مصر

النظرة الشمولية للاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان بين الواقع والمأمول

الاستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان (2021- 2026)، هي الاستراتيجية المتكاملة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتكامل مع المسار التنموي القومي لإرساء مبادئ الجمهورية الجديدة، والتي تقوم على مبدأ احترام وتنمية الإنسان، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، من أجل النهوض بالمجال الحقوقي والحريات، والتي شرعت الدولة المصرية في الاهتمام به وتخطت التحديات التي تواجهها بالعمل على التطوير التشريعي والمؤسسي والتثقيفي وبناء القدرات والتعامل مع الملفات ذات الصلة والبناء على التقدم السابق الذي أحرزته مصر في هذا الإطار، وتتضمن أربعة محاور أساسية هي “محور الحقوق المدنية والسياسية، ومحور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومحور حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي القدرات الخاصة والشباب وكبار السن، ومحور التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.” فكيف بدأت هذه الاستراتيجية، وما هي أهم التحديات التي تواجه كل محور بها والواقع الفعلي المصري وما نأمل تحقيقه؟ 

بداية الإعداد للاستراتيجية:

استمرارًا للنهج الاستراتيجي الذي تتبعه الدولة المصرية بما يتكامل مع استراتيجية التنمية المستدامة 2030 ويتوافق مع الدستور والقانون المصري، قامت بالعمل على وضع استراتيجية واضحة ونهج يمكن السير عليه لمدة زمنية محددة، ليحقق الرؤية المصرية في مجال حقوق الإنسان والتي تستند على تكامل وترابط كافة “الحقوق والحريات”، والعلاقة الوثيقة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق التوازن بينهما، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي في كلمته خلال الاحتفال بإطلاق الاستراتيجية. 

شكلت الحكومة المصرية اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان 2018، والتي بدأت العمل في بداية عام 2020 بعد الاستعراض الدوري الشامل الثالث للبلاد الذي أعده مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في نوفمبر 2019. وبالإضافة إلى الدور المنوط بها في إعداد ملف مصر للاستعراض الدوري الشامل المقبل المقرر له عام 2024، ومتابعة تنفيذ التوصيات المقبولة في التقرير السابق، واقتراح الحلول اللازمة لاعتمادها، قامت بالعمل على صياغة أول استراتيجية حكومية لحقوق الإنسان في مصر، وهي استراتيجية خمسية، وتم مناقشتها في مجلس النواب مع حضور عدد من أعضاء منظمات المجتمع المدني و30 وزارة معنية وإجراء حوار مجتمعي حول بنود الوثيقة.

وتم عقد جلسات استماع ضمت المجالس المتخصصة وممثلي الجمعيات الأهلية والنقابات والمراكز البحثية والجامعات والاتحادات وجمعيات رجال الأعمال وعدد من الشخصيات العامة والمتخصصين المكونيين للهيئة الاستشارية لتحديد محاور العمل، وانقسمت الاستراتيجية إلى محاور تتضمن الفرص والتحديات والمستهدف داخل كل محور، لتكون بمثابة خريطة طريق للعمل الحقوقي والإنساني والحريات في مصر. 

مرتكزات الاستراتيجية الوطنية:

وُضعت الاستراتيجية لتكون اللبنة الأساسية للعمل الحقوقي والحريات، والتي تقوم بالبناء على الماضي واستغلال الفرص ومواجهة التحديات، فقامت الاستراتيجية على ثلاث مرتكزات أساسية وهم: 

الدستور: ما يكفله الدستور من حماية كافة مبادئ الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وترسيخ مبادئ المواطنة والعدل وعدم التمييز وعدّه جريمة يعاقب عليها، مع الحفاظ على استقلالية القضاء باعتباره الجهة المنوط بها تطبيق الدستور والقانون. 

الالتزامات الدولية والإقليمية لمصر: كانت مصر من أولى الدول التي ساهمت في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام ١٩٤٨، والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان، والمشاركة المستمرة في صياغة المعاهدات الدولية، وتطبيقًا للمادة 93 من الدستور المصري التي تنص على التزام مصر بالنصوص والمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، بما يضمن نص التشريعات التي تساعد على تطبيق تلك الاتفاقيات، وانضمت مصر إلى 8 معاهدات دولية لحقوق الإنسان، إلى جانب الإلتزامات الدولية الإفريقية والعربية. 

وكانت مصر قد برهنت على الاستجابة والتعامل بجدية مع تطوير ملف حقوق الإنسان والذي يتميز بالتجديد والشمولية في مارس 2020، حيث قبلت مصر 294 توصية من أصل 372 خلال أعمال الدورة 43 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، لاستعراض الجهود المصرية في الملف الحقوقي، حيث قبلت مصر ٢٧٠ توصية قبول كلي وما يزيد عن ٣٠ توصية قبول جزئي، وجاء الرفض المصري لعدة توصيات بموجب أنها لا علاقة لها بملفات حقوق الإنسان التي يعتمدها المجلس الأممي، وبعضها جاء بمثابة شكل عدائي، والبعض الآخر جاء مخالفًا لثوابت الدولة المصرية والمجتمع المصري كإلغاء أو تعطيل عقوبة الإعدام. 

استراتيجية التنمية المستدامة 2030: للعمل على تنفيذ استراتيجية شمولية تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والاندماج الاجتماعي ومبادئ الحوكمة. 

محاور الاستراتيجية الوطنية بين الواقع والمأمول

المحور الأول: الحقوق المدنية والسياسية

  • الحق في الحياة والسلامة الجسدية: نص الدستور على حق الحياة الآمنة، ومكافحة الإرهاب وحماية الأفراد من العنف والأطفال من العنف والاستغلال الجنسي وحرمة الجسد وتجريم الامتناع عن تقديم العلاج وتنظيم عملية التبرع وتجريم الاتجار بالبشر، وتمثلت في سن عدة قوانين مثل قانون العقوبات وقانــون تنظيــم زرع الأعضــاء البشــرية، وقانــون مكافحــة الإتجــار بالبشــر، وقانـون تنظيـم البحـوث الطبيـة الإكلينيكيـة الذي صدر في ديسـمبر 2020. 

ولتحقيق هذا المحور كان لابد من وضـع إطـار لمراجعـة الجرائـم الأشـد خطـورة التـي توقـع عليها عقوبـة الإعـدام، وذلـك بمـا يراعـى فيهـا الظـروف المجتمعيـة والدراسـات المتخصصـة وبمـا يتفـق مـع الاتفاقيـات الدوليـة والإقليميـة لحقـوق الإنسان التـي صدقـت عليهـا مصـر، وإجراء تعديل تشريعي يمكن غير القادرين من المحكوم عليهم في قضايا الإعدام من وجوب انتداب محامِ للدفاع عنهم، مع ضمان رعاية الأطفال وكبار السن في دور الأيتام ومراكز الرعاية النفسية وعلاج الإدمان وتوفير برامج التأهيل النفسي ضد العنف، وزيادة الوعي بجرائم العنف، و نشـر التوعيـة القانونيـة بالممارسـات التـي تعـد معاملـة قاسـية، أو مهينـة، أو غيـر إنسـانية، ونشر ثقافة التسامح بين الأفراد. 

  • الحق في الحرية الشخصية: نص الدستور على كفالة الحرية الشخصية وعدم القبض على أحد أو تفتيشه إلا في حالة التلبس، ويحق لكل من تقيد حريتهم بإبلاغهم كتابةً وتمكينه من الاتصال بمحاميه وذويه، وهو ما يستلزم زيادة الوعي القانوني لدى المواطنين بحقوقهم القانونية، مع إجراء بعض التعديلات التشريعية التي تضمن عدم سقوط قضايا الدعوتيـن الجنائيـة والمدنيـة بالتقـادم عـن كل صـور الاعتداء علـى الحريـة الشــخصية، ويقــر حــق المضــرور فــي إقامــة الدعــوى الجنائيــة عــن جرائــم الاعتداء علــى الحريــة الشـخصية بطريـق الادعاء المباشـر، ويلـزم بكفالـة التعويـض العـادل لمـن وقـع اعتـداء علـى حريتـه الشـخصية.

ويستلزم أيضًا البـدء فـي تنفيـذ مشـروع النظـر عـن بعـد فـي أوامـر الحبـس الاحتياطـي وتضمينه في قانون الإجراءات الجنائية، ومراجعة التشريعات الخاصة بعقوبة الحبس بسبب ديون ناتجة عن علاقات مدنية تعاقدية، وإيجاد عقوبات بديلة للعقوبة السالبة للحريات، وتعظيــم عقوبــة الغرامــة خاصــة فــي الجرائــم البســيطة التــي لا تنبــئ عــن خطــورة إجراميــة شــديدة للجانــي.

  • الحق في التقاضي وتعزيز ضمانات المحاكمة المنصفة: ينص الدستور على أن التقاضـي حـق مصـون ومكفـول للجميع مع ضمان العدالة الناجزة، والمساعدة المالية لغير القادرين، فقامت الدولة بميكنة الخدمات القضائية وتقديم خدمة التقاضي عن بعد، إلى جانب التحول الرقمي في عديد من النيابات، وإطلاق مشروع “عدالة مصر الرقمية” لتقديم خدمات وزارة العدل بصورة رقمية، فتعمل الدولة على التوسع الرقمي والعمل على تقليل الضغط على المحاكم من خلال التوسـع فـي الأخـذ بالطـرق البديلـة لفـض المنازعـات المدنيـة والتجاريـة فـي نظـام الأمر الجنائـي ذات القيمـة المتدنيـة. وكـذا المنازعـات الإداريـة.

وعملت أيضًا على التوسـع التشـريعي لتخفيـف الضغـط علـى محاكـم الجنـح، وإصدار قانون حماية الشهود والمبلغين وتبصرة المتهمين بحقهم في الصمت، مع زيادة الوعي بقانون العقوبات وخاصة المادة 161 مكرر، والتي تقضـي بمعاقبـة مـن قـام بعمـل أو بالامتناع عـن عمـل يكـون مـن شـأنه إحـداث التمييـز بيـن الأفـراد أو ضـد طائفـة مـن طوائـف النـاس بسـبب الجنـس أو الأصـل أو اللغـة أو الديـن أو العقيـدة، وترتـب علـى هـذا التمييـز إهـدار لمبـدأ تكافـؤ الفـرص أو العدالـة الاجتماعية أو تكديـر للسـلم العـام.

  • رعاية السجناء وغيرهم من المحتجزين: ينص الدستور على ضرورة الحفاظ على كرامة كل من يتم حبسه احتياطيًا أو حبسه أو تقييد حريته، ولا يجوز إكراهه أو تعذيبه مع توفير أماكن لائقة بالحجز، وأن يقوم القضاء بالنظر في شكاوى السجناء، وقيام المجلس القومي لحقوق الإنسان بزيارة أماكن الاحتجاز لمراقبة الأوضاع هناك. 

وتوسعت الدولة في توفير الرعاية الطبية للسجناء في جميع التخصصات، والعمل على تخفيف أعداد السجناء من خلال إجراءات العفو الرئاسي، وقامت الدولة بتشكيل لجنة العفو لفحص حالات العفو الرئاسي، وتعديل مدة العقوبة والإفراج الصحي عن السجناء، والاهتمام بذوي الإعاقة وتنظيم الزيارات إلكترونيا، ومنح السجين “حسن السير والسلوك” 48 ساعة دن حراسة لزيارة ذويه، والتوسع في الخدمات التعليمية، وتوفير الرعاية للسجينات ورعاية أطفالهن.

والاستمرار في التوسع في هذه الاستراتيجيات يتطلب العمل على إشراك منظمات المجتمع المدني والتعاون مع القطاع الخاص والجهات الحكومية لإعادة دمج المفرج عنهم، ودعم مبادرات الإفراج عن الغارمين وتقديم الرعاية الاجتماعية لأسر السجناء. 

  • حرية التعبير: ينص الدستور على حق التعبير، واتسم المشهد الإعلامي بالتنوع ويكفل القانون حرية الصحافة وحظر فرض الرقابة على الصحف والإعلام أو مصادرتها أو غلقها، ونص على تشكيل هيئات لتنظيم العمل الإعلامي، مع حظر إجبار الصحفيين على إفشاء مصادرهم، وحظر توقيع عقوبات سالبة للحريات فـي الجرائـم التـي تقـع بطريـق النشـر أو العلنيـة، باسـتثناء جرائـم التحريـض علـى العنـف، أو التمييـز، أو الطعـن فـي أعـراض المواطنيـن، والحق في الحصول على البيانات والمعلومات الرسمية.

مما يضعنا أمام ضرورة استصدار قانون حرية تداول المعلومات والبيانات وإصدار مدونة سلوك شاملة للإعلام والصحافة والإعلام الرقمي ومواقع التوال الاجتماعي لتعزيز حرية التعبير بما يضمن الحفاظ على حرية الآخرين، والمراجعة الدورية للتشريعات لضمان ممارسة هذا الحق.

  • حرية التجمع السلمي: من خلال كفالة الحق في الاجتماع، وتنظيم التظاهرات السلمية من خلال الإخطار المسبق، وهو ما يتطلب الوعي المجتمعي بمفهوم التعبير عن الرأي بما يضمن سلامة المجتمع. 
  • الحق في تكوين الجمعيات الأهلية: تدشين قانون تنظيم الجمعيات الأهلية وحق الأفراد والمؤسسات التي يكفلها له الدستور في تكوين الجمعيات الأهلية من خلال العمل على دعم أصر الشراكة بين الدولة والقطاع الأهلي بما يخدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، والتوعية بأهدافها؛ بما يحقق تطبيق قانون تنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، ولائحته التنفيذية، بما يمثله من انفراجة خاصة في مصادر تمويل الجمعيات والرقابة على أعمالها، ووضع ضوابطًا فعالة لحل الجمعيات ومحاسبتها، كما تضمن القانون موادًا لدعم حرية التطوع، وموادًا أخرى للمساءلة وحوكمة العمل والإجراءات، فإن اللائحة التنفيذية للقانون تمثل ترجمة حقيقية لتلك الحقوق والامتيازات.
  • الحق في تكوين النقابات العمالية والانضمام لها: صدر قانون تنظيم النقابات العمالية والتعديلات الخاصة به، وتم إجراء الانتخابات النقابية العمالية 2018 بعد توقف 12 عامًا، وتم تدشين برنامج شامل للتعاون الفني بين مصر ومنظمـة العمـل الدوليـة فـي مـارس 2020 لخلـق بيئـة مواتيـة للحريـات النقابيـة وعلاقات العمـل السـليمة الداعمـة لتحقيـق النمـو الشـامل، وتعزيـز الحـوار المجتمعـي بيـن الحكومـة وأصحـاب الأعمـال والعمال، وهو الأمر الذي سيزيد من مشاركة النقابات في إعداد مشروعات القوانين المتعلقة بالحقوق العمالية والمهنية.
  • الحق في تكوين الأحزاب السياسية: من خلال تشكيل العمل على فكرة التعددية الحزبية، ودعم المشاركة الشبابية والتي ظهرت في تشجيع الشباب على العمل الحزبي وتكوين تنسيقية شباب الأحزاب، وزيادة المبادرات المجتمعية والعمل على تعزيز ثقافة العمل الحزبي في المجتمع. 
  • حرية الدين والمعتقد: وينص الدستور على حق المواطنة والاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية والاحتكام للشرائع الخاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، ومكافحة التطرف والإرهاب وذلك بإنشــاء المجلــس القومــي لمكافحــة الإرهــاب والتطــرف برئاســة الســيد رئيــس الجمهوريــة عــام 2017، وإنشــاء اللجنــة العليــا لمواجهــة الأحداث الطائفيــة بقــرار جمهــوري فــي 2018، وإطلاق وزارة التعليــم العالــي اســتراتيجية مواجهــة التطــرف والفكــر التكفيــري بالجامعــات المصريــة 2019 – 2023.

هذا إلى جانب جهود الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف في مكافحة العنف والفكر المتطرف، وصدور قانــون بنــاء وترميــم الكنائــس رقــم 80 لســنة 2016، والذي بموجبه تم تقنين أوضاع حوالي 1800 كنيسة ومبنى حتى ديسمبر 2020، وتنفيـذ الحكومـة خطـة بقيمـة 70 مليـون دولار مـن أجـل ترميـم بعـض الآثـار المصريـة، ومـن بينهـا المعابـد اليهوديـة فـي القاهـرة والإسـكندرية، ومبادرة أجهزة الدولة لترميم الكنائس التي تخربت بعد ثورة يونيو 2013، وتم ترميم 72 كنيسة على إثرها، وهو المحور الذي يمثل أهمية خاصة في مكافحة الفكر المتطرف وزيادة الوعي لدى الشباب وتعزيز مبادئ المواطنة ومكافحة أفكار العنف والتطرف التي حاولت الجماعة الإرهابية بثها في نفوس الشباب، وتجديد الخطاب الديني. 

وسعت مصر من خلال المحافل الدولية ومجلس حقوق الإنسان، إلى إيجاد تعريف للإرهاب لتجفيف منابع تمويل الإرهاب العالمي، ووضع استراتيجية دولية لمواجهة الإرهاب الممنهج ومكافحة الأفكار المتطرفة، وقامت على حشد المجتمع الدولي وحثه على اتخاذ موقف صارم لمواجهة الإرهاب وإبراز آثاره على التمتع بحقوق الإنسان، فتقدمت لمجلس حقوق الإنسان الأممي منذ عام 2018 بقرار بشأن أثر الإرهاب على حقوق الإنسان. 

  • الحق في الخصوصية: توجـد حزمـة مـن القوانيـن التـي تكفـل وتعـزز الحـق فـي الخصوصيـة، ومـن بينهـا قانـون العقوبـات، وقانــون تنظيــم الاتصالات، وقانــون مكافحــة جرائــم تقنيــة المعلومــات، وقانــون تنظيــم الصحافــة والإعلامم، وقانــون حمايــة البيانــات الشــخصية، لحماية الحرية الشخصية للأفراد والتي ينص عليها الدستور، وهو ما يتطلب تعديـل قانـون الإجـراءات الجنائيـة بمـا يضمـن إنفـاذ الالتـزام الدسـتوري بحمايـة حرمـة الحيـاة الخاصـة للمجنـي عليهـم والشـهود والمتهميـن والمبلغيـن، وزيادة الوعي لدى الشباب بأهمية الحفاظ على حرية الأخرين وحرمة الحياة الشخصية. 

المحور الثاني: الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية

  • الحق في الصحة: ينص الدستور على إلزام الدولـة بتخصيـص نسـبة لا تقـل عـن 3% مـن جملـة الإنفاق العام للصحـة، فقدمت مبادرات 100 مليون صحة وعلاج الأنيميا وضمور العضلات وتوسيع مبادرة التأمين الصحي الشامل وعلاج فيروس سي، وتمكنت وزارة الصحــة من فحص 52 مليون و400 ألـف مواطـن بالمجـان، وفحـص 68 ألـف شـخص أجنبـي مقيـم على الأراضي المصريـة، وعلاج 1,5 مليـون مواطـن خلال الفتـرة مـن 2014 إلـى 2018 ،إضافـة إلـى صـرف العلاج بالمجان، ممـا أسـهم فـي ارتفـاع معـدل الشـفاء ليصـل إلـى أربعـة أضعـاف نسـب الشـفاء العالميـة، والانتهـاء مـن قوائـم الانتظارر.

هذا إلى جانب الكشف المبكر عن الأمراض غير السارية والاكتشاف المبكر للاعتلال الكلوي وضعف السمع لحديثي الولادة، ومبادرة دعم صحة المرأة المصرية والطفل، هذا إلى جانب تقليل انتظار العمليات الجراحية ومواجهة تداعيات فيروس كورونا، والعمل على إنتاج اللقاحات، ودعوة المجتمع الدولي لتقليل فجوة توزيع اللقاحات مع المجتمع النامي، ودعم مبادرات الصحة الرقمية، والعمل على الحد من التلوث والتغيرات المناخية لتوفير بيئة صحية للمواطنين، وإصدار الاستراتيجية الوطنية للتكيف مع تغير المناخ 2011، واستراتيجية تغير المناخ 2013، والاستراتيجية الوطنية لتعميم مراعاة النوع الاجتماعي ودور المرأة في تغير المناخ في مصر، وهو الأمر الذي يتطلب التوسع في الخدمات الصحية لتتضمن في مبادرة حياة كريمة للوصول إلى المناطق الأكثر فقرًا، وكذلك تطبيق منظمة التأمين الصحي ليصل إلى 100%. 

  • الحق في التعليم: يكفل الدستور تخصيـص نسـبة لا تقـل عـن 4% مـن جملـة الناتـج القومـي الإجمالـي للتعليـم قبـل الجامعـي، ونسـبة لا تقـل عـن 2% للتعليـم الجامعـي، وكفلـت الدولـة مجانيـة التعليـم بمراحلـه المختلفـة فـي مؤسسـات الدولـة التعليميـة، فقامت الدولة بالعمل على وضع منظومة لإصلاح التعليم، والتوسع في التعليم الفني والمهني والتكنولوجي وبناء المدارس، وتشجيع الابتكارات العلمية، وتطوير التعليم الجامعي وقبل الجامعي، ووضع خطة للقضاء على الأمية، وتشجيع البحث العلمي، ولكن يجب ان تستمر الدولة في الحد من نسب التسرب من التعليم وزيادة الوعي الريفي بأهمية التعليم وخفض أعداد الأميين، وعدم التمييز وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الريف والحضر. 
  • الحق في العمل: حماية حقوق العمال في الدولة من خلال قانون الخدمة المدنية، وتشجيع إدخال الاقتصاد التشاركي في القطاع الرسمي، وعدم التمييز في الأجور وتحفيز الشباب على البدء في المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال، وتعمل الاستراتيجية على تقنين بعض المهن مثل أوضاع العاملين في الخدمات المنزلية، والعمل على الحوار المجتمعي لتدشين قانون العمل الجديد.  
  • الحق في الضمان الاجتماعي: تعمل الدولة على توفير برامج الرعاية الاجتماعية من تكافل وكرامة ومبادرة تطوير الريف المصري لتحسـين جـودة حيـاة أهـل القـرى، وتطوير منظومة المعاشات والزيادات الدورية، وتشجيع منظومة التأمين الاجتماعي وتأمين أصحاب الأعمال على العاملين لديهم، مواجهة نتائج الإصلاح الاقتصادي بالبرامج الاجتماعية، وخفض نسبة الفقر وعدم التفرقة بين الوجه القبلي والبحري والدلتا في تقديم الدعم، واتخاذ إجراءات لمواجهة تداعيات كورونا ودعم العمالة غير المنتظمة وتوفير برامج للمرأة المعيلة، ولكن الزيادة السكانية المطردة قد تفاقم من زيادة الفقر لبعض الأسر مما يتطلب اتخاذ إجراءات توعوية بحق الفرد في الحياة مع التوسع في برامج التأمينات الاجتماعية وشمول الفئات المستحقة للدعم. 
  • الحق في الغذاء ومياه الشرب صحية: من خلال العمل على توفير البنية التحتية المعلوماتية والتوسع في برامج سد الفجوات الغذائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال التوسع الزراعي الأفقي والرأسي، مما يتطلب تحديث البنية التحتية المعلوماتية لتحديث بيانات مستحقي الدعم، وتوفير مياه نظيفة للمواطنين من خلال الاستمرار في إنشاء محطات التحلية لمواجهة ندرة موارد المياه، والتحول في سياسات الري التكنولوجي، وزيادة الوعي المجتمعي بندرة المياه. 
  • الحق في السكن: فاتخذت الدولة المصرية عل عاتقها توفير الحق في السكن الكريم وتحسـين سـبل الأحوال المعيشـية في المسـاكن والخدمات المعيشـية في المحافظات الحدودية وصعيد مصـر، وذلـك مـن خلال توفيـر البنيـة الأساسية وتطوير العشوائيات وتوفير السكن للمناطق غير الآمنة، وبرامج الإسكان الاجتماعي بإنشــاء مليــون وحــدة ســكنية وطــرح المبــادرة الرئاســية “ســكن لــكل المصرييــن” بواقــع 100 ألف وحدة سكنية للإسكان الاجتماعي، و25 ألف وحدة للإسكان المتوسط، إلى جانب دار مصر وسكن مصر، وإطلاق اسـتراتيجية الإسـكان في مصر في 2020، حيث تلتزم الدولة بتوفير السـكن اللائق لكافة المواطنيـن، ومراعـاة حقـوق الفئـات المهمشـة والمحرومـة. 
  • الحقوق الثقافية: من خلال زيادة الوعي بأهمية الثقافة المصرية والحفاظ على التراث الحضاري والثقافي والإنساني واسترداد الأثار والحفاظ عليها، ودعم الهوية الثقافية والبصرية للمحافظات المصرية، وهو ما يتطلب توعية الأفراد بمعنى الأثر الحضاري والثقافي وتعزيز الوعي الثقافي والهوية المصرية لدى المجتمع ليسهم في الحفاظ عليه، وتقنين العقوبات على سرقة وإهمال الأثر المصري الثقافي والحضاري، والعبث بمقدرات الدولة الثقافية والحضارية والتراث الإنساني، وتطوير التشريعات المتعلقة بالملكية الفكرية. 

المحور الثالث تعزيز حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة وكبار السن: 

عملت الدولة على إنشاء مجالس متخصصة للعمل على تنفيذ ومراقبة الاستراتيجيات المصرية للحفاظ على حقوق تلك الفئات، وقامت على تحقيق الاستراتيجية المصرية 2030 من خلال مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للشباب والمرأة من خلال التأهيل والتدريب وتعظيم المساواة بين الجنسين، وتعزيز برامج الرعاية والحماية الاجتماعية للمرأة مثل إطلاق استراتيجيات مواجهة العنف ضد المرأة ومواجهة ختان الإناث، وتشجيعها على الاستثمار والتعليم.

وتم إطلاق الاستراتيجية الوطنية الأولى لتمكين المرأة المصرية 2030، وتم إجراء التعديلات الدستورية والتشريعية لضمان تمثيل العادل للمرأة والشباب في الحياة السياسية التنفيذية والتشريعية، حيث حصلت على ١٢٨ مقعدًا من مقاعد مجلس النواب في انتخابات عام ٢٠٢١ بنسبة تجاوزت ٢٨٪، بل أضحت المرأة المصرية قاضية ووزيرة بمجموع ثماني وزيرات في الحكومة الحالية بنسبة تقترب من “٢٥٪” فضلًا عن مساواة المرأة بالرجل في الأجر دون تمييز على أساس النوع، هذا إلى جانب المشاركة في القضاء ووصلت لرئاسة بعض المحاكم، وتعزيز مفهوم الشمول المالي للمرأة. 

وقامت الدولة بالعمل على تأهيل وتدريب الشباب من خلال الأكاديمية الوطنية للتدريب عام ٢٠١٧، حيث أصبح الشباب يشاركون في صياغة خطط التنمية وتنفيذها، بل أضحى بعضهم نوابًا للوزراء والمحافظين وممثلين للشعب بالبرلمان، وذلك من خلال ما تتخذه الأكاديمية من برامج تأهيلية لصقل مهاراتهم وإعدادهم، والمشاركة في الحياة العامة وتوفير المحافل الدولية لانفتاحهم على الآخر، والتعرف على الثقافات المتعددة، من خلال “منتدى شباب العالم” الذي يتم تنظيمه بشكل سنوي، ووعد الرئيس السيسي باستئنافه قريبًا عقب انقضاء جائحة “كورونا” وما تفرضه من إجراءات احترازية. 

والعمل على حماية حقوق الطفل في الصحة والتعليم والحياة الكريمة، وتطوير نظم الأسر البديلة وإنشاء صندوق الطفل لرعاية الاطفال بلا مأوى، والعمل على دمج ورعاية ذوي الإعاقة وتمكينهم من الحق في العمل وتوفير الخدمات التعليمية والصحية لهم، وتعزيز سبل الرعاية لكبار السن وتحسين منظومة المعاشات لضمان وصولها بطريقة سهلة لهم، وتعزيز حصولهم على الرعاية الحية المناسبة لهم. 

المحور الرابع: التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان

ويقوم على نشر ثقافة حقوق الإنسان ودمجها في المناهج التعليمية وتدريب أعضاء الهيئات الشرطية والقضائية وإنشاء قطاع خصص لحقوق الإنسان في وزارة الداخلية وإضافة مواد حقوق الإنسان في مناهج أكاديمية الشرطة، هذا إلى جانب اسـتخدام تكنولوجيـا المعلومـات فـي التدريـب، وتزويـد القضـاة بالمكتبـات الإلكترونيـة، وإتاحـة محـركات البحـث لأعضـاء الجهـات والهيئـات القضائية، وتقوم الاستراتيجية على مواجهة الحاجة على تعزيز وبناء قدرات القائمين على قطاع السجون وأماكن الاحتجاز والاستفادة من الممارسات الدولية والبرامج المتقدمة في مجال حقوق الإنسان بشان المجالات المتخصصة، والحاجـة إلـى تحديـث مؤشـرات قيـاس أثـر البرامـج التدريبيـة فـي مجـال حقـوق الإنسـان، والحاجـة إلـى تطويـر منهجيـات علميـة لدراسـة، ومتابعـة، وتقييـم تلـك البرامـج وفاعليتهـا.

مما سبق، يتضح لنا، وكما سبق لمؤتمر“حقوق الإنسان.. بناء عالم ما بعد الجائحة” الذي نظمه المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، والإحاطات التي قدمتها الدولة المصرية أمام مجلس حقوق الإنسان، والتوصيات التي خرجا بها والعمل على تنفيذها، جاءت الاستراتيجية الوطنية لتؤكد على وضع عقد اجتماعي جديد متطور ثلاثي الأطراف بين الدولة والمواطنين والمجتمع المدني للعمل على تحقيق النظرة الشمولية المصرية لملف حقوق الإنسان، واضطلاع الدولة المصرية بمواجهة ومراجعة تلك التحديات والعمل على التطوير المستمر ومراقبة تنفيذ تلك الاستراتيجيات من قبل منظمات المجتمع المدني، والتي أطلق الرئيس السيسي عام 2022 عامًا لها، وهو ما ينبئ باعتباره عامًا لزيادة المشاركات في مجال حقوق الإنسان والتوسع في تنفيذ التوصيات المحلية والدولية لخدمة مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية في الدولة المصرية، مع التأكيد على دور الشباب والذي يظهر في تجميعهم تحت مظلة موحدة ممثلة في اتحاد شباب الجمهورية الجديدة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى