السودانمصر

قمة دول جوار السودان.. رؤية جديدة للقاهرة لاحتواء الأزمة السودانية

تعد مصر الدولة الأكثر تأثرًا بالأزمة السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 ولا تزال مستمرة وآثارها آخذة في التمدد. ولذلك عمدت القاهرة إلى جمع دول الجوار لطرح رؤية جديدة تستطيع من خلالها صياغة حل سياسي للأزمة، وهو ما يمكن أن يحدث في “مؤتمر قمة دول جوار السودان” والمقرر أن تستضيفه مصر يوم الخميس الموافق 13 يوليو 2023، بدعوة مصرية. وفي ظل تعدد المبادرات، حرصت القيادة السياسية على التوصل إلى صياغة رؤية مشتركة لدول الجوار لتسوية الأزمة، من منطلق الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية، والحد من تأثيرات الأزمة، بالتنسيق مع المسارات الإقليمية والدولية في هذا الشأن، فما الجديد الذي يمكن أن تقدمه؟ 

لماذا دول الجوار السبع؟

من المتوقع أن يضم الاجتماع المقرر عقده 13 يوليو الجاري دول جوار السودان السبع، وهي: مصر، وليبيا، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، وإثيوبيا، وإريتريا، وجنوب السودان. ومن المتوقع أن تكون القمة على مستوى رؤساء وحكومات الدول؛ وذلك لما يمثله السودان من مجال حيوي ليس لتلك الدول الحدودية السبع فحسب وإنما لبقية الدول الأفريقية كذلك، ويمكن إرجاعها إلى التالي: 

الأهمية الاقتصادية: يصل عدد الدول ذات الحدود المشتركة مع السودان ودول جوارها ذات التأثير المباشر بالاضطرابات في السودان إلى نحو 17 دولة، بعدد سكان يقدر بنحو 500 مليون نسمة. وترتبط هذه الدول باتفاقيات وتجمعات اقتصادية مختلفة، وبالتالي فإن أي اضطراب في تلك الدول يؤثر على التبادل التجاري بين تلك البلدان، بجانب صعوبة استخدام المجال الحيوي، بجانب تضاعف أزمات الديون، نتيجة اعتماد عدد من الدول الحبيسة على موانئ السودان وخاصة بورتسودان مثل تشاد وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، أما جنوب السودان فعقب الانفصال أصبح نقل النفط الجنوبي عبر الموانئ السودانية هو الطريقة الأولى لدعم اقتصاد السودان، مع اندلاع الازمة تأثر الأمر بشكل واضح، وهو ما يؤدي إلى تعثر تسديد الديون والقروض لتلك الدول نتيجة تدهور البيئة الأمنية. 

الوضع الإنساني: أدت الاشتباكات وانعدام الأمن إلى انعدام الأمن الغذائي داخل السودان، بجانب الحاجة الماسة إلى المساعدات الإنسانية. ومع اختراق الهدن، وصعوبة خلق ممرات إنسانية، واستهداف منظمات الإغاثة ومستودعاتها؛ نزح العديد من السودانيين الفارين من حالة الحرب في الدولة التي تعاني من أزمات اللجوء الداخلي ودول الجوار نتيجة الصراعات التي كان تعج بها المنطقة وآخرها صراع التيجراي قبل اتفاقية السلام ولجوء الإثيوبيين إلى الحدود السودانية، كما يوجد أكثر من 134 ألف لاجئ إريتري في السودان كانوا فارين في التيجراي وانتقلوا إلى السودان مع اندلاع حرب التيجراي نوفمبر 2020.

ومع تصاعد العنف والنزاع العسكري في البلاد، زادت عمليات النزوح للسودانيين. وكان آخرها عملية الفرار من الجنينة غرب دارفور إلى مدينة أَدري في تشاد وفقًا لبيان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي نشرت عمليات النهب والسرقة التي تقوم بها الدعم السريع للممتلكات والأفراد، مما دفع مفوضية شؤون اللاجئين و134 شريكا لإطلاق نداء مايو الماضي لجمع 445 مليون دولار لخطة الاستجابة الإقليمية المشتركة بين الوكالات للاستجابة للاجئين في خمس دول، وأشارت إلى أنها تضع خططا لتدفق 860 ألف شخص من السودان، سواء من اللاجئين أو العائدين إلى بلدانهم بعد أن كانوا لاجئين في السودان.

وأظهرت الأرقام الأممية التي سجلتها مصفوفة تتبع حركة النزوح أن 40% من إجمالي الفارين لجأوا إلى مصر، بينما وصل 28% إلى تشاد، و21% إلى دولة جنوب السودان، أما البقية فلجأوا إلى إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. ووفقًا لبيانات الخارجية المصرية، استقبلت مصر حتى الشهر الماضي أكثر من ٢٠٠ ألف مواطن سوداني منذ اندلاع الأزمة، بجانب ما يقرب من ٥ ملايين مواطن سوداني موجودين بالفعل في مصر منذ ما قبل الأزمة. وهو الأمر الذي يتطلب ضرورة التعاون الدولي لدعم توافد السودانيين في ظل الظروف الاقتصادية التي تؤثر على الوضع الداخلي لتلك البلدان، وضرورة وفاء المجتمع الدولي بتلك المتطلبات. 

الوضع الأمني والأهمية الجيوسياسية: بجانب الأهمية الجيوسياسية لموقع السودان على الممر الملاحي المهم في البحر الأحمر، وكونها ممرًا مائيًا للعديد من الدول، ودولة جوار للخليج العربي؛ فإن موقعها يربط بين شرق أفريقيا ودول الساحل والصحراء والغرب الأفريقي، وهي المنطقة المليئة بالجماعات الإرهابية، والتي أدت الاضطرابات الأمنية إلى سيطرتها على مقدرات بعض الدول، فضلًا عن تزايد الاضطرابات نتيجة عمليات التهريب والسيطرة على الموارد مثل الذهب في دارفور وتشاد. وهو الأمر الذي سيزيد من معاناة حكومات تلك الدول في حربها مع الإرهاب، هذا بجانب تقليص الدور الغربي في الساحل والصحراء وانسحاب بعثة حفظ السلام “مينوسما” من مالي نتيجة الخلاف مع الحكومة الانتقالية في مالي وفقًا لقرار مجلس الأمن.

وعلى مستوى الصراع الداخلي، يرتبط السودان بعلاقات قبلية مع دول الجوار، وبالتالي فإن اضطراب الجوار قد يضر تلك الدول ولعل أهمها: انتشار الصراع في دارفور، والصراع الطائفي بين القبائل العربية والأفريقية، ونقل الصراع في الحدود مع تشاد والخلاف القبلي لحد اتهام الحكومة التشادية للجماعات المسلحة في دارفور بمحاولة قلب نظام الحكم في تشاد.

وتتأثر كذلك بتداعيات الحرب في السودان كل من إثيوبيا وإريتريا التي يتهمها رئيس مجلس السيادة السوداني بدعمها لمليشيات الدعم السريع. وفي جنوب السودان، لم تخمد الحرب بين البلدين منذ الإنفصال وخلق الخلافات الهشة حتى توقيع اتفاقية السلام لإدارة الحدود. وفي ليبيا، هناك حديث حول التخوف من تسلل بعض القوات والمقاتلين إلى الجنوب الليبي، فضلًا عن أن الأوضاع المضطربة وتخوف هروب الجماعات المسلحة قد يؤثر على مسار العملية السياسية في ليبيا وقرارات اللجنة العسكرية المشتركة 5 +5 بخروج المرتزقة. 

ماذا ستقدم القاهرة؟

أدى تأثر دول جوار السودان المباشر بالوضع في الخرطوم إلى سعي القاهرة لصياغة رؤية موحدة جديدة متوافقة مع الأهداف المتبادلة لتلك الدول للوصول لحالة من الاستقرار. وقبل توقع هذه الرؤية، يمكن النظر في المبادرات السابقة التي صيغت من قبل حتى يمكن تقديم صياغة تلك الرؤية، ويمكن طرحها في التالي: 

المبادرات الأفريقية: وكان آخرها اجتماعات اللجنة الرباعية لمنظمة الإيجاد المنعقدة في أديس بابا يوم الاثنين 10 يوليو، والتي قاطعتها الحكومة السودانية اعتراضًا على رئاسة كينيا لاجتماعات اللجنة؛ إذ يتهمها السودان بالانحياز لطرف الدعم السريع. وتوصل البيان الختامي للجنة إلى بنود خارطة طريق سبق وأعلنها الاتحاد الأفريقي بالتعاون مع الإيجاد وتضم: “النظر في نشر قوات حفظ السلام، ووقف إطلاق النار غير المشروط، وتوحيد الجهود لجمع طرفي النزاع وجهًا لوجه، ونزع السلاح، ووجود قوات لحفظ المناطق الاستراتيجية بالعاصمة من قوات الشرطة والأمن السوداني”.

وهو الأمر الذي دفع السودان إلى رفض المبادرة منذ إعلانها، حتى وصفها نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار بأنها احتلال وتدخل في الشأن السوداني ولا تحافظ على سيادة البلاد. ويرجع هذا الرفض كذلك إلى تبني لجنة السلم والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي لمبادرة الإيجاد، في ظل الخلاف مع الاتحاد الأفريقي مع تعليق عضوية. وربما يتوافق طرح المبادرة كذلك مع بعض بنود الاتفاق الإطاري لجذب المكون المدني الذي لم يستطع الوقوف أمام الحرب بالأساس. 

مفاوضات جدة: استضافت مدينة جدة عدة اجتماعات بين طرفي النزاع بناء على جهود الوساطة التي قادتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وتوصلت هذه الاجتماعات إلى عدد من الهدن لوقف إطلاق النار في مرحلة التقاط الأنفاس وخلق ممرات إنسانية في ظل سحب الرعايا الدوليين من السودان، وغلق السفارات، إلا أنه سرعان ما كان يتم انتهاك الهدن الهشة التي وصل عددها إلى نحو 11 هدنة، واستمرت الحرب منذ 15 أبريل، حتى تم تعليق المفاوضات بداية يونيو الماضي، نتيجة محاولات الحسم العسكري من الأطراف المتنازعة. 

جولات سودانية: أرسل طرفا النزاع مبعوثين لدول الجوار لشرح طبيعة الأزمة وتأكيد انفتاحهما على الحل، وهو ما ظهر في زيارة السفير دفع الله الحاج علي مبعوث رئيس مجلس السيادة السوداني إلى مصر ولقائه بوزير الخارجية المصري السيد سامح شكري والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط. بجانب الجولة المكوكية التي قادها نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار وشملت: جوبا، وموسكو، والقاهرة، وأديس أبابا، وأسمرا. فضلًا عن زيارة وفد من القوى المدنية إلى أديس ابابا، ووصول قادة للفصائل المسلحة إلى تشاد للنظر في إمكانية وقف الحرب.

رؤية القاهرة: تتعاطى الدولة المصرية مع الأزمة السودانية بإيجابية منذذ اندلاعها، من خلال الانفتاح على أطراف الأزمة كافة، والتواصل مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية؛ للوصول إلى رؤية موحدة إزاء حل الأزمة. وقد استقبلت مصر العديد من الرؤساء وممثلي الدولة السودانية في القاهرة لمناقشة الأزمة ووضع سبل لحلها. وأطلقت القاهرة أول مبادرة لوقف إطلاق النار بالتنسيق مع الإمارات العربية المتحدة، وشاركت في اجتماعات على هامش قمة جدة، هذا بجانب دعم السودان في مواجهة الأوضاع الإنسانية واستقبال الوافدين السودانيين. ذلك صولًا إلى جمع الدول الأكثر تأثرًا بالأزمة في قمة دول الجوار السوداني والمقرر لها 13 يوليو الجاري، للوصول إلى رؤية موحدة للحفاظ على مقدرات الدولة السودانية ومؤسساتها والحفاظ على الشعب السوداني، مع التأكيد على رفض التدخلات في الشأن الداخلي السوداني، مع العمل على صياغة آلية لوقف دائم لإطلاق النار. 

يضعنا الطرح السابق لتوقع أن تشهد قمة دول الجوار السوداني بالقاهرة تعاملًا جديدًا مع الأزمة، يركز على التعاطي الجيد، مع استعادة الحالة الأمنية للبلاد بوقف دائم لإطلاق النار، يليه مناقشة العملية السياسية. ويعكس الاجتماع الحالة الديموجرافية المكونة للمنطقة من خلفية عربية أفريقية لسد الفجوة في الهوية التي تقف حائلًا في العديد من المبادرات الأخرى. ويجمع المؤتمر كذلك الفرقاء في مكان واحد مما قد يسهم في تقليل الفجوة في رؤى الحل، في ظل أن الحرب أثرت على الجميع.

ولكن تتوقف القدرة على الحل على تقبل أطراف النزاع الرئيسين لقرارات القمة وتنفيذها، مما سيحتاج إلى تشكيل لجنة مشتركة بين السودان والدول السبع لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق واستعادة الثقة بين الفرقاء السودانيين، مع محاولة الوصول إلى نتائج تعيد الأمان للشعب السوداني بوقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية ودعم دول الجوار، وأخيرًا تقديم رؤية  وآليات للعملية المرحلية للوصول إلى توافق سياسي جديد. 

رحمة حسن

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى