أفريقيا

شد وجذب بين التيجراي وقوات آبي أحمد الإثيوبية

تشهد الأقاليم الإثيوبية المتنازعة حالة من السيطرة وفقد السيطرة بين قوات جبهة تحرير تيجراي والفصائل المتحالفة، والقوات الفيدرالية؛ فعقب إعلان الأخيرة إعادة سيطرتها على المدن الاستراتيجية من يد الفصائل، استطاعت التيجراي إعادة السيطرة على بلدة لاليبيلا التاريخية، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى العودة إلى جبهة القتال لرفع الروح المعنوية للقوات، وسط حالة من الرفض الدولي لحالة الشد والجذب، والوصول لحافة الحرب الأهلية ببث خطاب الكراهية والعدوانية، وغض الطرف عن الحالة الإنسانية المتردية في البلاد. فإلى أين يذهب الوضع في إثيوبيا؟

تبادل السيطرة بين قوات آبي والتيجراي

حالة من عدم اليقين تسود الدولة الإثيوبية، فعقب سيطرة التيجراي والقوات المتحالفة على المدن الاستراتيجية في إقليمي العفر وأمهرا، والاقتراب من السيطرة على العاصمة أديس أبابا، وتصريحات جيتاتشو رضا المتحدث باسم جبهة تيجراي بشأن الانتظار لدخول العاصمة حتى يتم السيطرة على الطرق الرابطة بين العاصمة وميناء جيبوتي، لوقف الإمدادات عن العاصمة واستعادة السيطرة على وصول المساعدات الإنسانية إلى الإقليم الذي عانى من قطع المساعدات والاتصالات منذ نوفمبر 2020.

تابع هذا الموقف نزول آبي أحمد –الحاصل على نوبل للسلام- على خطوط المواجهة، وبالرغم من وجوده بالقرب من ساحة القتال الأمامية وليس خطوط المواجهة بحسب مراقبين؛ إلا أنه استطاع أن يجذب العديد من السياسيين والفنانين والموسيقيين من الانضمام لحملته وبث خطاب الكراهية ضد عرقية التيجراي، وبث نوع من الطائفية ضد الجبهة.

وتحول الخطاب من فكرة العدو الداخلي إلى تصويرهم بأنهم حلفاء الغرب والقوى الإمبريالية الساعين لتحويل إثيوبيا إلى سوريا وليبيا والعراق، خاصة بعد توقيع “الفصائل المتحاربة” مع جبهة تحرير تيجراي وتحرير الأورومو للتحالف في واشنطن، وفتح الباب للشباب والعسكريين المتقاعدين من العودة إلى صفوف القوات الفيدرالية الإثيوبية في حربها ضد التيجراي، بمساعدة قوات الأمهرا المسلحة والقوات الإريترية، وتصاعد المظاهرات في العاصمة الإثيوبية ضد ما وصفه تدخل الغرب في الداخل الإثيوبي، ودعوة الشتات الإثيوبي في الخارج إلى توضيح موقف الحكومة أمام الرأي العام الغربي.

استطاعت القوات الفيدرالية توجيه الضربات وخاصة باستخدام الطائرات المسيرة الإيرانية والتركية والصينية إلى جبهة تيجراي وأجبرتهم على العودة إلى مدينة ويلديا والابتعاد عن العاصمة لمسافة 400 كم، بعد أن كانت على بعد 130 كم فقط، والإعلان عن سيطرة القوات الفيدرالية على الطريق الرئيسي المؤدي إلى ولديا وميكيلي.

وذلك مع حشد الطرفين أكثر من 150 ألف جندي في منطقة لا تتجاوز 200 كم على حدود إقليمي تيجراي وأمهرا ؛ مما أفقدهم السيطرة على المدن الرئيسة الموجودة على الطريق السريع A2 الذي يربط معقلهم في تيجراي بمقر الحكومة الفيدرالية، وإعلان الحكومة الفيدرالية استعادة بلدة شيوا روبيت، وتلال أمباسل ومناطق جولبون و8 بلدات وقرى أخرى ومنطقتي ميزيزو، ومولالي روزا، وإغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى كوبو وولديا، واستولت على معاقل عسكرية رئيسة في كل من مدن “أرجو” و”فوكيسا” و”بورن” ذات الأهمية الاستراتيجية بالجبهة الشرقية، إلى جانب السيطرة على ولاليبيلا من مقاتلي جبهة تحرير شعب تيجراي.

وفي ظهور نادر للجنرال تادسي وردي، قائد جبهة تحرير تيجراي،  قال إن قواته أعادت انتشارها ضمن خطة جديدة للعمليات العسكرية، وأن ما يقال عن عزل جبهة تيجراي هو مجرد دعاية حربية، وفي الحادي عشر من ديسمبر الحالي استطاعت جبهة تحرير التيجراي استعادة مدينة لاليبيلا التاريخية، والتي يوجد بها أشهر 10 كنائس قديمة والمصنفة ضمن قوائم اليونسكو للتراث العالمي، وذلك عقب بيان التيجراي بشن حملة موسعة في مدينة جاشينا بالقرب من لاليبيلا، والتقدم والسيطرة على مدن ذات أهمية عسكرية كبيرة وهي مدن وجبال ديري روقا وسدوم، وهو ما أعقبه إعلان آبي أحمد العودة إلى صفوف القوات الفيدرالية، وترك مهام منصبه إلى نائبه ديمكي ميكونين في نوفمبر الماضي، وإعلانه تحقيق مكاسب في الحرب الأهلية المندلعة، واستعادة السيطرة على مدن بالقرب من العاصمة التيجرانية ميكلي. 

أزمات إنسانية متلاحقة:

أشعل النزاع القائم بين القوات التيجرانية والقوات الفيدرالية وحلفائهما في البلاد فتيل الحرب الأهلية وتفاقم الأزمات الإنسانية، فارتكب الطرفان جرائم ضد الإنسانية. وعلى الرغم من احترام التيجراي لقدسية الأماكن بحسب تقارير للسكان؛ إلا أنهم زادوا من الحالة غير الإنسانية في المدن، ومنعت الحكومة الفيدرالية وصول المساعدات الدولية من الطعام والاحتياجات الطبية إلى المدن الواقعة في شمال البلاد، هذا إلى جانب نزوح الملايين من أماكن وجودهم إلى البلدان المجاورة، وخاصة السودان.

وفقًا لتصريحات الأمم المتحدة، فإن المنطقة الشمالية وصلت إلى حد المجاعة، فيعيش نحو 400 ألف شخص في ظروف تشبه المجاعة، مما يحتاج إلى توفير الإمدادات الغذائية لما يقرب من 9 ملايين شخص في مناطق تيجراي وأمهرا وعفر، وأن هناك 5.2 مليون شخص في حاجة لمساعدات عاجلة لتفادي “أسوأ مجاعة في العالم منذ عقود”.

وبالرغم من هذا الوضع الإنساني الشائك، فقد أوقف برنامج الغذاء العالمي توزيع المساعدات الغذائية في بلدتي كومبلوتشا وديسي الاستراتيجيتين، بعد أن نهب مسلحون مستودعاتها، على يد قوات التيجراي المسلحة بحسب بيان الأمم المتحدة. واتهمت كذلك القوات الحكومية بترهيب العاملين بمجال الإغاثة الإنسانية وسيطرة القوات الحكومية على ثلاث شاحنات إنسانية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي وتم استخدامها لأغراضهم الخاصة، وتحتاج المنطقة الشمالية الإثيوبية إلى وصول 100 شاحنة يومية وهو ما تمنعه الحكومة الإثيوبية، إلى جانب حملات الاعتقال التي تقودها ضد عمال الإغاثة الإنسانية واتهامهم بالتدخل في شؤون البلاد، وعدّت الأمم المتحدة إثيوبيا بيئة غير آمنة للعمل الإنساني؛ إذ تم قتل نحو 28 عاملًا في المجال الإنساني، منذ بداية الصراع قبل عام.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية الحقوقية جبهة تحرير التيجراي بإعدام بعض المدنيين دون إجراءات قانونية في بلدتي بإقليم الأمهرا، وفقًا لشهود عيان، هذا إلى جانب قتل 49 مدنيًا آخرين في حوادث منفصلة، ووصفتها بانها جرائم حرب” خلال الفترة من 31 أغسطس حتى 9 سبتمبر الماضي.

وفي المقابل، طالبت “لجنة حماية الصحافيين” السلطات الإثيوبية بإطلاق سراح صحافيين اعتقلوا في نوفمبر الماضي. وفي أحدث تقرير نُشر يوم الخميس 16 ديسمبر 2021، اتهمت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مقاتلين من الأمهرا متحالفين مع القوات الحكومية باعتقال وقتل مدنيين من تيجراي في ظل عمليات الإبادة العرقية المتكررة.

مواقف القوى الدولية المتفاعلة في إثيوبيا “جرائم حرب.. لا للمزيد”

فٌرضت سياسة توقيع العقوبات الدولية من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، بجانب وسحب الرعايا الدوليين من إثيوبيا، وتوقيع العقوبات الدبلوماسية على إثيوبيا وإريتريا، وتوقيع الرئيس الأمريكي جو بايدن على قانون فرض العقوبات على الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إثيوبيا يسمح بمصادرة الاموال والممتلكات، وحرمان إثيوبيا من قانون “أجوا” في محاولة لإعاقة الصادرات الإثيوبية المتمتعة بالإعفاءات الجمركية الأمريكية.

وعلاوة على ذلك، تم اتهام طرفي النزاع سواء من التيجراي أو حكومة آبي أحمد بارتكاب جرائم حرب، وأعرب نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، عن قلق واشنطن بشأن الروايات حول ارتكاب فظائع منسوبة لقوات تيجراي في أمهرا وعفر، ودعا كافة الأطراف إلى وقف العنف ضد المدنيين وفتح التحقيق في صحة هذه الادعاءات والانتهاكات التي ارتكبتها كافة أطراف النزاع في الأمهر وعفر وتدمير البنية التحتية، وبدء المفاوضات دون أي شرط مسبق، ووصول المساعدات لمستحقيها، واعتبار الأمر “أولوية أمريكية”.

ومن المتوقع أن تشهد مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة جلسة حول الحرب الأهلية في إثيوبيا دفع بها الاتحاد الأوروبي، وذلك وفقًا لبيان الأمم المتحدة بأن الطلب الأوروبي حصل على دعم الثلث المطلوب من الدول الأعضاء في المجلس إضافة إلى الدول المشاركة بصفة مراقب ومن بينها الولايات المتحدة.

وذلك في محاولة لمعالجة الوضع الإنساني المتردي المتسبب في الأزمات الإنسانية. وقد وصفت الشهر الماضي ميشيل باشليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الانتهاكات بأنها ترقى إلى “جرائم الحرب”، في خطوة وصفتها لوت نودسين، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الأمم المتحدة في جنيف بانها “التزام أخلاقي للمجتمع الدولي لوقف الاعتداءات وحماية الناجين وضمان المساءلة العادلة”. ومن المتوقع أنه في حال تبني القرار، فسيتم تشكيل لجنة دولية من الخبراء في مجال حقوق الإنسان حول إثيوبيا للتحقيق بشكل أوسع وإعداد تقرير تقدمه للمجلس بعد عام. 

وعلى الرغم من الضغوط الأوروأمريكية، وتصريحات المبعوث الأفريقي  للقرن الأفريقي الرئيس النيجيري السابق “أولوسيجون أوباسانجو” بضرورة الحوار لإنهاء الحرب، وزيارة المبعوث الامريكي جيفري فيلتمان إلى القرن الأفريقي، وتبعها زيارته في 11 ديسمبر الحالي إلى تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة لدعم “الاستقرار في القرن الأفريقي” بحسب موقع وزارة الخارجية الأمريكية، هذا إلى جانب زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن السابقة إلى كينيا، ووساطة الرئيس الكيني أوهورو كينياتا بين أطراف النزاع؛ إلا أن هذه الضغوطات قد ضعفت مع رفض الأطراف المتحاربة للحوار في ظل وصف الحكومة الفيدرالية لجبهة التيجراي بالجماعة الإرهابية ورفض التيجراي التحاور مع سلطة غير شرعية. 

وحاول آبي أحمد عقب خسارته العديد من الدول الأفريقية إلى محاولة استعادة التعاون معهم مرة أخرى في خلق عدو دولي موحد، وجذب تعاطف القوى الكبرى المتنافسة غير المتهمة بالاستعمار للقارة الأفريقية مثل روسيا والصين، مصورًا إثيوبيا في حربها “الداخلية” التي ما فتئ أن يصورها بهذا الأمر، بأنه يحارب نيابةً عن أفريقيا القوى الإمبريالية الداعمة للتيجراي.

وأشار إلى التعاون الإثيوبي الأفريقي لمجابهة الاستعمار سويًا منذ قرون، كما أراد أن يوصفه آبي أحمد، وحاول كذلك إلى محاولة توحيد الصفوف في قضية النيل من خلال الدعوة إلى التوقيع على اتفاقية عنتيبي، في محاولة للعودة للدعم الداخلي والأفريقي من دول حوض النيل كذلك، عقب خسارته شعبيته الداخلية بتمكن التيجراي من التقدم نحو العاصمة الإثيوبية، والإقليمية بتأثير النزاع على دول الجوار، والدولية بمشاركته في جرائم حرب ضد أبناء شعبه.

وفي ظل الدعوات للمفاوضات، كانت هناك أنباء عن حياد الاتحاد الأفريقي في الحرب الأهلية الإثيوبية، الذي انتقد دعوة أمريكية للحوار على موقعه على تويتر تم حذفها فيما بعد بحسب شبكة “بي بي سي”. وعلى الرغم من استمرار الحياد الصيني، في العديد من القضايا ودعمه للحكومة الفيدرالية من خلال التسليح، والمواقف الصينية في مجلس الأمن؛ فقد نشر وزير الخارجية الإثيوبي على حسابه بموقع تويتر، تصريحات وزير الخارجية الصيني “وانج يي” خلال زيارته للبلاد في بداية هذا الشهر حول “تجديد الرفض الصيني  ضد أي تدخل أجنبي في الشؤون الإثيوبية الداخلية”، هذا إلى جانب التأكيد على مرحلة الصداقة التي وصلت لها البلدان، ونقد شعارات التدخل الخارجي بدعوى حماية حقوق الإنسان والديمقراطية وأنها ليس حكرًا على بلد بعينها والتي تحاول فرض سياستها ودعم الانقسام مما يهدد الأمن والسلم العالمي، واشتراك الصين في حملة “لا للمزيد No more” التي دشنتها الحكومة الفيدرالية للحصول على دعم الشتات الإثيوبي والشعب الداخلي ضد جبهة تحرير التيجراي التي تصنفها إرهابية، في إشارة إلى الموقف الغربي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويبدو أن المواقف الدولية المتذبذبة خاصة من الذراع الغربي الأمريكي قد أفقد جبهتي النزاع القدرة على تحديد الحلفاء؛ فتحاول الولايات المتحدة خلق جبهة جديدة للضغط على حكومة آبي أحمد من خلال التحالف مع تركيا والحصول على الدعم الإماراتي للوصول إلى طاولة المفاوضات، وهو ما أربك جبهة تحرير التيجراي التي أوضح المتحدث الرسمي باسمها جيتاتشو رضا أن الموقف الأمريكي قد أربكها ولم يكن مفهومًا في ظل التذبذب بين الرفض والتحفظ والتأييد، من فرض عقوبات للدفع نحو التفاوض أو رفض موقف آبي الذي سيؤدي إلى تدمير البلاد أو التأكيد على “حمام الدماء” في حال دخول التيجراي إلى العاصمة أديس أبابا.

وفي الوقت الذي رفضت فيه الحكومة الفيدرالية الضغوط الأوروأمريكية بالتفاوض، صادق آبي أحمد على مشروع تشكيل “هيئة الحوار الوطني” كمؤسسة مستقلة عن السلطة التنفيذية، دون إقصاء أي أحد، مع فتح الباب أمام التيجرانيين الراغبين في السلام،

وهو ما يضعنا أمام سيناريو إعادة بناء التحالفات بين القوى الدولية للعودة لطاولة المفاوضات، مع حالة الشد والجذب بين الأطراف الداخلية المتنازعة والتي وصلت إلى حالة شبه لا نهائية من الحرب غير المنتهية التي أنهكت الطرفين، ستنجح فقط في حال الوصول لصيغة وسط تضمن استعادة التيجراي والقوات المتحالفة للوجود ضمن النخب الحاكمة، والوصول لاتفاق سلام أو اتفاق نهائي بشأن وقف اإطلاق النار، وذلك في حال ضمان عدم تقديم الدعم العسكري للأطراف المتنازعة من القوى الدولية المتنافسة للحفاظ على عدم التفكك الإثيوبي وانتشالها من حافة الانهيار.

هذا مع وجود لجنة أممية لتقصي الحقائق ستعمل على وصم أحد الاطراف بمجرمي الحرب إذا لم ينفذ رغبات القوى الدولية الداعمة، إلى جانب وجود قوات أو لجنة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وهو ما سيصعب تنفيذه، في حالة استمرار التنافس الدولي وضعف ضغوط المؤسسات الدولية، وخضوع إثيوبيا لمفهوم الحرب بالوكالة، واعتبارها ملاذًا لعمليات الاستثمار في إصلاح البنية التحتية المتهدمة من الصراع، مما ينذر بإطالة أمد النزاع في ظل وصف مجموعة الأزمات الدولية الحرب بانها “لا يمكن الفوز بها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى