أفريقيا

إثيوبيا.. سياسات “آبي أحمد” الداخلية بين دعوى الإصلاح ومواجهة حركات تمرد على حكمه

مشهد الداخل الإثيوبي لا يخلو من الحركات المناهضة للحكم منذ نظام هيلا سيلاسي حتى حكم آبي احمد والذي وصفه الإعلام عقب توليه الحكم وصولاً بحصوله على جائزة نوبل بأنه “رجل السلام”؛ إلا أن الواقع الداخلي الإثيوبي اتسم بالدعوات الانفصالية أو ثورات من أجل الوصول لسدة الحكم، فعلى الرغم مما أسماه آبي أحمد من سياسات اصلاحية لتوحيد البلاد والالتفاف الوطني، إلا أن تلك الإجراءات أعقبها أحداث متفاقمة بدأت بمحاولة اغتياله في ميدان “مسكل” يونيو 2018، ومحاولة الانقلاب الفاشلة في يونيو 2019، وآخرها مظاهرات أكتوبر 2019. 

نقطة الانطلاق وتولي آبي سدة الحكم ووضع خطته للإصلاح السياسي

تولى آبي أحمد رئاسة وزراء إثيوبيا في مارس 2018 عقب استقالة “هيلي ماريام ديسالين” ، بشكل غير متوقع في أعقاب الاضطرابات التي تزعمتها المعارضة في منطقة أوروميا الوسطى، بسبب ما وصفوه بتعدي الحكومة علي الأراضي الأورامية مما أدي إلي مزيد من الاشتباكات العرقية ونزوح مئات الآلاف منذ سبتمبر 2017.

روج آبي أحمد لنفسه من خلال برنامجه للاصلاح السياسي بأنه راعي الديمقراطية ورفع شعار الحب والسلام في ظل دولة يسيطر عليها الطبيعة الانفصالية والنعرات القبلية المدعومة من الدستور، كما عمد على اتخاذ دور الوساطة الإقليمية، وحل النزاعات الحدودية، ودعوي حرية الإعلام، واتفاقيات السلام مع الجماعات المسلحة والإصلاح السياسي التي تتضمن بنود الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتحسين المناخ السياسي والعمل على ملف حقوق الإنسان.

هل نجحت سياسات آبي الاصلاحية؟ 

محاولة اغتيال آبي أحمد نتيجة محاولات فض النزاع مع دول الجوار والجماعات العرقية:

في يونيو 2018، شهدت ساحة “مسكل” بالعاصمة أديس أبابا تفجيرًا خلال تجمع جماهيري لأنصار آبي أحمد في محاولة لاغتيال آبي أحمد، وهو ما عدّه البعض محاولة لعرقلة جهود آبي نحو تحقيق الإصلاح والسلام في ظل النزاعات مع الدول المجاورة من ناحية والصراعات العرقية الداخلية من جهة أخرى.

النزاعات الطائفية الداخلية مقابل اصلاحات جهاز الأمن والدستور الانفصالي: 

يبدو أن سياسات الحرية التي اتبعها أبي أحمد مهدت الطريق أمام مطالبات شعبية متعلقة بالهوية، خاصة من جانب أبناء الأمهرة، الأمر الذي أفضى نهايةً في وتيرة العنف العرقي والطائفي بين عرقتي “الأمهرة” و”جوموز”، علاوة على تنامي النزاعات الحدودية على الأراضي بين الولايات، مما أسفر عن نزوح 2,4 مليون مواطن إثيوبي طبقاً لتقرير الأمم المتحدة.

وفي سبتمبر 2018، تصاعد العنف بين جماعتي أورومو وجيديو العرقيتين “قتله شبان من الأورومو بأبشع طريقة ممكنة”. وشرد تصاعد أعمال العنف العرقية، التي أحيانا ما تكون في شكل هجمات الغوغاء، نحو مليون شخص خلال الشهور الأربعة السابقة للاضطرابات في جنوب إثيوبيا كما تؤجج المشاعر السيئة بين جماعات عرقية في مناطق أخرى، وهي خطوة وجدها المراقبون “إن شبانا من جماعة أورومو العرقية التي ينتمي لها أبي أحمد تشجعوا بوصوله للسلطة ويهاجمون جماعات أخرى للثأر بعد سنوات من التهميش، وذلك في ظل التحولات التي اتخذها آبي أحمد في أجهزة الأمن، وخطوات آبي أحمد نحو تخفيف قبضة الدولة التي كانت تحكم من قبل بيد من حديد، كما تم رفع حكم الطوارئ والإفراج عن آلاف السجناء السياسيين، مما فتح الباب أمام  صراعات تاريخية على الأراضي والموارد والسلطة المحلية وأيضا عن الانقسامات العرقية الكامنة، كما تم وصف آبي أحمد بأنه يخشى التعامل مع هذه القضايا خوفاً من تنفير قاعدته من الأورومو. 

فلا يزال عشرات الآلاف مشردين على الحدود بين أوروميا والمنطقة الصومالية. ويتهم الأورومو قوة أمنية محلية في المنطقة الصومالية بارتكاب جرائم ضد السكان المحلين، في ظل خلاف المسئولين اقليميين مع الحكومة الاتحادية. 

 وفي اطار سعي جماعة سيداما العرقية لإقامة منطقة خاصة بهم، قتل أفراد من جماعة سيداما العرقية رجالا من جماعة ولايتا العرقية المنافسة حرقا في مدينة هواسا الجنوبية في يونيو  2018.

وهو ما يشير إلى أن دعوى الحرية أدت لمزيد من الانفلات الأمني، في ظل طبيعة انفصالية قائمة على التنوع العرقي والديني، القائم على الطمع في الثروة والسلطة، وفي ظل دستور يعظم من الطبيعة الانفصالية في ظل فيدرالية الدولة. 

 فقد قام ميلس زيناوي عقب انتخابه رئيسا للبلاد، وكانت المرة الأولي التى يتولى فيها رئيس من قومية التيجراي منصبا رفيعا، وانتهاء حكم الأمهرة، بوضع مادة في الدستور الإثيوبي عام 1994 تنص على حق تقرير المصير للأمم الإثيوبية بما في ذلك الحق في الانفصال والأخذ بالشكل الفيدرالي للدولة، لكن تلك المادة لم تؤسس لاندماج حقيقي للقوميات والطوائف الإثيوبية المختلفة، بل كانت مدخلا لتأسيس دولة فيدرالية مبنية على نظام عرقي. والذي تم اعتباره نوع من التحصين لنفسه من أي انقلابات محتملة ضده، حيث يستطيع وقتها الاستقلال بإقليم التيجراي ويصبح رئيسا له، وقام بضم أراضي من الأمهرة الى التيجراي. 

محاولة الانقلاب واطلاق سراح السجناء السياسين والمصالحة مع إريتريا:

في يونيو من العام الجاري قاد الجنرال “أسامينيو تسيجي” رئيس جهاز الأمن في ولاية أمهرة،  وهو الرجل الذي وُصف بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب أسفرت عن قتل رئيس ولاية أمهرة “أمباتشيو ميكونين” ومستشاره “إزيز واسي” في مدينة “بحر دار”، والنائب العام للولاية “ميجبارو كبيدي” بعد تعرضه للإصابة أدت إلى وفاته بعد يومين، مما دفع الشرطة إلى قتل الأول؛ فيما قُتل قائد الجيش الإثيوبي الجنرال “سياري ميكونين” المنتمي لقبيلة التيجراي الذي انتقده أبناء طائفته لتقربه من السلطة الحاكمة بقيادة آبي، وقتل اللواء المتقاعد “جيزاي أبيرا”  أثناء محاولة إحباط الانقلاب في العاصمة أديس أبابا على يد أحد حراسه الشخصيين، والتي على إثرها قامت السلطات الإثيوبية بالإعلان عن توقيف 56 عضوًا بحزب حركة الأمهرة السياسي، وفرار عدد قليل من المشاركين في محاولة الانقلاب.

وذكرت الأخبار آنذاك أن تسيجي كان من ضمن القادة العسكريين وقضى 9 سنوات داخل السجن لاتهامه بالتخطيط لقلب نظام الحكم والإطاحة برئيس الوزراء الأسبق “ميلس زيناوي” ، وذلك بالتنسيق مع جماعة “جينبوت” والتي تم تصنيفها من قبل الحكومة الإثيوبية كجماعة إرهابية، وتم الإفراج عنه ضمن سياسة آبي أحمد الإصلاحية التي تبناها فور توليه الحكم في أبريل 2018.  

وعقب المصالحة الإثيوبية الإريترية التي تولاها آبي أحمد وحصل على إثرها على جائزة “نوبل”، شهدت عودة الجماعات الإرهابية مثل “ائتلاف المعارضة الوطنية المسلحة” والذي يضم حركة “قنوب سبات” و”الجبهة الوطنية الإثيوبية” وغيرها من الجماعات الإرهابية إلى إقليم الأمهرة بعد رفع أسماءهم من قوائم الجماعات الإرهابية، والتي كانت تقود الهجمات على القوات الحكومية الإثيوبية من إريتريا. وهي المصالحة التي وصفها المحللون بأنها “غير مكتملة”.

ولذلك يرى الكثيرون أن سياسات آبي أحمد الإصلاحية بحاجة إلى إعادة النظر وخصوصًا إطلاق سراح السجناء السياسيين بدعوى الحرية في وقت ارتكب هؤلاء فيه جرائم تستوجب استمرار العقاب ولذلك يثار تساؤل حول مدى مساهمة سياسات آبي أحمد في إدارة الصراعات الإثنية داخل إثيوبيا وهل نجحت فعلًا في تحقيق الاندماج القومي وإعلاء مبدأ المواطنة؟  

توقيع الاتفاقيات مع الجماعات المسلحة: 

الأمر الذي يعزز من كان أولى لآبي أحمد أن يضع الأسس العرقية والإثنية المترتب عليها نزاعات عرقية في اعتباره عند وضع سياساته الإصلاحية، والتي أتاحت الفرصة للتوجهات الانفصالية المتشددة للظهور بحرية لدى مختلف الجماعات الإثيوبية، والتي يمكن حصرها في اتجاهين وهما النزاع العرقي حول السلطة أو النزاعات المسلحة لتحقيق الانفصال؛ والمتمثلة في مبادرات المصالحة مع الجماعات المسلحة التي يقوم بها رئيس الوزراء الإثيوبي للوصول إلى حالة من الاستقرار.

وقعت حكومة آبي أحمد اتفاق سلام مع جبهة تحرير أوجادين، والتي كانت قد حظرتها في وقت سابق بوصفها جماعة إرهابية، وتوقيع اتفاقية للسلام مع جبهة تحرير الأورومو تقتضي بعودة مقاتليها من منفاهم في إريتريا في مقابل نزع السلاح، والتي عجزت الدولة عن نزعه وأعقبه تزايد أعمال العنف في إقليم الأوروميا، والمدن المجاورة، ودخل إقليم الأورومو في دائرة العنف استهدفت الجماعات المجاورة وعلى رأسهم الأمهرة، وهي العرقية التي  دخلت بدورها في صراع حدودي مع “التيجراي” في جواره الشمالي، ومع إقليم “بني شنقول-جوموز” في جواره الجنوبي هذا إلى جانب النزاعات الحدودية بين قبيلتي العفر والعيساوي والتي تم اتهام جيبوتي في التدخل في تفجيرها.  

تقسم الدولة الإثيوبية إلى تسع أقاليم تقوم على التوزيع الجغرافي للجماعات الإثنية، وتتمتع الأقاليم الإثويبية بحكم شبه ذاتي إضافة إلى مشاركتها في الحكومة الفيدرالية، ويقوم نظام الحكم فيها على نظام الفيدرالية الإثنية والذي لم يغير من الطبيعة المركزية الإدارية للدولة، الذي يقوم على وضع السلطات الإدارية والاقتصادية في يد الجبهة الديمقراطية الثورية وبالتالي لم تحقق القوميات آمالها في توزيع السلطة والثروة، وتحويل الصراع ليكون بين القوميات وبعضها بدلاً من الولايات والحكومة المركزية.

مظاهرات أكتوبر ضد خطاب آبي أحمد أمام البرلمان: 

حاول آبي أحمد في خطابه أمام البرلمان الإثيوبي في كسب ود الشعب الإثيوبي،  إلا أنه انقلب السحر على الساحر، فنشرت وكالة “رويترز” أن الاحتجاجات اندلعت في أداما، ومدن أخرى في منطقة أوروميا، معقل دار أبي احمد في العاصمة أديس أبابا، وجاءت كانعكاس لتصريحات آبي أحمد أمام البرلمان حول اتخاذ تدابير صارمة ضد المنظمات الإعلامية التي وصفها بأنها تؤجج الصراعات والتي يعد “جوهر محمد” –المدير التنفيذي بشبكة الأورومو الإعلاميةومفجر الاحتجاجت – ضلعًا أساسيًا فيها. كما ألمح إلى أن أولئك الإعلاميين الذين يملكون جوازات سفر أخرى غير الجواز الإثيوبي يتخذون مواقف محايدة عندما يكون الوطن في ورطة، ووصلت إلى مقتل 67 شخصاً على يد قوات الشرطة اثناء الاحتجاجات، كما جاءت هذه الاحتجاجات في ظل انتهاج الدولة سياسات لمحاولة تقويض المعارضة وسحب الحرس الخاص بهم، واعتبرها مفجروهم أنها محاولة للتمهيد لاغتياله.

وجاءت هذه التحليلات لسياسات آبي أحمد الاصلاحية دون التطرق للوضع الاقتصادي والذي أدى لتفجير العديد من الاحتجاجات على إثر أزمات الكهرباء والطاقة في البلاد، ويعكس الواقع الفعلي الموجود على الأرض الصراعات الإثنية والعنف العرقي الذي تشهده البلاد بعد الإفراج عن السجناء السياسيين، إلى جانب الصراع بين دعوات تاجيل الانتخابات المقرر عقدها العام المقبل، ودعوات إجراءها، وسط تشكك من إحراز آبي أحمد للأغلبية عقب حادثة الإنقلاب وما تلاها من احتجاجات في منطقة الأورومو مسقط رأس آبي أحمد، مما قد تمثل تحدياً أمامه وقد يفقده من شعبيته التي اكتسبها عند توليه الحكم. 

وعن السيناريو الآخر أن تكون هذه السياسات الاصلاحية بمثابة سياسة انتقالية ستتغير بانتهاء الفترة الانتقالية عقب اتمام الانتخابات 2020، ولكن الانتخابات هي الأخرى قد تواجها تحديات أمنية قد تعيق في إجراءها. وسواء جاءت الانتخابات بآبي أوغيره فإن تحويل إثيوبيا إلى دولة ديمقراطية يتطلب تغييراً في النسق السياسي، فالأزمات السياسية تضرب بجذورها في عمق الثقافة السياسية في هذه الدولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى