أفريقيامصر

الساحل الأفريقي بين التهديدات والدعم المصري

يأتي بدء تفعيل مركز مكافحة الإرهاب لتجمع دول الساحل والصحراء مع بداية الشهر الحالي في فترة يعاد فيها صياغة الوضع في المنطقة، في ظل خطة انسحاب قوة البرخان الفرنسية وعمل اللجنة العسكرية في ليبيا 5+5 لخروج المرتزقة من ليبيا، فضلاً عن الوضع المتأزم بين فرنسا ومالي التي تسعى لعقد اتفاقات عسكرية مع روسيا، بالإضافة إلى تنامي العمليات الإرهابية في المنطقة. وأخيرًا، موقف الولايات المتحدة من رفض الدعم الأممي في الساحل والصحراء، فما الدور الذي يمكن أن يلعبه المركز في احتواء الصراعات في دول الساحل الأفريقي؟ 

الموقف الحالي المتأزم في الساحل الأفريقي

تعاني مجموعة دول الساحل G5 والتي تضم (موريتانيا وبوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر) – والتي أسست تجمع إقليمي للتنسيق والتعاون وتكامل الجهود، وأعلن رؤساء الدول الخمس في المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل بصفة رسمية تشكيل القوة المشتركة العابرة للحدود في باماكو في يوليو 2017 بهدف توحيد جهودهم في مكافحة التهديدات الأمنية في المنطقة وحشد التمويلات واستقطاب الاستثمارات- من حالة من عدم الاستقرار نتيجة التنامي الملحوظ للنشاطات الإرهابية، والتي تضاعفت سبع مرات منذ عام 2017.

مما أدى لاحتياج أكثر من 29 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية وفقاً للتقديرات الأممية، مما أنتج عدد من الأزمات التي تعاني منها دول المنطقة والمناطق المتاخمة لها، فشهدت تشاد اغتيال رئيسها إدريس ديبي، وشهدت مالي انقلابين في عامين، مما جعل منها ملاذاً للعديد من الجماعات الإرهابية التي استغلت ضعف عمليات التنمية بالمنطقة وعلى رأسهم جماعة “بوكو حرام وداعش والقاعدة” لتوسيع نفوذها وتعزيز حضورها. 

يتزامن ذلك مع الخطة الفرنسية لخفض قوات البرخان من المنطقة بحلول عام 2023 إلى النصف إلى نحو 2500 إلى 3000، والتي جاءت بعد نحو ما يقرب من العام من إطلاق تحالف دولي لمحاربة الإرهاب في المنطقة، يضم قوة خاصة من 13 دولة أوروبية يقودها الفرنسيون باسم “تاكوبا” وتعني “الخنجر” بلغة الطوارق في مالي، وأعلنت فرنسا عن تعزيز القوات الداخلية لدول المنطقة وإخلاء قواعدها لصالح المشاركة في القوة الدولية، فبدأت في إخلاء قواعدها الثلاث في أقصى شمال مالي لتركيز قواتها في منطقتي “غاو وميناكا” قرب الحدود مع كل من النيجر وبوركينا فاسو.

إلا أن هذا الأمر دفع مالي لاتهام فرنسا بالتخلي عنها لمواجهة الإرهاب المتنامي في المنطقة وهو ما جاء في خطاب رئيس وزراء مالي شوغل كوكالا مايجا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فظهر الحديث عن التعاون مع جماعات المرتزقة والقوات شبه العسكرية “فاجنر الروسية”. وهو الأمر الذي دفع فرنسا لمحاولة اتخاذ خطوات حثيثة لمواجهة التمدد الروسي في مناطق نفوذها بحثًا عن الثروات والموارد الطبيعية. 

فاستطاعت فرنسا أن تستصدر قرارًا أعلنه مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يوم الاثنين 15 نوفمبر 2021 أوضح فيه “توافق” الدول الأعضاء الـ27 للإتحاد، على هامش اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بفرض عقوبات على مجموعة فاجنر الروسية واتخاذ تدابير مقيّدة ضدها والتي تخشى الدول الغربية تدخلها في مالي، على أن يتم تبني تلك التدابير أثناء الاجتماع الوزاري المقبل المقرر في 13 ديسمبر، وأوضح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أنها ستكون “عقوبات ضد أفراد في مجموعة فاجنر وضد الشركات التي تعمل بشكل مباشر معها”.

جاء ذلك عقب إصدار لودريان ووزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، تحذيرًا لروسيا خلال اجتماع باريس حول ليبيا مع نظيريهما الروسيين سيرجي لافروف وسيرجي شويجو، من تجنب زعزعة الاستقرار الإقليمي والاعتداء على مصالح فرنسا وشركائها المساهمين في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، معتبرة أن نشر قوات فاجنر سيكون إجراء غير مقبول، وأعقبها اجتماع القمة الرباعية لبحث التطورات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، و الذي ضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس النيجر محمد بازوم، ورئيس بوركينا فاسو روك مارك كابوري، ورئيس المجلس الانتقالي في تشاد محمد إدريس ديبي”، في الوقت الذي أعلنت فيه مالي أن روسيا شريك استراتيجي بعيدًا عن التعاون العسكري.

يتزامن ذلك مع تكرار الولايات المتحدة رفضها الصارم لمشاركة الأمم المتحدة في دعم قوة مجموعة الساحل المتعددة الجنسيات للتصدي للإرهاب، والذي ظهر في اجتماع لمجلس الأمن عقب زيارة الوفد الأممي لمالي والنيجر، وتشاركها في ذلك بريطانيا التي تنشر جنودًا أمميين في مالي، وذلك باعتبار أن الأمم المتحدة غير مناسبة لتوفير دعم لوجيستي للقوة المشتركة، وأن هذه القوة “قد كٌلفت بتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب داخل حدودها في شكل رئيسي، ولا يتصل الأمر بقوة متعددة الجنسيات على أرض أجنبية لديها تفويض بوصفها عملية سلام”. بحسب تصريحات السفير ريتشارد ميلز نائب ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، والتأكيد على الحاجة للمساعدات المالية في مجال (التعليم والصحة والتغير المناخي)، أما المجال الأمني فيحتاج مساعدة ثنائية بحجة احتواء دور كهذا على خطر إفقاد قوة الأمم المتحدة في مالي صفة الحياد.

وهو ما يختلف مع الموقف السابق للولايات المتحدة من دعم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للمبادرة الايطالية نحو “تشكيل قوة دولية واسعة لمواجهة تهديد جماعات “داعش” في منطقة الساحل الأفريقي” مع إقراره قبول عضوية موريتانيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية، والتي دعا لها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، في الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد “داعش” الذي انعقد في روما في يونيو 2021. 

وتدعم فرنسا موقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش من إنشاء مكتب أممي لدعم مجموعة الساحل التي تضم 5 آلاف جندي من تشاد ومالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو، باعتبار أن التهديدات الإرهابية عابرة للحدود تحتاج للتنسيق الأمني بين دول المنطقة والقوة المشتركة لتوفير الدعم الدائم، والتي سيتم تمويلها من المساهمات الإلزامية في الأمم المتحدة.

الدور المصري في دعم الساحل الأفريقي

من منطلق الإيمان المصري بخطورة الوضع الحالي من عدم استقرار، والصراع الأمني وتوفير البيئة الخصبة في منطقة الساحل الأفريقي في تنامي الإرهاب وتوفير الملاذ الأمن له، جاءت النظرة المصرية لتحويل فكرة التجمع الاقتصادي المسمى بتجمع دول الساحل والصحراء الذي أنشئ عام 2002 إلى تجمع أكثر شمولية يضم التعاون في كافة المجالات، فتحول كذلك لتجمع عسكرى أمني متكامل. 

فتعتبر مصر منطقة الساحل والصحراء من مناطق الاهتمام المصري بالقارة الأفريقية من منطلق “الأمن والتنمية”، لتشابك حدودها مع دول الجوار المصري في السودان وليبيا، وخاصةً دولتي تشاد والنيجر، فانبثقت عن اجتماع الدول الافريقية اجتماعات لوزراء الدفاع الافارقة التى تعقد سنويًا، واستضافتها مصر فى عامي 2015 وفبراير 2020، وظهرت الرؤية المصرية في موافقة مجلس النواب المصري في مايو 2020 على قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 145 لسـنة 2020 بشأن الموافقة على المعاهدة المنقحة لإنشاء تجمع دول الساحل والصحراء المُعتمدة في أنجمينا (تشـاد) بتاريخ 16/ 2/ 2013. 

وقامت مصر بتنظيم عدة تدريبات مشتركة ومنها التدريبات في قاعدة محمد نجيب العسكرية  باعتباره أحد أساليب المواجهة الشاملة للحرب على الارهاب، كما شاركت في اجماعات وزراء الدفاع وعقدت مؤتمر وزراء الدفاع في شرم الشيخ 2016، للوصول لأقصى تعاون أمني في المنطقةـ يهدف للتعاون والتكامل الإقليمي والدولي، كما دعا الرئيس السيسي خلال مشاركته بالجلسة الافتتاحية للقمة الأفريقية العادية الثالثة والثلاثين بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في فبراير 2020، لاستضافة مصر لقمة أفريقية تخصص لبحث إنشاء قوة أفريقية لمكافحة الإرهاب بدعم من اللجنة الفنية للدفاع ومجلس السلم والأمن الأفريقي والذي ترأسه مصر لشهر نوفمبر عقب فوزها بعضويته للفترة من (2020-2022)، انطلاقًا من الرغبة في نقل التجربة المصرية في مكافحة الإرهاب، ومنع الجرائم عابرة الحدود، من تهديد أمن واستقرار المنطقة والعالم، والاستفادة بأذرع مؤسسات “المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب”. 

وتم الإعلان عن بدء تفعيل مركز مكافحة الإرهاب كأحد أهم مكونات وآليات تجمع دول الساحل والصحراء في بداية الشهر الحالي عقب  سنوات من بدء اتخاذ الخطوات التنفيذية لتشغيله، ووقعت مصر على اتفاقية المقر بين مساعد وزير الدفاع للعلاقات الخارجية اللواء أركان حرب محمد صلاح بالإنابة عن جمهورية مصر العربية والأمين التنفيذي بالإنابة تجمع الساحل والصحراء، ، ويهدف إلى تنسيق جهود دول أعضاء التجمع وتبادل المعلومات لمواجهة الإرهاب الشاملة، ودعم السلم والأمن، وتطورت أنشطة المنظمة إلى عدة مجالات منها التنموي والاقتصادي والاجتماعي.

 وأشار اللواء أركان حرب محمد عبد الباسط المدير العام لمركز مكافحة الإرهاب لتجمع دول الساحل والصحراء في كلمته، إلى أن المنظمة تطورت أنشطتها وفاعلياتها في وغيرها لخدمة المجتمع الإفريقي حتى تطرقت إلى المجال الأمني ومكافحة الإرهاب. وتمثلت أهداف المركز طبقاً للوثيقة التأسيسية في تطوير التعاون بين الدول الأعضاء لتحسين الأوضاع الأمنية وتحقيق الاستقرار ودعم مبادرات التصدي للأصولية والفكر المتطرف، وبناء قدرات الدول الأعضاء، خاصةً في مجال التدريب وتبادل المعلومات والتقديرات الاستراتيجية وتنسيق التعاون العسكري.

يتضح لنا من الرؤية المصرية والخطوات الحثيثة التي اتخذتها لتفعيل عمليات مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، في ظل الموقف الدولي المتشابك وتعقد الوضع في تلك الدول، في اتخاذ خطوة التفعيل لزيادة التعاون الأمني والتنموي في المنطقة من خلال تجمع الساحل والصحراء، من خلال التأكيد على فكرة التأثير العابر للحدود وعدم فاعلية التعاون الثنائي، وإنما العمل على تكوين تكتلات قادرة على توجيه التمويل والمساعدات الدولية في ظل الاختلاف الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. 

وعليه على الدولة المصرية الاستفادة من رئاستها لمجلس الأمن والسلم الدوليين في نوفمبر الحالي، وتنظيم القاهرة قمة أفريقية تخصص لبحث إنشاء قوة أفريقية لمكافحة الإرهاب، لمواجهة التحديات الحالية التي تواجه المنطقة من تصاعد وجود المرتزقة وانسحاب القوات الدولية واستبدالها بقوات تاكوبا الدولية، والتنسيق الفعال الذي سيلاقي دعم فرنسي غربي لتقويض عمليات الإرهاب واستعادة الدور المؤثر في المنطقة، بما يخدم أهداف التنمية والأمن في المنطقة والذي ستستعى لها مصر، والذي يمكن أن يعد نواة للمكتب الأممي المشترك الذي تسعى الأمم المتحدة لتكوينه، والاستفادة بتمويله من المساهمات الإلزامية في الأمم المتحدة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى