أفريقيا

إثيوبيا بين تفكك الدولة الموحدة ودوافع التدخلات الخارجية

ترجعنا تحالفات المعارضة الإثيوبية في واشنطن وتقدم جبهة تحرير التيجراي نحو العاصمة أديس أبابا عقب تحالف الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفدرالية الإثيوبية، ودعوات الدول بسحب جاليتها، ودراسة إسرائيل حماية الأقليات من يهود الفلاشا، والمطالبة الإعلامية بإعادة بناء الدولة المهددة والتهديد بفرض عقوبات؛ أمام سيناريو عودة دخول القوات الأجنبية لحماية المدنيين من العمليات العسكرية وحماية المرحلة الانتقالية للوصول للحكم الديمقراطي، إلى جانب المشاركة في جهود إعادة الإعمار في ظل التنافس الدولي. وخلق بيئة خصبة للتدخل، فما دوافع كل دولة والمصير المحتمل للفيدرالية الإثيوبية؟ 

الوضع الحالي في إثيوبيا

مر ما يقرب من عام على عملية “إنفاذ القانون” التي نفذها آبي أحمد علي رئيس الوزراء الحالي لإثيوبيا، عقب فوزه في انتخابات مشكوك في صحتها، والتي بدأت في نوفمبر ٢٠٢٠ ضد جبهة تحرير التيجراي في الإقليم الشمالي لإثيوبيا والذي يطلق عليه الأقلية الحاكمة نظرًا لسيطرته على المناصب العليا بالبلاد، والتي انسحبت من ائتلاف الجبهة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الحاكمة ورفضها الانضمام لحزب الازدهار الموحد (الحزب الحاكم الحالي)، وإجراء انتخابات داخلية في الإقليم في تحدِ للحكومة الفيدرالية.

وقد أعقب تنفيذ هذه العملية إعلان آبي أحمد السيطرة على الإقليم واعتقال قادته وهروب آخرين عقب التحالف مع القوات الإريترية وجماعة الأمهرة المسلحة والتي تطلق عليهم القوى الدولية “القوات المتحالفة”، تمكنت جبهة تحرير التيجراي منذ يونيو الماضي من استرداد أراضيها، والتقدم نحو الأقاليم المجاورة في العفر والأمهرة؛ الإقليم الأقرب للعاصمة الإثيوبية ومقر الحكم أديس أبابا. 

ونفّذ آبي أحمد بعد الانتخابات التي فاز فيها رغم التشكيك في شرعيتها بقصف جوي للإقليم، في محاولة لاستعادة الأجزاء التي سيطرت عليها جبهة تحرير تيجراي التي نسجت تحالفًا قويًا مع جبهة تحرير الأورومو المنشقة عن جير تحرير الأورومو. وكان يوم الجمعة الماضي هو العلامة الفارقة في تطور الأوضاع في البلاد، فعقب قيام ٩ فصائل بالتحالف مع جبهة تحرير التيجراي والسيطرة على مدينتي “كومبولشا وديسي” الاستراتيجيتين الواقعتين شمال أديس أبابا أعلن آبي أحمد حالة الطوارئ في البلاد.

وتعد تلك المدن استراتيجية نتيجة قربها من العاصمة وخطA2  الرابط بين التيجراي والعاصمة، وكذلك بالقرب من الطريق الدوليA1  الذي تمر منه ٩٥% من الصادرات إلى ميناء جيبوتي. وتمتلك كولومبشيا مطارًا دوليًا ومنطقة صناعية، وبالتالي سقطت المنطقة الشرقية من إقليم الأمهرا في يد الجماعات المسلحة، وأجلت الجماعات المسلحة تقدمها إلى العاصمة أديس ابابا حتى السيطرة على مدينة ميلي الواقعة على خط ربط العاصمة بميناء جيبوتي للسيطرة على المدينة.

وتصف الجبهة المتحدة من الفصائل التسع المكونة نفسها بأنها مكون سياسي عسكري يسعى للوصول إلى حكومة انتقالية من خلال التعاون الدولي لمواجهة الجيش الإثيوبي والقوات المتحالفة، وتضم المجموعة بجانب جبهتي تحرير التيجراي وتحرير الأورومو عدة جبهات حديثة منفصلة عن الحكومة الفيدرالية في الأقاليم المختلفة مثل العفر وجامبيلا وبني شنقول وصوماليا ومنهم “جبهة وحدة عفار الثورية الديمقراطية، وحركة آجاو الديمقراطية، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وجيش تحرير شعب جامبيلا، وحركة العدالة والحق للشعب الكيماني العالمي- حزب كيمانت الديمقراطي، وجبهة سيداما للتحرير الوطنية، ومقاومة الدولة الصومالية”.

ونتيجة للضغوط التي يفرضها هذا التحالف على آبي أحمد، اتخذ رئيس الوزراء الإثيوبي من الخطاب العنصري والحض على الكراهية أساسًا لخطاباته ووسيلة للحشد عقب إعلان الطوارئ وتجنيد من هم دون الـ18 عامًا، وعودة العسكريين المتقاعدين اللائقين بدنيًا، إلى الحد الذي قرر على إثره موقع فيس بوك حذف منشور له عن دفن المتمردين وعدم التراجع. وقد اعتبر آبي أحمد هذا التحالف المناوئ له مضادًا للديمقراطية التي يزعم أنه يحميها ودعا إلى عودة المعارضة، فجاء رد التحالف بأن المعارضة تم إيقافهم أو اعتقالهم، مما غير من مفهوم حسن النية لدى الحكومة الإثيوبية.

حالة الطوارئ ورعايا الدول

دفعت حالة الطوارئ التي فرضها آبي أحمد لمدة ٦ أشهر ونفذها قبل تصديق البرلمان عليها، والتي بموجبها ألقى القبض على 10 موظفين من التيجراي عاملين بالمنظمات الدولية للأمم المتحدة، إلى اصدار الدول تحذيرات لرعاياها بضرورة مغادرة البلاد، ومنهم المملكة العربية السعودية والكويت والأردن وايطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة. 

وفي المقابل، أغلقت السفارات الإثيوبية بالخارج أبوابها أمام التيجرانيين، وهناك أنباء عن هروب سياسيين وعسكرين منهم مدير وكالة الأمن المخابراتي ودبلوماسيين إثيوبيين من البلاد نتيجة الوضع الأمني المتدهور، واستكمل آبي أحمد خطته في عزل إثيوبيا بعيدًا عن نقل الواقع الفعلي في البلاد للخارج.  

وتزامنت حالة الطوارئ مع زيارة المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان إلى إثيوبيا دون أن يلتقي مسؤولين رفيعي المستوى، مع المطالبة بوقف إطلاق النار وإجراء حوار سياسي رفضته الحكومة الإثيوبية والفصائل المتناحرة، نتيجة للتعنت وعدم الاعتراف بشرعية الآخر والرغبة في الوصول للحكم في ظل التقارب الدولي بين أطراف الأزمة. ثم عاد مرة أخرى إلى إثيوبيا عقب زيارته إلى كينيا الدولة التي قيل إنها تقود الحوار سرًا بين الأطراف المتنازعة دون تقدم يذكر؛ لدفع عملية الحوار بالتعاون مع مبعوث الاتحاد الأفريقي. 

المواقف الدولية ودوافعها

هناك بعض التحركات الأفريقية والدولية في محاولة للتفاوض حول وقف إطلاق النار، ولكن جاءت الدعوات دون نتيجة تذكر. ومن هذه الجهود ما جاء في بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، ورئيس كينيا أوهورو كينياتا، ودعوة أعضاء مجلس الأمن بضرورة الامتناع عن خطاب الكراهية والتحريض على العنف، مؤكدين دعم جهود الاتحاد الأفريقي، والإعراب عن القلق إزاء تكثيف الاشتباكات العسكرية وتزايد العنف والانقسام في البلاد، والدعوة لحوار وطني شامل على أسس السلام.

وقد تم إرجاء الاجتماع المفترض من مجلس الأمن لبحث قضية السلام والأمن في أفريقيا، كذلك قام وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، مارتن جريفيثس بلقاءات يوم الجمعة مع آبي أحمد، ونائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية، ديميكي ميكونين. وتم خلالها التباحث حول الأوضاع الإنسانية وضرورة إيصال تلك المساعدات، حيث يتم استهداف حوالي 20 مليون شخص بالمساعدات الإنسانية، بما في ذلك سبعة ملايين من المتضررين بشكل مباشر من النزاع في شمال إثيوبيا. وناشد برنامج الأغذية العالمي، ومفوضية اللاجئين والوكالة الوطنية الإثيوبية لشؤون اللاجئين والعائدين ضرورة الحصول على 68 مليون دولار لتجنب تخفيض الحصص الغذائية لأكثر من 700 ألف لاجئ، حيث تبلغ فجوة التمويل للاستجابة الإنسانية في إثيوبيا لعام 2021 أكثر من 1.3 مليار دولار.

وحذرت روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام خلال جلسة لمجلس الأمن عن الوضع في إثيوبيا من حالة عدم اليقين وتأثير الصراع الكارثي على استقرار منطقة القرن الأفريقي كما يضع مستقبل البلاد أمام أبعاد كارثية، مؤكدة دعوات الأمين العام ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وتهيئة الظروف لحوار إثيوبي شامل لحل الأزمة وإرساء أسس السلام والاستقرار في جميع أنحاء البلاد، مع التزام الأمم المتحدة بالتواجد في إثيوبيا وضرورة مراعاة السلطات لهم بغض الطرف عن خلفيتهم في رد على اعتقال 10 أشخاص تابعين للمنظمة من التيجراي.

 وسبق وأن شددت الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيجاد) على ضرورة وقف الاعمال القتالية بين أطراف الصراع في إثيوبيا ووقف إطلاق النار، ودعا الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني إلى عقد اجتماع للمجموعة في 16 نوفمبر لبحث سبل انهاء الصراع. 

واتخذت بعض الدول من الوضع الأمني المتردي في البلاد، ذريعة للوجود على خط الأزمة لحماية مصالحها في البلاد، وتمثلت في التالي:

إسرائيل: في الوقت الذي تُتهم فيه إسرائيل بعنصريتها ضد يهود البيتا أو الفلاشا في تل أبيب ومعاملتهم من الفئة الدنيا، أعربت الخارجية الاسرائيلية عن تخوفها ورغبتها في حماية 10 آلاف يهودي إثيوبي يقيمون في المخيمات بأديس أبابا وجوندار الشمالية على أمل الهجرة إلى إسرائيل، من خطر التقدم العسكري للجماعات المسلحة إلى أديس أبابا، وظهر ذلك في الاجتماع الداخلي الطارئ الذي عقده وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد. 

ويرجع هذا التوجه إلى عدة دوافع، منها الدافع الديني لحماية أقلية دينية في البلاد، إلا أن الدافع الديني الأيديولوجي لإسرائيل يكمن في الاعتقاد بوجود تابوت العهد ورسالة الخلاص، وهو ما تدعو إليه الصهيونية العالمية وجماعات الضغط في الولايات المتحدة من أجل الدفع نحو النزاع الأهلي في إثيوبيا للتعجيل بوصول المخلص في ظل دفع النزاعات الطائفية في البلاد بدعم من آبي أحمد البروتستانتي.

وهو ما سبق الإشارة إليه في تقرير سابق حول الكهنوت الديني في إثيوبيا، هذا إلى جانب الرؤية الإسرائيلية المعلنة بمحاولة وقف التمدد الإيراني التي تحاول فرض سيطرتها على البحر الأحمر ومملكة الجنوب، هذا إلى جانب أن اسرائيل قد توجهت إلى أفريقيا في سياسة دبلوماسية للحصول على القبول والتأييد مقابل القضية الفلسطينية في المنظامت الدولية، وتعمل على زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدين للحد الذي وصل إلى توقيع اتفاقية إقامة منشأة لتحويل طائرات “بوينج” في إثيوبيا من نقل الركاب إلى نقل البضائع في ظل التوجه السياسي الدبلوماسي العقائدي الاقتصادي بين البلدين، وتزايد فرص التعاون بين البلدين. 

معسكر الغرب والولايات المتحدة: يمكن شرح الموقف الأمريكي الداعي للحوار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، في انقلاب على الحليف الإثيوبي الأسبق والخلافات الواضحة مع حكومة آبي أحمد، واتهامه بجانب إريتريا إلى ارتكاب جرائم حرب والدعوة إلى سحب القوات الإريترية من النزاع في التيجراي، وهو ما بدا واضحًا أمام اختيار الفصائل المعارضة المتعاونة من واشنطن مقرًا للتوقيع فيما بينها على الرغم من الاتفاق بينهم الذي بدأ منذ نحو ثلاثة أشهر.

وهي رسالة واضحة على عدائية الحكومة الإثيوبية، والذي ظهر كذلك في التهديد بفرض عقوبات وتعليق برنامج اقتصادي وعدم الاستفادة من قانون الإعفاءات الجمركية “أجوا” كمطلب رئيسي بسبب ما تعتبره واشنطن بأنه “انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليًا” في صراع عرقي. وحذرت منظمة العفو الدولية يوم الجمعة من أن الأمة “تتأرجح على شفا كارثة حقوقية وإنسانية”.

واتخذ الغرب والولايات المتحدة مواقف متشابهة من القضية بتوجيه اتهامات بالانتهاكات الحقوقية للحكومة الفيدرالية؛ نتيجة التنافس الدولي ومواجهة التواجد الروسي المضطرب الذي حاول أن يدخل على مناطق النفوذ الغربية من خلال القوات شبه العسكرية فاجنر.

فطالبت 16 دولة بقيادة الولايات المتحدة ومن بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا جميع أطراف الصراع في إثيوبيا بوقف الأعمال العدائية والدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة لوقف دائم لإطلاق النار، إلى جانب ضمان تحقيق المساءلة الجادة للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في إثيوبيا، ودعوا في بيان مشترك إريتريا إلى سحب قواتها مع تحقيق المساءلة في الانتهاكات التي ارتكبتها قواتها. وكذا، أعربت الحكومة الايطالية عن القلق العميق إزاء تدهور الوضع في إثيوبيا في الأيام الأخيرة”.

ظهر مفهوم إعادة الإعمار في الأقاليم الإثيوبية محل الصراع كمصطلح معلن في الخطاب الأمريكي، في ظل المطالبة بضرورة مراعاة حقوق الإنسان وعدم الانجرار للانتهاك العرقي، وذلك عقب فشل المحاولات الدبلوماسية الأمريكية التي حاولت تغيير صورة سياسة ترامب الخارجية المعلنة باسم “أمريكا أولًا”، والتي عمدت إلى رفع شعار حقوق الإنسان، والضغط على الحكومة الفيدرالية بسياسة فرض العقوبات؛ إلا أن التعنت الإثيوبي ومحاولة السيطرة على نظام الحكم ثم استعادة بناء التحالفات، في ظل التنافس الدولي والمدعوم من “روسيا والصين” نظرًا للمصالح الاقتصادية الصينية، والعسكرية الروسية وقفت أمام التحالفات الأمريكية، التي تتجه نحو العودة لسياسة أوباما في التدخل في الدول عن طريق الدخول المادي للسيطرة على الأوضاع ورعاية الفترات الانتقالية. 

الصين وروسيا: رفضت روسيا سياسة توقيع العقوبات على إثيوبيا، واعتبرتها “أسلوب ضغط أحادي” لن يسهم إلا في مزيد من الأزمات الاقتصادية في البلاد، وتعتبر الصين وروسيا الوضع في التيجراي “أمرًا داخليًا” لا يجوز التدخل فيه، وبالتالي لن يخرج بيان موحد من مجلس الأمن بسبب موقفهما، ويعود ذلك غلى السياسة الاقتصادية التي تنتهجها الصين في أفريقيا، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والاستثمارات والتجارة البينية.

ووفقًا لإحصائيات مبادرة أبحاث الصين وإفريقيا في جامعة جونز هوبكنز، فقد وقعت الحكومة الإثيوبية اتفاقيات مع مقرضين صينيين بنحو 13.7 مليار دولار خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2018، فيما يأتي التعاون العسكري على رأس الاهتمام الروسي.

وربما يدعو النزاع ومحاولة التدخل الغربي -الذي قد يؤدي إلى تراجع الدور الصيني الروسي في إثيوبيا نتيجة تأثير الوضع الأمني على الاستثمارات الصينية والتواجد الروسي بالقرب من المنطقة الجيوسياسية بالبحر الأحمر- إلى دعم دخول القوات شبه العسكرية الروسية لدعم القوات الفيدرالية التي تخدم المصالح الروسية، في ظل التنافس الدولي وتهديد الوجود الروسي في دول الجوار من دول القرن الإفريقي، والتي تحاول الولايات المتحدة الحضور بقوة بالشكل الدبلوماسي والسياسي المعلن في ظل توجيه المساعدات التي تعجز روسيا عن تقديمها بشكل كامل.

تأثير المواقف الدولية والوضع السياسي الإثيوبي على سد النهضة

يؤثر الصراع الحالي على استقرار الحكم السياسي في البلاد، وتنمية الأقاليم والأوضاع الاقتصادية للدولة الإثيوبية التي حققت معايير الدولة الهشة من فرض عقوبات وخفض تصنيفها الائتماني والتدخلات الخارجية، مما يضعنا أمام سلاح ذي حدين؛ الأول هو عدم القدرة على استكمال أعمال البناء والتي قد تؤدي إلى حدوث أضرار جسيمة في جسم السد، إلى جانب عدم القدرة على تعديل العيوب الفنية المعلنة. والآخر صعوبة التوصل لاتفاق ملزم لإثيوبيا في ظل فقد الشرعية الدولية والتفاوض مع حكومات قد تكون غير معترف بها داخليًا وخارجيًا، وتهديد الشرعية الداخلية للحكومة الفيدرالية، وبالتالي ستظل أي مفاوضات إن عقدت غير ملزمة ويمكن انتهاكها من الفصائل المتناحرة.

وكذا، سيؤدي الوضع الحالي إلى تزايد الضغوط الدولية في العمل على الوصول إلى حوار سياسي شامل قد يمثل بابًا لوجود قوى دولية لرعاية الأقليات الداخلية وحماية حقوق الإنسان، ورعاية عملية الانتقال الديمقراطي في حال سيطرة الجماعات المسلحة من التيجراي والفصائل المتحدة، كما حدث في الدول المجاورة بالقرن الأفريقي وعدوى الانقلابات في منطقة الساحل والصحراء. 

وتواجه الخارجية المصرية الأمر بحضور أزمة سد النهضة على الطاولة الدبلوماسية والسياسية المصرية والذي ظهر مؤخرًا في الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي الذي أُقيم يومي 8 و9 نوفمبر الحالي بين وزيري الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، ودعم الأخير للموقف التفاوضي برعاية أفريقية لتنفيذ القرار الرئاسي لمجلس الأمن. هذا إلى جانب التقارب المصري الأمريكي والأوروبي والبريطاني؛ فتزايدت العلاقات المصرية البريطانية في محاولة لاستعادة الوضعية الدبلوماسية البريطانية القائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة والتي ظهرت في قمة المناخ COP26  بجلاسكو، وبوصفها راعي اتفاقية المياه بين مصر والسودان وإثيوبيا. 

يضعنا الوضع الحالي في الدولة الإثيوبية أمام سيناريو استمرار الصراع. إما بسيطرة التيجراي على العاصمة الإثيوبية، وبالتالي بداية الصراع مع الفصائل المتحالفة في السيطرة على الحكم. أو استمرار آبي أحمد بدعم عسكري وسلاح إيراني روسي صيني لمواجهة التقدم من القوات التيجرانية. ولكن تقابله صراعات أكثر حدة متمثلة في النزاعات العرقية الطائفية التي تفتت الأقاليم الإثيوبية من الداخل بينها وبين الحكومة الفيدرالية وبينها وبين بعضها البعض في ظل الدفع بالمدنيين في الوقوف أمام قوات مسلحة وهو ما ظهر في الحشد ضد التيجراي في أديس أبابا، والدفع الخارجي نحو ضرورة التفاوض والوصول لمسار تفاوضي يضمن وقف إطلاق النار الدائم، 

ويُطرح سيناريو آخر وهو انقلاب داخلي؛ فيظل انقسام الجيش؛ مما يضع من الدولة الإثيوبية دولة في مهب الريح إما دولة ممزقة داخليًا من الصراعات أو وقوعها ضحية الحروب بالوكالة من خلال التدخل المادي لقوات دولية بدوافع برجماتية بدعوى حماية الانتقال السلمي أو اتفاق السلام، وإعادة الإعمار ورعاية المسار الانتقالي زاعمة عدم تكرار ما حدث في دول الجوار، مما يضعها أمام معضلة تحتاج فيها لتحسين التحالفات الخارجية والعلاقات مع الدول ذات التأثير في القرارات العالمية والوصول لصيغة مبتكرة للحكم تقيها من التفتت الداخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى