودية الأكبر في السودان. 

وتحاول حكومة حمدوك الاعتماد على سياسة التوازن والمصالح المتبادلة بين الدول بغض النظر عن توجهات هذه الدول،  والتي اثبتها تصريحات حمدوك لـ “الاندبندنت” من خلال الاعتماد على السياسة الخارجية للسودان، والبعد عن سياسة المحاور، والتعاون مع ما يخدم السودان. 

 فاعتمدت السودان  على سياسة الموائمة من خلال التعاون مع النقيضين، ولكن على حكومة حمدوك توخي الحيطة من نظام الحمدين الذي يسعى بشكل خفى نحو هدم الاستقرار تحت غطاء الاستثمار، في محاولة لكسب موطئ قدم في السودان بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير، وذلك من خلال زيادة التعاون مع التحالف الخليجي وهو ما تشير إليه السياسة الفعلية للحكومة السودانية والتي يشهد عليها الزيارات الأولى للحكومة الانتقالية السودانية والتي بدأت بالقاهرة والإمارات والرياض، في حين مازال يسعى تميم أمير قطر لدعوة حمدوك والبرهان لزيارة الدوحة، وهو ما يعطي إشارة واضحة نحو التعاون الحذر الذي يقوم به السودان الجديد مع قطر.

ومن المتوقع أن تستثمر السودان العلاقات الاقتصادية القطرية السودانية في المراحل القادمة، ولكن سيقابلها تصريحات نارية من دول الخليج الأخرى لرفع معدلات الاستثمار لغلق الباب أمام قطر من تزايد نفوذها، وهو ما تستغله السودان لرفع الحالة الاقتصادية للبلاد، ولكن على المستوى السياسي لم تصل السودان لمرحلة التطبيع القطري، ولكن سيبقى تقارب حذر في المجال الاقتصادي فقط. 

وعن الطرف القطري فقد لا يرغب في تطوير السودان بقدر الرغبة في خلق تحالف جديد في الإقليم، والعمل على عودة النظام السياسي الإخواني الذي يخدم أهدافه من خلال الدعم الخفي، والتنافس الاقليمي مع دول الخليج عقب قطع العلاقات معها، وجزء من جهودها للسيطرة على الطريق الرئيسي للتجارة الدولية في المنطقة والتواجد على موانئ البحر الأحمر، وذلك من خلال اللعب على الأجندة السودانية المتمثلة في المحورين الاقتصادي والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى