السودان

الحدود السودانية/ الإثيوبية.. بين أوراق الضغط والسلام الشامل

نبرات تصاعدية وخلافات داخلية عنوان المشهد الحدودي المتنازع عليه بين السودان وإثيوبيا، والذي يتسم بالتعقيد دون وجود مبادرات دولية حقيقية للتدخل أو إقليمية في ظل رئاسة السودان لمجموعة “إيجاد”، فكانت رقعة الشطرنج على الأرض الحدودية لحكومة آبي أحمد محاولة أن تنادي بالتدخل الدولي في محاولة لاستعادة الأراضي السودانية تحت سيطرتها لإرضاء قومية الأمهرة الداعم الأوحد لحكومة آبي، يقابلها تصعيد من المكون العسكري السوداني.

فاستخدمت إثيوبيا ورقتي ضغط على الجانب السوداني متمثل في المطالبة في التصعيد الدولي للقضية الحدودية والتمسك بموقف ١٩٧٢ وعملية الملء الثاني للسد وأخيرًا دعم الجماعات المسلحة السودانية في الجنوب والتلويح بمنطقة آبيي الحدودية مع جنوب السودان وتعاونها القوات الإريترية وميلشيات الأمهرة.

أما عن السودان فتتخذ من اتفاقية ١٩٠٢ الدليل الفعلي لأحقيتها في أراضي الفشقة ومن اتفاق المبادئ مع حركة عبد العزيز الحلو لسد الثغرات الأمنية في الجنوب، وكذلك تصعيد ملف سد النهضة الذي كانت تطالب فيه السودان بالمعلومات حول السد وسط رفض إثيوبي تغير مؤخرًا كسياسة مراوغة.

وهو ما يضعنا أمام قضية متشابكة الأطراف قد لا يتم تحييد بعضها وسط مطالبة دولية بالوصول لسلام شامل في القضايا العالقة وسط التخوف من الحرب الشاملة التي تهدد مصالحهم في منطقة القرن الإفريقي، وكذا يخشى المجتمع الدولي من تدفق الهجرة من ثلاث دول هي إثيوبيا والسودان وإريتريا، وكذلك المخاوف الإقليمية؛ إذ شهد اليمن تدفقًا إثيوبيًا كبوابة للعبور إلى المملكة السعودية وإسرائيل وأوروبا. 

التصعيد الإثيوبي وموسم الحصاد

شهدت الأيام الأخيرة تصريحات تصعيدية من الخارجية الإثيوبية تطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف القوات السودانية عن التقدم في الأراضي الإثيوبية بحسب قولهم، وأن السودان تسعى للحرب بهذه الانتهاكات، فيما جاء الموقف السوداني بالتاكيد على السلمية وأن القوات السودانية لم تتقدم منذ استعادتها لأراضي الفشقة الحدودية، ودعت الجانب الإثيوبي للمفاوضات وفقًا لاتفاقية ١٩٠٢، ووضع العلامات الحدودية؛ وهو الاتفاق الذى اعترفت به الحكومات الإثيوبية بشكل رسمي أمام البرلمان، والتي تصفها إثيوبيا الآن بالاستعمارية وتدعو للعودة لاتفاق ١٩٧٢، فيما فشلت لجان ترسيم الحدود التى تم ترسيمها بين البلدين. 

ويعود توقيت هذه التصريحات التصعيدية الإثيوبية وسط فتح جبهات اقتتال داخلي في التيجراي، وانتهاكات حقوق الإنسان التى ارتكبتها قوات الحكومة الفيدرالية ضد نساء الإقليم والأطفال، وكذلك مطالبة ليندا توماس جرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، الأخيرة بضرورة انسحاب الجنود الإريتريين من الإقليم الذين يتعمدون ارتداء زي الجيش الإثيوبي، وذلك عقب اعتراف إريتريا الأول بوجود قوات لها في الإقليم بعد الإعلان عن خطة الانسحاب.

وبالرغم من الإعلان عن وقف العمليات العسكرية في الإقليم إلا أن هناك تقارير أممية حول أعمال تطهير عرقية تجريها الحكومة الفيدرالية ضد قومية التيجراي، وانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات الاغتصاب الوحشية ضد النساء والأطفال في الإقليم. 

وبالتساؤل حول مدى تغير اللهجة الإثيوبية التي عادةً ما ترفض ما تسميه التدخل الدولي في شأن داخلي، إلى اقتراب موسم الحصاد الذي يشهد كل عام هجمات متفرقة من جماعة الشفتة الإثيوبية بالتزامن مع موسم الخريف الإثيوبي والأمطار، فتتقدم الميلشيات من جماعة الشفتة المسلحة الأمهرية المدعومة من الحكومة الإثيوبية على الأراضي السودانية في أبريل من كل عام بالتزامن مع موسم الحصاد وقبل موسم الأمطار التى تتزايد في يونيو ويوليو وأغسطس، للاستيلاء على المزارع السودانية وسرقة المحاصيل والموارد الخصبة بالمنطقة. فتأتي هذه التصريحات قبيل موسم الحصاد كتعبير لرئيس الوزراء آبي أحمد عن دعمه للهجمات التى ستشنها جماعة الشفتة في حال تخلي القوات السودانية، وكمبرر للتصعيد المتوقع ودعمه من القوات الفيدرالية بزعم أن السودان هو من يحاول الحرب. 

ولم يكن دعم استيلاء جماعة الشفتة الأمهرية المدعومة من القوات الإثيوبية على الأراضي السودانية إلا لإرضاء الحليف الأوحد لحكومة آبي مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر لها ٥ يونيو المقبل، ولكن هل سيغامر آبي بإشعال جبهة جديدة تزيد من أعمال العنف قد تعرقل العملية الانتخابية التى رسم لها بإزاحة كافة احزاب المعارضة من الأورومو، وكذلك إقصاء التيجراي المكون الأكثر تأثيرًا من المشهد؟ 

انتخابات إثيوبيا وفرض سياسة الأمر الواقع لتجنب مزيد من الصراعات:  

يبدو أن إثيوبيا تعاني من الكثير من جبهات المقاومة والعنف الداخلي، إذ ستشهد الانتخابات المقبلة مولد الإقليم الحادي عشر لإثيوبيا وهو إقليم جنوب غربي إثيوبيا عقب انفصال السيداما الإقليم العاشر، والذي يرجع تاريخ المطالبة به لعهد ميليس زيناوي، على أن يتزامن الاستفتاء مع الانتخابات العامة المقبلة التي عملت على ضم خمس مناطق قومية جنوب غربي إثيوبيا عام 1992، ويتكون من خمس مناطق هي (كونتا، وغرب أورومو، وبينش شكو، وكافا داور، وشيكا).

وبجانب هذه المطالب فإن العملية الانتخابية الإثيوبية والمشهد الداخلي ينذر بمزيد من العنف والتوترات التى ازدادت مع بداية عملية تسجيل الناخبين في مارس الماضي؛ إذ تشهد منطقة الأمهرة أعمال عنف أسفرت عن مقتل وجرح المئات، وحرق المنازل ومواجهات مع الأورومو والنزاعات في إقليم بني شنقول-جوموز.

فقد أعلنت مفوضية شرطة إقليم “أوروميا” الشهر الماضي عن مقتل 28 مدنياً وإصابة 12 آخرين غرب منطقة “وللجا”، كما شهد إقليم عفار مقتل 100 شخص على الأقل في اشتباكات شهدتها الحدود بين منطقة عفار والمنطقة الصومالية في إثيوبيا، وتشهد المنطقة نزاعًا متعددًا مع الأورومو من جهة وجبهة تحرير العيسيوى التى تتهم عفار جيبوتي بدعمها بالتعاون مع القبائل العيساوية لاستقطاع الأراضي العفرية الموجودة على نهر أواش والسيطرة عليها. 

ففتح جبهة جديدة بالتزامن مع الانتخابات المقبلة سيمثل تهديدًا لإجرائها، وبالتالي استخدمت حكومة آبي احمد والذي يشارك في الانتخابات المقبلة من خلال “حزب الازدهار”، ورقة سد النهضة وعملية الملء الثاني ومحاولة استمالة السودان لجانبها عقب التوافق المصري السودانى حول ضرورة التوصل لاتفاق قانونى ملزم بعدما أضرت عملية الملء الأول بمياه النيل السوداني، وأدت إلى جفاف الأراضي الزراعية واحداث أضرار في السدود السودانية.

وتمثلت مخاوف السودان في خطابه الموجه لمجلس الأمن في ١٣ أبريل، عقب تصريحات آبي أحمد بالبدء في الملء الثاني خلال شهري يوليو وأغسطس، من تأثير عملية الملء الثاني على الأمن القومي المائي، والتخوف من تغير النظام الهيدرولوجي للنيل، والتضرر من الآثار السلبية الفنية لعملية تشغيل وتعبئة السد، مما يهدد حياة أكثر من ٢٠ مليون سوداني، إلى جانب سلامة السدود السودانية ونظام السهول الزراعية في البلاد، إلى جانب التاثيرات البيئية على طول النيل الأزرق ونهر النيل الرئيسي باتجاه الحدود مع مصر. 

وعلى الجانب الآخر استخدمت إثيوبيا شعارات بأن السد الإثيوبي سيقي السودان من خطر الفيضانات في محاولة لاستمالة الطرف السودانى دون تبادل معلومات صحيحة حول كفاءة السد والتى انتقدتها الشركات الأجنبية التي اعتمدت عليها أطراف الأزمة لتحديد مدى كفاءة السد الفنية.

وهو ما يضعنا أمام كشف حقيقة الخطاب الإثيوبي الموجه لمجلس الأمن بأن مصر والسودان هي من عرقلت عملية التفاوض، في حين أن الخطاب مزيد من عمليات التسويف التي تنتهجها إثيوبيا، خاصة عقب رسالة وزير الخارجية ديمكي مكونين بفتح المخارج المنخفضة للسد للدلالة على نية إتمام عملية الملء، وذلك نحو مزيد من إتمام استراتيجية الأمر الواقع التي تحاول أن تفرضها إثيوبيا على الجانب السوداني لاستخدامها في عملية التفاوض سواء المتعلق بحقوق المياه أو الملف الحدودي بين البلدين بأن تصبح ذات اليد العليا في المفاوضات. 

السودان وسد الثغرات الأمنية

لم تكتفِ إثيوبيا بالضغط بهذا الملف ولكن كان هناك مطالبة من وزيرة خارجية السودان مريم الصادق المهدي بسحب القوات الإثيوبية من قوات حفظ السلام في منطقة آبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان باعتبارها مصدر تهديد للعمق السوداني في ظل وجود مناوشات على الحدود الشرقية. وذكرت وكالة الأنباء الرسمية السودانية “سونا” أن الحكومة الإثيوبية قدمت دعمًا لوجستيًا من أسلحة وذخائر ومعدات لقوات جوزيف توكا فبراير الماضي وبعض قادة قواته، بغرض تشتيت الجيش السوداني من الشرق والتركيز في الجنوب، واستخدام توكا لاحتلال مدينة الكرمك في الولاية التي تقع على مثلث الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وهي ولاية مضطربة أمنيًا منذ 2011، حيث يقود جوزيف توكا قوات الحركة الشعبية – قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي كانت تقاتل الحكومة السودانية في ولايتي جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق). 

ويذكر أن السودان قد وقعت اتفاق جوبا للسلام أكتوبر 2020 بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة، وغابت عنه حركتان رئيستان وهما حركة الحلو المسيطرة على مناطق واسعة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وحركة تحرير السودان في دارفور بقيادة عبد الواحد نور. واستكمالًا لهذه الخطوة وقع عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني وعبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، إعلان المبادئ في 28 مارس الماضي، ومن المقرر أن تُعقد أول جلسة للتفاوض في 25 مايو المقبل.

وأعلن توت قلواك مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية، رئيسًا للجنة الوساطة في مفاوضات السلام السودانية، مما يعد بمثابة خطوة إيجابية تمهيدًا للتوصل لسلام شامل في السودان وتوقيع انضمام حركة عبد الواحد نور في دارفور للاتفاق، وغلق الثغرات الأمنية الحدودية في ظل النزاع الحدودي مع الدولة الإثيوبية.  

فقد استطاع البرهان أن يقرأ دروس الماضي القريب، باستيعاب المكونات الدينية والإثنية ودمج الحركات المسلحة داخل القوات المسلحة، فيعد اتفاق المبادئ بمثابة احتواء لنزعة حق تقرير المصير لإقليمي جنوب كردفان ودارفور، فقد أصدر البرهان مرسومًا دستوريًا يقضي بعودة الحكم الإقليمي وتقسيم البلاد إلى ثمانية أقاليم بدلاً من 18 ولاية.  

ونجحت وساطة جوبا في التوصل لاتفاق بعكس وساطة أديس أبابا التي لم تحتوي الأزمة بل تضمنت الاحتفاظ بتسلح الحركات، مما سيهدد الأمن الداخلي كما يحدث الآن في منطقة الجنينة والذي أعقبه اتفاق لاتخاذ كافة الترتيبات الأمنية بين الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق والحكومة السودانية. 

وعلى ذكر الوساطة، فإن مطالبة أديس أبابا المجتمع الدولي بالتدخل على الحدود مع السودان، قد يضعنا أمام سيناريو أن يكون الوجود الأممي بشكل شامل بحيث يضمن كافة القضايا الحقوقية والتي تظهر في المطالبة الأممية بسحب القوات الاريترية من إقليم التيجراي وسط تصريحات باستمرار العنف وعمليات الاغتصاب ضد السيدات والأطفال بالإقليم، والذي يظهر في الموافقة الإثيوبية المعلنة دون تنفيذ على أرض الواقع، مما يتطلب ضرورة “التنفيذ” تحت رقابة أممية لضمان إتمام عملية الانسحاب، والنظر في الاتفاقية الحدودية الرسمية ووضع علامات حدودية بين السودان وإثيوبيا، حتى لا تتصاعد أعمال العنف بين البلدين من ناحية وتهديد الأمن القومي السودانى الذي سيؤثر على أمن المنطقة ومصالح المجتمع الدولي.

فعلى المجتمع الدولي أن يعي التهديد الفعلي في حال استمرار المراوغة الإثيوبية في كافة القضايا بدايةً من سد النهضة إلى الوضع في التيجراي والحدود مع السودان. هذا إلى جانب توقع العنف في الانتخابات المقبلة خاصة من إقليمي عفار والأورومو، وهو ما سيقابله تغيير نبرة السودان التصعيدية وبداية توضيح المخاطر على المجتمع الدولي والإقليمي، في حال استمرار النزاع بين البلدين، والمطالبة بالضغط على إثيوبيا وسط إيجاد بدائل للاستثمار الزراعي وتقوية دور جنوب السودان بين دول القرن الأفريقي، لخلق بديل استراتيجي للمجتمع الدولى والمنطقة، مع استمرار نزوح الشعب الإثيوبي وتصدير اللاجئين إلى دول الجوار وعبر جيبوتي والبحر الأحمر إلى اليمن ودول الخليج ومنها إلى الدول الأوروبية؛ فقد  قدرت المنظمة الدولية للهجرة أنه يوجد حاليًا ما لا يقل عن 32,000 مهاجر، معظمهم من إثيوبيا، تقطعت بهم السبل في اليمن، حيث يعد تهريب المهاجرين ما بين القرن الإفريقي واليمن أمرًا شائعًا في السنوات العشر الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى